أحشفاً وسوء كيلة؟.. في ثنائية الرداءة والجور

أحشفاً وسوء كيلة؟.. في ثنائية الرداءة والجور

اللوحة: الفنان السوري لؤي كيالي

تتجلى في التراث العربي كنوزٌ من الحكمة التي لا تكتفي بكونها مجرد أقوالٍ عابرة، بل هي خلاصة تجارب إنسانية صُهرت في قوالب لغوية دقيقة لتصير قانوناً يُحتكم إليه في تقييم المعاملات، وتفكيك أزمات التعامل بين البشر. ومن بين تلك الكنوز، يبرز التساؤل الاستنكاري: “أحشفاً وسوء كيلة؟” بوصفه تجسيداً أدق ما يكون لحالة الخيبة المزدوجة. إن هذا القول ليس مجرد استحضار لتاريخٍ زراعي أو تجاري قديم، بل هو إدانةٌ أخلاقيةٌ رفيعةٌ لاجتماع العيب الذاتي في الشيء مع التعسف الخارجي في تقديره أو تسليمه.

إن حياة الإنسان، بكل تفاصيلها الدقيقة، لا تزال تدور في فلك هذه المعادلة التي أراد المثل العربي حصرها. فالحشف، ذلك التمر الذي فقد حيويته ونضارته، يمثل في جوهره كل “ناقصٍ” لا يفي بوعود الجودة أو القيمة التي كان من المفترض أن يتسم بها. فإذا ما اقترن هذا النقص في “الجوهر” بنقصٍ ثانٍ في “التعامل” — وهو سوء الكيلة — فإننا نكون أمام حالة من التردي المركب. إن المرء في معترك يومه، سواء في عملٍ أدبي، أو في حرفة يدوية، أو في علاقة إنسانية، قد يواجه ثنائيةً مشابهة: أن يُقدم له أقل مما يستحق، ثم يُعامل بمنطقٍ يغمطه حقه في هذا القليل أيضاً. إنها الحالة التي يفقد فيها المرء خير الشيء، ثم يفقد بصيرته في استرداد حقه، فيضيع بين رداءة المادة وجور الميزان.

إن الفخامة في الطرح تقتضي منا ألا ننظر إلى هذا المثل كشكوى عابرة، بل كمعيارٍ للنزاهة والفروسية في التعامل. إن “سوء الكيلة” هو فعلٌ إرادي، بينما “الحشف” قد يكون عيباً طرأ على الشيء دون إرادة صانعه في بعض الأحيان. ولكن عندما يجتمع الاثنان، فإننا أمام واقعٍ يفتقر إلى المروءة. إن النفس البشرية التي تتطلع إلى الجمال والإتقان، تجد في هذا الموقف صدمةً مضاعفة؛ فليس الأمر متعلقاً بالخسارة المادية فحسب، بل هو شعورٌ بالاستخفاف بمكانة الطرف الآخر. فالحسرة هنا لا تنبع من فقدان الشيء فحسب، بل من مرارة “الخديعة” التي تلت ذلك الفقد.

وعندما نتأمل في مفاصل الإنتاج الإنساني والمهني، ندرك أن الإتقان هو الترياق الوحيد لداء “الحشف”. إن من ينأى بنفسه عن الرداءة، يجد في داخله حصانةً ضد الوقوع في “سوء الكيلة”. فالتجارب التي تُبنى على أساسٍ صلبٍ من الجدية والصدق مع النفس، لا تحتاج إلى موازين ملتوية لتقنع الآخرين بقيمتها. إن الغش في الميزان — بشتى صوره المعنوية — هو اعترافٌ ضمني من صاحبه بأن بضاعته لا تملك من الثقل أو القيمة ما يغنيها عن الاحتيال. إن النزيه لا يضطر أبداً إلى ممارسة “سوء الكيلة”؛ لأن ما يقدمه من جودة يغنيه عن الانحياز إلى أساليب الخداع.

إن هذا المثل يدعونا إلى مراجعة “المكاييل” التي نستخدمها في التعامل مع أقراننا، ومع ما ننتجه من أعمال. هل نكفي أنفسنا شر الوقوع في هذا المأزق من خلال التزام الصدق في الجوهر؟ إن الالتزام بالمعايير الأخلاقية الرفيعة في القياس والتقدير، هو الذي يحمي التعاملات الإنسانية من الانزلاق نحو “سوقٍ” لا يُعرف فيها الحق من الباطل، ولا الجيد من الرديء. إن استقامة الميزان تنبع من استقامة الضمير، تماماً كما أن جودة الثمرة تنبع من طهارة المنبت.

إن الحكمة من هذا التراث العريق تذكرنا بأن التوازن هو سر الديمومة والاستمرارية. فكما أن النخلة لا تثمر إلا طيباً إذا سُقيت بماءٍ نقي، كذلك التعامل الإنساني لا يستقيم إلا إذا بُني على مبادئ واضحةٍ لا يلحقها رداءةٌ في الفعل، ولا جورٌ في الميزان. إن الإنسان، بكلمته، وبفعله، وبأمانته، هو الميزان الحقيقي الذي يحدد قيمة ما يحيط به.

وفي ختام هذه الرؤية، تظل هذه العبارة درساً بليغاً في تجنب “الخيبة المزدوجة”. إن مَن يحرص على نقاء مأربه (تجنب الحشف) وعلى عدالة معاملته (تجنب سوء الكيلة)، يضع نفسه في منزلةٍ تعلو على هذه التجاذبات المادية البحتة، محققاً بذلك قدراً من السكينة النفسية التي تنبع من الإحساس بالاستقامة، وفي ظل بساطة الحق وعظمة النزاهة التي لا تتغير بتغير الأزمان، لتظل هذه الحكمة منارةً لكل ذي لبٍ يدرك أن القيمة لا تتجزأ، وأن الكيل العادل هو انعكاسٌ لروحٍ لا تقبل إلا بالأجود.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً