اللوحة: الفنان العراقيّ مرتضى الجصّاني
ثمة نصوص لا نقرؤها بأعيننا، بل بمشاعرنا، فتؤقت حواسنا على الانفجار في أية لحظة، نصوص تأتي «كضماد دافئ» لجرح قديم نسينا كيف نُداريه، وفي زمن غدت فيه المأساة حدثا يوميا عابرا، تبرز بعض النصوص الأدبية لا كأعمال فنية فحسب، بل كوثائق صادمة ترصد بدقة زلازل النفس البشرية وانكساراتها وصراعاتها الوجودية.
هكذا يفاجئني دائما الكاتب والشاعر صالح مهدي محمد كلما نشر نصا جديدا، حتى حرت في أمري: كيف ومن أين يمكنني تناول نصوصه؟ هل أتناولها كنصوص مفردة؟ أم أتناوله كظاهرة وفن في الكتابة؟ أو ككاتب بمجمل منتجه الأدبي؟ وهذا يصعب الخوض فيه، إذ يحتاج مزيدا من البحث والتريث والتواصل مع الكاتب نفسه والجلوس إليه.. ربما هذا التشتت هو ما أخرني كثيرا في تناول كتاباته وتسليط بعض الضوء على أسلوبه المميز في الكتابة، بالرغم من أني أتابع ما ينشر عن كثب، وأثمن تجربته الإنسانية والفنية الأدبية.
ومن مجمل ما أعجبني وأجبرني على التوقف عنده، نصه المعنون: «لأننا هنا يا صديقي» هذا النص ليس مجرد قصيدة نثر عبر بها شاعر عما بداخله، بل رسالة مبللة بالحزن، ومكتوبة بمداد الانكسار المرير، رسالة تفتح نوافذ الوعي على مشهد الاستلاب الإنساني في أبهى تجلياته، وتأخذنا في رحلة شجية مريرة نحو دقة التشريح النفسي بلغة أدبية شفيفة، حيث يأخذنا الشاعر في رحلة نفسية معقدة عبر ست محطات من الوجع المتسامي، يتحول فيها الجسد إلى خريطة اغتراب، ويصبح المقهى رحما رمزيا يحتوي مرتاديه، وتتحول عبارة «وأنا أيضاً» إلى طوق النجاة الأخير ضد الانفصال التام عن الواقع.
إنها مواجهة عذبة بين «البراءة التي تآكلت كالنحاس القديم» وبين قسوة المدن التي تبتلع الأحلام المراهقة، ومع ذلك، لا يسقط النص في سوداوية مطلقة، بل يلمع كفوسفور مشع لشدة ما فيه من تآكل، ويبحث في عتمة المقهى الرديء عن محمية طبيعية تحمي الأرواح المتشابكة من الكسر. ومن خلال اعتراف نبيل بالضعف، وتلك الـ «أنا أيضاً» المشحونة بالتعاطف، يتجلى لنا كيف يرمم الحب والصداقة ما هشمته الأيام.
النص ليس مجرد مرثية نثرية تبكي رصيفا منسيا، أو غناء حزينا في مقهى رديء؛ إنه صرخة مكتومة لجيل كامل كتب عليه أن يواجه «الخراب الأنيق» بصدور عارية، وأن يفتش عن هويته المفقودة في عروق يده المتجعدة أو في رغيف خبز ساخن.
النص يعيد رسم الجسد كخريطة للأوطان المفقودة، ويحول الخراب إلى لوحة معبرة، والنحيب المكتوم إلى سيمفونية عميقة الشجن؛ مما يجعلنا نتساءل عن آليات الدفاع النفسية التي وظفتها الذات المبدعة للمقاومة، وكيفية الغوص في دهاليز صدمات الطفولة والمراهقة، وتآكل الأنا أمام وحشية المدن، وكيف استطاعت هذه الذوات المستلبة، بصداقة نبيلة وعقد اجتماعي غير مكتوب أن تحول الهباء إلى لوحة، وأن تجعل هذه الأرض القاسية مكانا يمكن احتماله.
