مصر والجغرافيا

مصر والجغرافيا

اللوحة: الفنان الإسكتلندي ديفيد روبرتس (سور مجرى العيون في القاهرة)

سمعت أكثر من مرة أحمد داود أوغلو يتحدث عن المثلث الإسلامي الكبير: مصر وتركيا وإيران؛ مصر القوية تمنح العالم العربي مركزًا سياسيًا وثقافيًا هائلًا. وتركيا القوية تمتلك ثقلًا جغرافيًا وعسكريًا واقتصاديًا كبيرًا. أما إيران فتملك عمقًا حضاريًا ونفوذًا إقليميًا ممتدًا. وكان يرى أن اجتماع هذه القوى الثلاث في وقت واحد قد يصنع كتلة إقليمية يصعب على القوى الكبرى تجاهلها أو احتواؤها.

***

ثم استوقفني كلام وضاح خنفر حين تحدث عن أن تركيا وإيران اللتان تتمتعان بميزة إضافية؛ فهما «أمتان» بالمعنى التاريخي العميق، أي شعب يعيش في موطنه منذ قرون طويلة، ويتفاعل باستمرار مع جواره بالحرب والسلم والتجارة والتحالفات والصراعات، فتتكون ذاكرة جماعية متصلة، وخبرة سياسية متراكمة، وشعور دائم بالذات وبالآخر.

ومنذ ذلك الوقت ظل سؤال واحد يلح عليّ: هل مصر أمة بالمعنى نفسه؟

***

السؤال لا يتعلق بوجود الدولة المصرية، فمصر من أقدم دول العالم، وربما كانت أقدم دولة مركزية عرفها التاريخ، وإنما يتعلق بالطريقة التي صنعت بها الجغرافيا هذه الأمة.

تركيا تقع على تخوم أوروبا والبلقان والقوقاز والعالم العربي وروسيا. وإيران تتجاور مع العرب والأتراك والأفغان وشعوب آسيا الوسطى والهنود.

هذه الجغرافيا المزدحمة تفرض على الشعوب أن تتعلم التفاوض والصراع والتحالف والعداء والتعايش، وتمنحها خبرة طويلة بالعالم من حولها.

أما مصر فقد عاشت تجربة مختلفة تمامًا. فالمصريون لم يعيشوا على الحدود، بل عاشوا على النهر. النيل هو الذي صنع مصر.

***

ولهذا وصف هيرودوت مصر بأنها «هبة النيل»، بينما رأى جمال حمدان أن مصر «حضارة كاملة صنعها النيل وصاغتها الصحراء». فالحياة كلها تقريبًا تركزت على شريط ضيق يمتد من الجنوب إلى الشمال، بينما أحاطت الصحارى بالبلاد من الشرق والغرب والجنوب.

ولم تعرف مصر تاريخيًا كثافات سكانية كبيرة على حدودها كما عرفتها الأناضول أو الهضبة الإيرانية. فالليبيين غربًا كانوا قلة، والجنوب امتداد طويل قليل السكان، والصحراء الشرقية فراغ واسع، وسيناء كانت في معظم تاريخها منطقة عبور أكثر منها منطقة استيطان كثيف. ولهذا نشأت الدولة المركزية المصرية مبكرًا. فمن يسيطر على النيل يسيطر على الري، ومن يسيطر على الري يسيطر على الغلال، ومن يسيطر على الغلال يسيطر على المجتمع.

***

لكن أثر الجغرافيا لا يقف عند حدود السياسة فقط. فمصر داخل حدودها كانت أيضًا أكثر تجانسًا من كثير من البلاد المحيطة بها. فالشام والعراق وإيران والأناضول عرفت عبر قرون طويلة تعددًا واسعًا في الطوائف والأعراق والمذاهب واللغات؛ سنة وشيعة. دروز وعلويون. أكراد وتركمان. أرمن وآشوريون. عرب وفرس.

جماعات متجاورة تتصارع أحيانًا، وتتصالح أحيانًا، وتتحالف حينًا، وتتنافس حينًا آخر. وهذا الاحتكاك الطويل لا ينتج السياسة وحدها، بل ينتج خبرة نفسية وأخلاقية وعاطفية مع الاختلاف. فالناس يتعلمون إدارة التنوع، وفهم الآخر، والتفاوض معه، والعيش بجواره، والخوف منه أحيانًا، والاعتماد عليه أحيانًا أخرى.

أما مصر فقد عاشت تاريخها الحديث داخل معادلة أكثر بساطة. مسلمون ومسيحيون يعيشون داخل وادٍ واحد، تحيط به الصحارى من كل جانب. ولم تتدخل عناصر كثيرة أخرى في هذه المعادلة. فالعلاقة الثنائية الطويلة بين المسلمين والمسيحيين في مصر ظلت تدور داخل فضاء شبه مغلق. وهذا منح المجتمع المصري قدرًا كبيرًا من الاستقرار والتجانس، لكنه ربما حرمه أيضًا من بعض الخبرات التي تنتجها المجتمعات المركبة. فالتنوع لا ينتج الصراع وحده، بل ينتج كذلك مهارات التفاوض والتعايش وإدارة الاختلاف.

***

ومن هنا ربما كانت ثروة تركيا وإيران الكبرى هي الجغرافيا. أما ثروة مصر الكبرى فهي التاريخ.. تركيا وإيران اكتسبتا من الجوار المستمر خبرة سياسية متصلة وذاكرة قومية لا تنقطع تقريبًا. أما مصر فقد امتلكت شيئًا مختلفًا؛ فهي تحمل واحدًا من أثقل المخازن الحضارية في العالم.. سبعة آلاف سنة من الدولة. طبقات متراكمة من الحضارات. ذاكرة فرعونية وقبطية وإسلامية وحديثة. مدن وعواصم وعلماء ومؤسسات وأدب وفنون وعمارة.

لكن هذه الذاكرة لا تعمل دائمًا بالطريقة نفسها. فمصر لا تبدو كنهر جارٍ باستمرار، بل كبحيرة عميقة؛ قد تسكن طويلًا، لكنها تحتفظ في أعماقها بطاقة هائلة.

***

لقد انقطعت مصر سياسيًا مرات كثيرة؛ احتلها الفرس. ثم اليونان. ثم الرومان. ثم العرب. ثم المماليك. ثم العثمانيون. ثم البريطانيون. وتبدلت اللغات والنخب والحكام أكثر من مرة.

ولو نظرنا إلى هذه الانقطاعات وحدها لظننا أن الذاكرة المصرية قد انقطعت. لكن المدهش أن مصر كانت تعود في كل مرة. عادت مع المماليك البحرية، فأصبحت القاهرة عاصمة العالم الإسلامي بعد سقوط بغداد. وفي عين جالوت هُزم المغول. وانتهت الإمارات الصليبية. وازدهرت المدارس والتجارة والعلوم.

ثم عادت في القرن التاسع عشر مع محمد علي وإسماعيل. وعادت مرة أخرى في القرن العشرين، حين أصبحت القاهرة مركزًا ثقافيًا وسياسيًا للعالم العربي. وكأن هناك رصيدًا حضاريًا ضخمًا يظل ساكنًا تحت السطح، ثم يستيقظ فجأة عندما تتوافر الظروف المناسبة.

***

ولهذا لا أرى أن مصر أقل من تركيا أو إيران. بل أراها مختلفة عنهما؛ تركيا وإيران صنعتهما الجغرافيا إلى حد كبير. أما مصر فقد صنعها النهر، ثم حفظها التاريخ.وربما لهذا يبدو المصري في أوقات كثيرة منشغلًا بحياته الصغيرة، قليل الاحتكاك بالعالم، وكأن وادي النيل ما زال يحيط به من كل جانب. لكن حين تتوافر لحظة تاريخية مواتية، أو مشروع كبير، أو قيادة قادرة، يظهر وجه آخر للمصريين. وجه المثقف والمعلم والمهندس والجندي والقائد والمبدع. ولهذا لا أظن أن أزمة مصر هي نقص الحضارة أو نقص الذكاء أو نقص القدرة. وربما كانت أزمتها الكبرى أنها لم تنل من الجغرافيا ما نالته تركيا وإيران من احتكاك دائم بالعالم، بينما ظل مخزونها الحضاري الهائل ينتظر اللحظة التي تسمح له بالظهور.

فالجغرافيا حرمت مصر من بعض الخبرات، لكن التاريخ عوضها عنها. ولهذا قد تنام مصر طويلًا. لكنها حين تستيقظ، تستدعي تاريخها بسرعة مدهشة. وربما كان هذا هو سرها. فهي ليست أمة صنعتها الحدود. بل أمة صنعها النيل، وحفظها الزمن.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد