أحلام فوق رصيف التمني

أحلام فوق رصيف التمني

اللوحة: الفنان المغربي عبد الرحيم فشتالي

محمد محمود غدية

بسمتها الساحرة جذبتني لأتذكر أحوالي المغادرة، وأهيل عليها ذكريات منسيات، وأشجاناً، ولفحات طيف وعذاب. فاح عطرها ولاح حين مدت يدها بمصوغات التعيين؛ بسمة أكثر إشراقاً وبهاءً، ووجه يجذب القلوب جذباً لا سبيل إلى مقاومته. تساءلت: كيف تمكنت الشمس من دخول حجرة مكتبي الموصدة؟

وكأنها تخصني، أنا العاطل عن الحب؛ تتهادى في خطواتها، ولا تقدر جاذبية الأرض على الإمساك بها. كيف استنطقني هذا الجمال شعراً؟ فتحت كتاب السحر والأساطير، بينما كانت تلقي بشعرها المسافر في كل الدنيا فوق كتفي. ترتدي الملابس الطويلة، كأنها خارجة من لوحات عصر النهضة.

باحت عيوني بما لم أقله؛ فقد ذكرتني بزوجتي المتوفاة منذ سنوات طوال في رحلة الخلود، ومعها طفلنا الوحيد. حينها، ورغم تحذير الأطباء من خطورة الحمل والولادة، لم تخبرني ولم تمتثل، فحدثت الوفاة وأنا خارج البلاد؛ إذ كان عملي يتطلب السفر كثيراً لفتح أسواق جديدة والبحث عن عملاء جدد. عشت وطيف الزوجة وألمي في فقدها لا يفترقان، حتى جاءت شبيهة قمري الغائص في الغياب.. رائحتها كالمسك مثلها، وكذلك عيونها ولفتاتها، لاطفت أحلامي ولمست بروج السماء.

قلت في نفسي: لا بد أن أصارحها بمشاعري وأحطم الأسوار، وأعرض عليها الارتباط. كانت غير مرتبطة – حسبما اعتقدت – لأنه من شروط التعيين ألا تكون الموظفة متزوجة. وجدتني أوافق على تعيينها فوراً، فبادلتني ابتسامة واسعة، وهي تعتذر لأنها أخفت سر زواجها، لكنها تصارحني بذلك الآن لأنها في حاجة ملحة للعمل؛ فبعد إصابة زوجها في حادث سير أقعده عن العمل، كان إعلان الوظيفة بمثابة طوق نجاة.

كانت تكرر اعتذارها عن إخفاء زواجها، واثقة في طيبة قلبي وتجاوزي لهذا الشرط. فقلت لها: “سأصارحك أنني قبلت تعيينك دون النظر في المصوغات؛ لأنني رغبت في الزواج منك، لكننا ما نلبث أن نمتثل لسيف الأقدار!”. وهكذا، تنازلت عن شرط الزواج، وقبلت تعيينها.

اترك رد