في هذه القراءة، لن نقف عند حدود البلاغة أو جماليات الصورة الشعرية، بل سنحاول أن نمزج بين تأمل جماليات الصورة، وبين الاستماع إلى النبض المنهك المتواري خلف الحروف، فمع لازمة «لأننا هنا» التي تكررت في مقاطع النص، نلمح ملاذا وجوديا يلوذ به الشاعر من الانهيارات المتوالية.. دعونا نعبر معا إلى عالم النص الشفيف، لنفكك شفرات هذا الشجن، ونتأمل كيف استطاع قلم مشحون ألما، أن يرفع كؤوس الشاي الباردة تحية للهباء، محاولا بلمسة وعي أخيرة أن يجعل هذه الأرض القاسية.. “أقل قسوةً بقليل”.
لازمة متكررة
نجح الشاعر في تحويل عبارة «لأننا هنا» إلى مفتاح دلالي تتكئ عليه مقاطع النص، وهذا التكرار يزود القارئ بطاقة شعورية متجددة في كل مرة؛ فمرة يعقبها يأس أو أمل، ومرة يعقبها تعزية ومؤاساة، ومرة يعقبها تمرد، وكلمة «هنا» ليست مكانا ماديا جغرافيا، بل هي فخ وجودي وواقع صادم يجد الوعي نفسه قابعا فيه بلا فكاك، والتكرار آلية دفاع نفسية تعكس محاولة الاقتناع بهذا الواقع أو الاعتراف به، والإذعان للمقدر فيه على سبيل التقبل والرضا.
نحن معاً في هذه العزلة
يبدأ النص بوضعنا في حجمنا الحقيقي أمام الكون، حيث يجرد الإنسان من غروره، فهو محض عابر سبيل يقتسم مع غيره كل شيء، الرصيف والهواء، والعيون المتعبة، والصمت الذي أصبح سقفا وملجأ للحماية من الانهيارات الخارجية:
«في هذه النقطة المنسية من مجرةٍ صاخبة،
نقتسم الرصيف نفسه، والهواء الشحيح ذاته،
وننظر إلى السماء بعيونٍ أثقلها الغبار..
لأننا هنا، يا صديقي،
لم يعد الصمت مجرد غيابٍ للكلام،
بل صار سقفاً نلوذ به من هسيس الانهيارات التي تحدث في الخارج»
لكن العمق الإنساني الحقيقي هنا هو العزاء في المشاركة؛ فالنص لا يتحدث بصيغة المفرد، بل بصيغة الجمع «لأننا هنا، نقتسم، ننظر» وعبر عن عمق هذه المشاركة باختيار كلمة «صديقي» للدلالة على هذا الإنسان الذي يشبهه تمام في أي مكان فوق هذه النقطة المنسية في الكون.. إنها مواساة حانية تقول: حتى لو كنا منسيين ومتعبين، فالأهم أننا لسنا وحدنا، نحن نقتسم البؤس ذاته معا، وأن الملاذ الوحيد هو الوعي الذاتي والمشاركة الإنسانية، ثم ينتقل النص سريعا من الفضاء الخارجي إلى الفضاء الداخلي:
«انظر إلى أيدينا،
كيف تجعدت على عجل،
وكيف صارت العروق الأزرق فيها تشبه خرائط لبلادٍ لم نزرها…»
لقد تحول الألم النفسي الوجودي غير المحتمل إلى أعراض جسدية: شيخوخة مبكرة، تجاعيد، عروق نافرة، فالجسد يشيخ على عجل كرد فعل على وطأة الخوف والمعاناة، والعروق الزرقاء كخرائط لبلاد لم تُزَر، إنها البلاد المتخيلة التي هربت إليها الروح بعد أن ضاق بها الواقع، وربما دلت على المعاناة في الغربة والشتات، والأحلام التي لم تتحقق، حيث بات الوطن أمنية بعيدة، وعروقنا طرقات، فارتسمت الخريطة على الجسد كوشم للاغتراب.
حقائب ثقيلة ورحلة قصيرة
يلخص الشاعر مأساة الإنسان مع الزمن في جملة مكثفة وعميقة:
«كنا نود لو أن الرحلة أطول،
أو أن الحقائب أخف»
هذه المفارقة الوجودية الدائمة: الحياة تمضي أسرع مما نتمنى، بينما المشاكل، والهموم، والذكريات (الحقائب) التي نحملها على أكتافنا أثقل مما نحتمل، فقد وصلنا إلى نهايات مقاصدنا مثقلين بالانكسارات لا بالانتصارات، لكننا، في مواجهة هذا الكون الشاسع والانهيارات الخارجة عن السيطرة.
«ليس في جعبتنا سوى بضع قصائد،
وضوء شمعة يرتجف كلما مرّت فكرة سيئة»
حيث لا أسلحة ولا ثروات، بل محض قصائد، وضوء شمعة تمنحنا بصيصا من أمل، لكنها لهشاشتها، ترتجف رعبا إذا اعترضتها أفكارنا السيئة.
الخيبة النبيلة – ضياع وجودي وبراءة مفقودة
لم يعد العالم في نظر الشاعر مثاليا كما تخيل في مراهقته، لكنه بدلا من الاستسلام التام، يقرر اختراع بدائل للعيش، فالنجاة تأتي عبر تحويل الألم والمعاناة إلى جمال حتى لو كان من أوهامنا:
«أن نحول هذا الخراب الأنيق إلى لوحة،
وهذا النحيب المكتوم في غرفنا المظلمة إلى سيمفونية»
إنها دعوة لخلق المعنى عندما يفقد العالم معناه؛ وكيف يتأقلم الإنسان مع مأساته حتى تصبح جزءا من هويته، فالخراب يصبح أنيقا عندما ننظر إليه بعين مغايرة، والبكاء الصامت يتحول إلى سيمفونية عذبة حين نُوَقِّعها بقناعة في أنفسنا.
ثم يأخذنا النص في رحلة يقارن فيها بين حالتين: الأحلام المراهقة، حيث يظن الإنسان أن المدن ستفتح له أبوابها بمجرد أن يطرقها، وهي صورة تعبر عن البراءة والثقة المفرطة في الغد، والواقع الشرس، الذي يكسر الشاعر فيه هذا الوهم باستعارة مدهشة وصادمة، حيث تحولت المدينة إلى وحش يلتهم البشر كوجبة شهية، وهي رمز للمحيط الذي تحول من محتضن يحمي، إلى عدو شرس يقوم بابتلاع الذات، وعند اصطدام الماضي بالحاضر، تلك الصدمة الأولى التي يتعرض لها الإنسان عند الانتقال من مراهقة حالمة إلى حقيقة واقعية صادمة، فيفقد نقاءه تدريجيا كما يفقد المعدن لمعانه بالصدأ، وتتحول الأحلام إلى وحوش، والمدن تبتلع عابري السبيل!
«أتذكر عندما كنا نظن أن العالم ينتظرنا
أن المدن ستفتح بواباتها الحديدية بمجرد أن نطرقها بأحلامنا المراهقة
يا لبراءتنا التي تآكلت كالنحاس القديم!
المدن لم تكن تنتظر أحداً، يا صديقي،
المدن كانت مشغولة بابتلاع عابري السبيل»
نحن أمام «أنا» مأزومة؛ تقف على الحافة «حافة الوقت» تعاني من نكوص يذكرها ببراءتها المفقودة، وتعيش ضياعا وجوديا يجعلها مدركة لحتفها ومحاصرتها بوقت يضيق وخيارات أضيق كضيق القبر، لكنها محكومة بوهم الأمل المقيد بالعدم: «يتعين علينا أن نخترع المعنى من لا شيء» هل هو سقوط إذن في حالة من الإنكار والوهم؟ أم نوع من الاحتيال على الواقع كآلية نفسية للبقاء؟
«ونقول لأنفسنا: ما زال في العمر متسع لخيارات أخرى،
رغم أننا نعلم، في أعمق سرائرنا،
أن الخيارات تضيق كما يضيق القبر بساكنه الأول».
هذا القول ليس حقيقة، بل هو محاولة يائسة لترميم الأنا المتشظية، رغم الوعي الداخلي المطلق بالهزيمة، إنها وقفة التأمل الأخيرة، يمارس فيها الأصدقاء نوعا من المواساة الذاتية، حين يقولون لأنفسهم إن هناك متسعا لخيارات أخرى، لكن العقل الباطن يعرف الحقيقة المرة التي صاغها الشاعر في قوله: «الخيارات تضيق كما يضيق القبر» هذا التشبيه، رغم قسوته، يخبرنا أن الفرص في الحياة تتناقص كلما تقدمنا في العمر، وأن المساحة المتاحة للمناورة تصبح أضيق، تماما كالمساحة الأخيرة للإنسان – القبر.
كيف نترجم حزن الآخر؟
صلة عميقة تلك التي فرضتها الظروف المشتركة والمصير الواحد «في هذه الألفة القسرية» هذه الألفة لا تحتاج إلى كلام منمق، بل تتحول إلى حاسة تجعل الصديق قادرا على قراءة مشاعر صديقه من تفاصيل صغيرة: حزنك يُقرأ من طريقة إشعالك للسيجارة.. شوقك لأمك الراحلة يوقظه مشهد امرأة عجوز تجر أكياسها في المطر.. بحثك عن الوطن يتلخص في رغيف خبز ساخن أو لحن عابر.
«لأننا هنا، في هذه الألفة القسرية،
تعلمتُ كيف أقرأ حزنك من طريقة إشعالك للسيجارة.
تعلمتُ كيف تفكر في أمك الراحلة كلما رأيتَ امرأةً عجوزاً تجر أكياسها في المطر،
وكيف تبحث عن وطنك المفقود في رغيف خبزٍ ساخن
أو في لحنٍ غريب ينبعث من مذياع سيارة عابرة»
ثم يلتفت الشاعر إلينا، نحن الذين تراكمت فينا الفواجع الصغيرة حتى صارت جبلا، لسنا أمام فاجعة واحدة كبرى، بل انكسارات يومية صغيرة متراكمة، لكن الحقيقية تظهر في هذه المفارقة الساخرة الجميلة:
«ما زلنا نبتسم للنكات السخيفة،
ونفرح كالأطفال إذا وجدنا مقعداً فارغاً في حافلة مزدحمة».
هنا تظهر قدرة الإنسان الدفاعية: عندما يصبح الحزن جبلا، تصبح السعادة في إيجاد مقعد فارغ بالحافلة، يفرح بالفتات، ويُقزّم الأشياء والمعاني؛ الوطن والأم والفقد، كلها معانٍ هائلة، لكن الإنسان المتعب يختزلها في تفاصيل يومية ملموسة لكي يستطيع التعايش معها.. إنه نوع من المقاومة الساذجة والعبقرية في آن واحد للبقاء على قيد الحياة.
مصائر الغياب
يقدم الشاعر تصنيفا موجعا وواقعيا لمصائر من نحبهم في هذا العالم، حيث تفرقت بهم السبل إلى ثلاثة طرق: المغترب؛ من سافر خلف البحر وباع شغفه وروحه مقابل أمانٍ بارد – المتوفى الذي صار «مجرد اسمٍ في ذاكرة الهاتف، نتردد في مسحه» وهي صورة شديدة الشجن والألم – والمنطفئ؛ من ماتت روحه وبقي جسده يمشي بين الناس كالجثة المتحركة:
«أصدقاؤنا الآخرون تفرقوا؛
منهم من سافر خلف البحر ليبيع روحه مقابل أمانٍ بارد،
ومنهم من غيبه التراب فصار مجرد اسمٍ في ذاكرة الهاتف، نتردد في مسحه،
ومنهم من انطفأ وهو حي، يمشي بين الناس كالجثة المتحركة»
ثم ينتهي المقطع بواحدة من أجمل التعبيرات:
«أما نحن.. فما زلنا نقاوم الانطفاء الكامل..
