اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج
إنَّ تأمُّلَ حالِ الإنسانِ في دُنياه يضعُنا أمامَ حقائقَ كبرى تُغلفُها بساطةٌ مُدهشة، فبينما يغرقُ المرءُ في لُجَجِ التنافسِ والركضِ المحمومِ خلفَ سرابِ الكثرة، تظلُّ الحقيقةُ الكامنةُ في أنَّ الحياةَ ميزانٌ دقيق، “بين سَغَبِ النُّفوسِ وطُمَأنينةِ الشِّبَع؛ شعرةٌ مِعْيارُها رغيف.”
- أولاً: هَشاشةُ الكِيانِ أمامَ سُلطانِ الجوع
إنَّ الجوعَ ليس مجردَ خَواءٍ في المَعِدَةِ يُسدُّ بالطعام، بل هو مِحنةٌ تُجردُ الإنسانَ من رِداءِ التَّجملِ وتكشفُ ضَعفَهُ البشريَّ الفطري. وحين ندركُ حقيقةَ الاحتياجِ الإنسانيِّ المقهور، نَعلمُ يقيناً أنَّ “إنَّ المسافةَ الفاصلةَ بين تلوُّعِ الجوعِ ورَغَدِ الشِّبَعِ لا تتجاوزُ قِوامَ رغيف.” ولأنَّ الإنسانَ بطبعِه يأنفُ الذُّلَّ، فقد قالَ الحكماءُ في تصويرِ هذا الفارقِ الجوهري: “ما الفارقُ بينَ مَذَلَّةِ المَسْغَبَةِ وعِزَّةِ الكِفايةِ إلا رغيفٌ واحد.”
إنَّ الجوعَ يُورثُ في النفسِ انكساراً يُفقِدُ المرءَ حُريتَه، فالمحتاجُ مُستلبُ الإرادةِ أمامَ مَن يملكُ قوتَه. ومن هنا، كانَ الإسلامُ حريصاً على إيجادِ منظومةِ توازنٍ تمنعُ سقوطَ الفردِ في هاويةِ العوزِ، فجعلَ “الرغيف” -رمزَ القوتِ الأساسي- حقاً مشاعاً في نطاقِ التكافلِ الاجتماعي.
- ثانياً: رِفعةُ الكِفايةِ وبابُ الطمأنينة
في المُقابل، ليست “عزةُ الكفاية” تَرَفاً أو بُحبوحةً تتجاوزُ الحاجة، بل هي تلك النقطةُ الذهبيةُ التي يقفُ فيها العبدُ صامداً، لا تَميلُ به الحاجةُ لِغيرِ ربِّه. إنَّ القناعةَ هي سِرُّ الطمأنينة؛ إذ إنَّ “رغيفٌ واحدٌ هو الميزانُ الذي يَعْصِمُ الإنسانَ من شَتاتِ الجوعِ إلى سَكينةِ التَّرَف.”
هذا “الرغيفُ الواحد” الذي يُمثلُ حدَّ الكفاية، يمنحُ العقلَ صفاءَه، والقلبَ سكينتَه. إنَّ النفسَ البشريةَ إذا اطمأنت إلى توفرِ قوتِ يومِها، تحررت من قلقِ الغدِ الضاغط، وانطلقت لتعمرَ الأرضَ بالعملِ النافعِ والعبادةِ الصادقة.
- ثالثاً: وهمُ الوفرةِ وسقوطُ القيمة
نعيشُ اليومَ في عالمٍ يُسَوِّقُ للوفرةِ على أنها غايةٌ في حدِّ ذاتِها، مُتجاهلاً أنَّ كثرةَ المتاعِ قد تُورثُ شَتاتاً في القَلب. إنَّ الإنسانَ الذي يلهثُ خلفَ مكدساتِ الطعامِ والمتاع، ينسى أنَّ سعةَ المعدةِ محدودة، وأنَّ الحكمةَ تكمنُ في “ما يُغني” لا “ما يَزيد”. إنَّ الإفراطَ في طلبِ الكثرةِ يُورثُ “تخمةَ الروح”، التي تجعلُ المرءَ غافلاً عن نِعمٍ صغيرةٍ يمرُّ عليها بغيرِ امتنان.
- رابعاً: الرغيفُ ميزانُ الشُّكرِ ومَحكُّ التواضع
إنَّ إدراكَ أنَّ هذا الفارقَ البسيطَ هو ما يَفصلُ بين حالتينِ عظيمتين، يَنْبغي أن يُورثَ في قَلبِ المؤمنِ مَعنيينِ جليلين:
استشعارُ النِّعمة: فَمَن مَلَكَ قُوتَ يومِه فقد حِيزت له الدنيا بحذافيرِها، فالحَمدُ على النَّزرِ القليلِ شأنُ العارفينَ الذين يَعلمون أنَّ قليلَ الكِفايةِ خيرٌ من كثيرٍ يُلهي عن الغاية.
التواضعُ والرحمة: مَن أيقنَ أنَّ الفارقَ بينه وبينَ مَن مَدَّ يَدَه هو رغيفٌ واحد، لَانَ قلبُه، واشتدَّت رَحمتُه، وعلمَ أنَّ النِّعمةَ زائلةٌ لا مَحالةَ إن لم تُحفَظ بِالشُّكرِ والبَذلِ ومواساةِ المحرومين.
- الخاتمة: الرِّضا عِمارةُ الأرواح
إنَّ الحياةَ في جَوهرِها رحلةٌ نحو مَعرفةِ اللهِ من خلالِ نِعَمِه، وإنَّ الرَّجلَ السَّعيدَ هو الذي يَقفُ عندَ “حدِّ الكِفاية” شاكراً، ولا يَعبرُ إلى “مَتاهاتِ التَّكاثُر” جاحداً. فاجعلْ نَصبَ عَينيكَ أنَّ اللهَ لم يَخلقنا لِنسعى خلفَ أكوامِ الأرزاقِ التي تَسدُّ الأفقَ وتُعمي البصيرة، بل لِنكونَ أحراراً بِكفايتِنا، أعزَّاءَ بِقناعتِنا، خاضعينَ لِخالقِنا الذي بِيَدِه مَلكوتُ كلِّ شيء. إنَّ القُوتَ الذي تَأكلُه ليس مجردَ مادةٍ، بل هو نِعمةٌ شَهِدَ بها مَلَكوتُ السماواتِ والأرضِ على كَرمِ الرَّزاق، ومِيزانٌ دقيقٌ يَقيسُ به المؤمنُ عِزَّتَه في دُنياه وأُخراه.
