المحطة الأخيرة

المحطة الأخيرة

اللوحة: الفنان الأميركي جوزيف وايلدر

​في تلك الغرفة الضيقة، التي تفوح منها رائحة المطهرات النفاذة، ساد الصمتُ كلَّ شيء إلا من دقات قلبها المجهد. جلست “فاطمة” أمام نافذتها المعتادة، ترقب خيوط الشمس الذهبية وهي تودع السماء، وتتسلل على استحياء خلف الأفق. كان المساء يزحف ببطء، تمامًا كما يزحف ذلك الضيف الثقيل في جسدها، معلنًا جولة أخرى من الألم الصامت.

​لطالما كانت فاطمة رمزًا للعطاء؛ امرأة قضت حياتها تزرع الفرح في قلوب من حولها. والآن، وجدت نفسها في محطة مغايرة تمامًا، تواجه وحشًا ضاريًا يُدعى “السرطان”. لم تعد المرآة صديقتها المفضلة؛ فملامحها الشاحبة، وجسدها الذي أنهكه العلاج الكيماوي، وتساقط خصلات شعرها التي طالما اعتزت بها، كلها كانت شواهد على حرب ضروس تُشن داخل أوردتها.

​ومع ذلك، ورغم ذبول جسدها، كان هناك بريق غريب يلمع في عينيها، بريق عجز المرض عن هزيمته… إنه بريق الأمل.

​في تلك الليلة، كان الألم أشد ضراوة من المعتاد. شعرت وكأن جسدها يتداعى، وأن قواها تخذلها تمامًا. نظرت إلى الطاولة المجاورة لسريرها؛ زجاجات الدواء الملونة، والتقارير الطبية المكتوبة بمصطلحات لاتينية معقدة، وجدول الجلسات القادمة. كل شيء، بلغة الأرقام والعلم الباردة، كان يهمس لها بأن “النهاية قد اقتربت”، وأنها تقف في المحطة الأخيرة.

​أغمضت عينيها، وانحدرت دمعة دافئة كوت خدها. لم تكن دمعة استسلام، بل كانت صرخة استغاثة صامتة. تذكرت كلمات جدتها الراحلة: «يا ابنتي، إذا أغلقت الأرض أبوابها، فإن باب السماء لا يُغلق أبدًا».

​همست بصوت متهدج مثقل بالإيمان:

​”يارب… لقد طال البلاء، وعجز الأطباء، وانقطع الرجاء من البشر إلا منك. يا من يحيي العظام وهي رميم، هب لي من لدنك معجزة تشفي سقمي”.

​لم تكن تطلب طوق نجاة بشري، بل كانت تنتظر معجزة الشفاء؛ تلك التي تتجاوز حدود العقل ومنطق الطب. نامت وهي تحتضن مصحفها الصغير، بينما كانت السكينة تغزل خيوطها حول قلبها المضطرب.

​مع تباشير الفجر، استيقظت فاطمة بشعور لم تعهده من قبل. لم تشعر بذلك الثقل الخانق الجاثم على صدرها، ولم يسارع الألم لينهش أطرافها مع أول حركة. فتحت عينيها لترى شعاعًا فضيًا من نور الفجر يملأ الغرفة، وكأن الصمت يعزف لحنًا من الطمأنينة.

​استجمعت قواها ووقفت على قدميها دون مساعدة. خطت خطوتها الأولى نحو الشرفة واستنشقت الهواء النقي بعمق؛ وشعرت برئتيها تتسعان وكأنهما تولدان من جديد. لم يكن هذا مجرد شعور عابر، بل كان يقينًا سريًا يسري في عروقها بأن شيئًا ما قد تغير… وأن يد القدر الرحيمة قد لمستها في عتمة الليل.

​بعد أيام، جاء موعد الفحص الروتيني والأشعة. كان الدكتور “أحمد” يتصفح الملفات على شاشة حاسوبه، وعلامات الحيرة والذهول ترتسم على وجهه. ينظر إلى الأشعة القديمة، ثم يعود ليدقق في النتائج الحديثة، يعقد حاجبيه، ويكرر الفحص المرة تلو الأخرى.

​قالت فاطمة بنبرة هادئة وابتسامة وادعة:

  • “بشرني يا دكتور… هل هذه هي المحطة الأخيرة؟”

​خلع الطبيب نظارته الطبية، ونظر إليها بذهول تام والدموع تترقرق في عينيه، وقال بصوت مرتجف:

  • “السيدة فاطمة… أنا لا أؤمن إلا بلغة العلم والتحاليل، ولكن ما أراه الآن يتجاوز كل ما درسته في حياتي. الورم… الورم قد اختفى تمامًا! جسدكِ خالٍ تمامًا من أي أثر للمرض. لا أعرف كيف، ولكن هذه معجزة بكل المقاييس!”

​انهمرت دموع فاطمة بغزارة، لكنها كانت هذه المرة دموع الفرح والامتنان. خرّت ساجدة في صلاة شكر طويلة، وهي تشعر وكأن روحها قد غُسلت بالكامل.

​خرجت من المستشفى، وتطلعت إلى السماء الزرقاء الشاسعة، وهي تعلم بيقين مطلق أن المحطة الأخيرة مع المرض لم تكن إلا بداية لرحلة جديدة مفعمة بالحياة والأمل… وأن المعجزات لا تتوقف عن الهطول طالما أن القلوب تنبض بالإيمان.

اترك رد