نحن مثل الفوسفور، نلمع في الظلام لشدة ما فينا من تآكل»
فلا يدعي الشاعر البطولات ولا يزعم أننا بخير، بل يعترف بالضعف، فاللمعان هنا ليس علامة قوة، بل علامة احتراق وتلاشٍ، لكن المدهش أن هذا التآكل والوجع الذاتي هو نفسه مصدر الضوء كالفوسفور.. إننا نلمع ليس لأننا سعداء، بل لأن ضربات الحياة جعلت أرواحنا مشعة بقوة المقاومة.
هدنة مع الحياة
يبين لنا النص خبرة الشاعر وبصيرته، فمن الضروري أن يدرك الإنسان تلك اللحظة النادرة التي يقرر فيها بضرورة توقفه عن الركض خلف المستقبل، وأن يلوذ باللحظة الراهنة «الآن»، فيحول الهزائم السابقة إلى مصدر قوة، ويستطيع الهروب من فخ الغد والقلق من المستقبل الذي يسرق من الإنسان حاضره، ولا بديل أمامه إذن بعدما وصل القلق ذروته، إلا التفكير في اللحظة الراهنة:
« دعنا لا نتحدث عن الغد.
الغد فكرة مرعبة، فخ ينصبه الوقت للساذجين
دعنا نتحدث عن الآن..
عن هذه القهوة المرّة التي نتجرعها معاً،
عن هذه الكلمات التي تخرج من فمي لتستقر في مسامعك كضمادٍ دافئ»
فهو يدعونا إلى الرضا بالمتاح حتى لو كان مرا، لأن مرارة الحاضر أفضل من أوهام المستقبل، ثم يعقد مفارقة بارعة بين عالمين:
- العالم الخارجي: «غابة من الأسمنت والوحوش الآدمية» والريح الباحثة عن شيء تكسره.
- العالم الداخلي – الملاذ: «جلوسنا معاً على هذا المقهى الرديء، هو غابتنا الخاصة، محميتنا الطبيعية التي يحظر فيها الصيد».
فقد تحول المقهى على رداءته لمحمية طبيعية ينعم فيها بالألفة والدفء والرفقة الطيبة، وإلى مكان آمن يُمنع فيه تغول العالم الخارجي على يد تلك الوحوش الآدمية، وتقلبات الزمن، واجتياح الصعوبات في أيام لا تتورع عن تحطيم كل جميل، لكن الصحبة الطيبة هي من تجعلنا نقاوم:
«هل تسمع هسيس الريح في الخارج؟
إنها تبحث عن شيءٍ لتكسره..
لكننا هنا، متشابكا الأرواح،
عصيان على الكسر»
ثم يفاجئنا الشاعر بمفارقة صادمة، حين يبين لنا أن العصيان على الكسر ليس بسبب القوة المعنوية لاجتماع الأصدقاء وتآزرهم النفسي، ولكن لاشتراكهم في الضعف وتعرضهم لما يكفي من الانكسارات، حتى اكتسبوا مناعة ضد الخيبات، إذ لا مكان في قلوبهم لكسر جديد:
«عصيان على الكسر، ليس لأننا أقوياء،
بل لأننا انكسرنا من قبل بما يكفي،
ولم يعد فينا جزء سليم وصالح لتهشيم جديد»
ولا يحمل هذا معنى الاستسلام، لكنه محض هدنة مع الحياة، وتأمل فلسفتها، ومحاولة لاستعادة الهدوء النفسي، والرضا بالراهن، إذ لا فائدة من الركض المستمر خلف سراب.
صداقة ويأس مشترك
ثم يصل النص إلى ذروته العاطفية، فالإنسان عندما يمر بأوقات عصيبة، وحالات انكسار شديد، يحتاج إلى مواساة صادقة، وشريك يتقاسم معه الحزن ويبثه الشكوى، وربما يشاركه نفس الهزائم والمحبطات، ولا أجمل في هذا الأمر من صديق وفي يكون مرآة حقيقية للذات:
«أريد أن أشكرك..
لا لأنك أنقذتني من الغرق، بل لأنك غرقتَ معي بكل نبل
لأنك لم تبخل عليّ بيأسك، ولم تدّعِ الأمل الزائف أمامي»
هذا الصديق، الذي يستطيع التخلي أمامه عن الكبرياء الزائف، والبوح بين يديه بضعفه، والاعتراف بمخاوفه ومتاعبه ووحدته بدون حذر أو قلق من أحكام مسبقة، فيجده يؤكد بكل ثقة: وأنا أيضا يا صديقي أشاركك نفس الخيبات، فلا تبتئس:
«كم هو مريح أن أجد شخصاً أستطيع أن أبكي أمامه بوقاحة،
وأن أقول له: «أنا خائف، أنا متعب»،
فيقول لي وهو يربت على كتفي: «وأنا أيضاً.. وأنا أيضاً»
فتتحول هذه الكلمة البسيطة «أنا أيضاً» إلى «عقد اجتماعي» غير مكتوب بينهما، إنها اعتراف متبادل بالضعف الإنساني المشترك، والضعف عندما نشاركه مع الآخرين يصبح قوة تواجه القوى الزائفة التي يتذرع بها الآخرون.
أثر ضئيل شافٍ
يعود النص ليذكرنا بالواقع الحتمي، أن لكل شيء حتما نهاية:
«للّيل نهاية،
ولتسكعنا في الشوارع نهاية»
فهذه الجلسة لن تدوم، وأن الموت أو الفراق «مقصلة الفناء» ينتظر الجميع، لكن الاستجابة لهذه الحتمية تأتي بـأناقة:
«دعنا نرفع كؤوس شاينا الباردة،
ونحيي هباءنا الجميل».
إنه هباء جميل لأنه معاش بوعي وشراكة حقيقية، إنه الرقصة الأخيرة على حافة العدم، فكؤوس الشاي البارد رمز لانطفاء الشغف، وإعلان مبطن عن الوصول لمراحل الحزن الأخيرة، التقبل والتعايش مع المعطيات الجديدة.. وينتهي النص بأمنية متواضعة فيها المقصد الأسمى للشاعر:
«دعنا نؤمن، ولو لدقيقة واحدة،
أن وجودنا معاً، برغم كل شيء،
كان كافياً ليجعل هذه الأرض القاسية..
أقل قسوةً بقليل»
فهو لا يطمع في تغيير العالم، ولا في إيقاف الحروب أو هدم مدن الأسمنت، إنه يكتفي بالإيمان بأن الصداقة والوعي المشترك قد نجحا في مواجهة قسوة الأرض ولو قليلا، وهو نوع من الانتصار الداخلي على ما نواجهه من هزائم، ومانع نفسي لانهيار الوعي أمام عبثية الحياة.
إن هذا النص يترك القارئ مع غصة خفية مليئة بالشجن والحزن الرهيف، لكنه يحمل الانكسار الداخلي والمقاومة أيضا، وتصبح المشاركة الإنسانية كبسولة ناجعة لمواجهة قسوة الحياة.. إنه نص يستحق القراءة، لشاعر يمتلك القدرة على التعبير عن الألم الإنساني بلغة يسرة عذبة، تنفذ للمتلقي دون حواجز.
