اللوحة: الفنان الأمريكي ألبرت بينكهام رايدر
يا معشر الباحثين عن الذهب في قيعان البحار، والمفتشين عن الأسرار في بطون الحيتان؛ ألم يأن لكم أن تركنوا خناجركم وتغسلوا أقدامكم من غبار الأسفار؟ إنَّ “السندباد” الذي تقرؤون عنه في الكتب ليس إلا عجوزاً أراد أن يملأ وقته ببعض الكذب المباح، ليثير إعجاب الجالسين حول مائدة العشاء.
لقد جاب البحار السبعة، لا حباً في الاستكشاف، بل هرباً من زوجة كانت تلاحقه بالمقلاة كلما فكر في الراحة. كل جزيرة وجدها كانت مجرد مكان هادئ للنوم، وكل طائر عملاق قابله لم يكن سوى خيالٍ ناتج عن إفراط في تناول “اللقيمات” قبل النوم. ومع ذلك، نحب أن نصدق قصصه، لنقنع أنفسنا بأن حياتنا المليئة بروتين العمل والمكتب ليست بتلك الضآلة، وأن هناك “ماهر باكير” يختبئ وراء كل مغامرة، ينتظر ليرسم لنا خريطة طريق لا تؤدي إلا إلى المزيد من الحيرة.
إن حقيقة الأمر – يا سادة – تكمن في البساطة التي نهرب منها. لقد تعلمنا من دروس الحياة أن القناعة كنز لا يفنى، ولكننا نصرُّ على البحث عن الذهب لنشتريه، بينما نبيع أرواحنا في أسواق التوقعات الزائفة.
إننا نبيع حكاياتنا للغرباء بحثاً عن بريقِ إعجابٍ زائف، بينما يكمنُ الترفُ الحقيقي في ألا تضطرَّ لبيع تفاصيلِ أيامك لأيِّ أحدٍ كائناً من كان.
- التوسع في فلسفة “سندباد المعاصر”
لو كان السندباد بيننا اليوم، لما احتاج لسفينة خشبية ولا لبوصلة قديمة؛ فبإمكانه ببساطة أن يفتح حساباً على منصات التواصل الاجتماعي، ويقوم بتعديل صور رحلاته في المطبخ لتبدو وكأنها في جزر المالديف. إننا نعيش في عصر “السندباد الرقمي”؛ حيث نقضي ساعات طوال في صقل تفاصيل حياتنا، ونوزع حكاياتنا الشخصية في “مزاد علني” من اللايكات والمتابعات. يأتي ماهر باكير، بصفته المراقب لهذا العبث الفاخر، ليجد أن معظم الناس يفضلون أن يكونوا “مغامرين كاذبين” على أن يكونوا “بسطاء صادقين”.
نحن نشتري الأثاث الذي لا نحتاجه، لنعرضه في بيوتنا التي لا نجلس فيها، لنستقبل ضيوفاً لا نحبهم؛ كل ذلك فقط لنثبت أننا “سندباد ناجح”. وبينما يغرق السندباد الحقيقي في أوهامه، يغرق السندباد المعاصر في إشعارات هاتفه، ظناً منه أن تراكم المتابعين هو المجد الحقيقي.
- السندباد والتاجر حصيف
(يجلس السندباد يروي مغامراته بحماس، بينما يراقب التاجر حصيف، الممثل الفعلي لروح ماهر باكير في هذا المشهد، ميزانيات السفر والهالك من البضائع).
السندباد: “يا حصيف، لقد رأيتُ في رحلتي الأخيرة جزيرةً من زمرد، أضاعت سفينتي ولكنها أنقذت روحي!”
التاجر حصيف (يعدل نظارته ببرود): “يا صديقي، الروح لا تُؤكل، والزمرد لا يُشترى به خبز. لقد ضيعتَ سفينةً كلفتها آلاف الدنانير لتصل إلى جزيرة لا توجد على خارطة الملاحة، وكل ذلك لتروي لنا قصةً لا تغني ولا تسمن من جوع! لو استثمرتَ قيمة تلك السفينة في تجارة التمور أو العطور من “نخبة العود”، لكان لك اليوم قصرٌ يغنيك عن النوم في كهوف الجزر الموحشة.”
- السندباد: أنت لا تفهم! المغامرة هي جوهر الوجود!
التاجر حصيف: “المغامرة هي اسمٌ آخر للتهور الذي يُبرره الخيال. أنت تبيع “الوهم” للناس، وأنا أبيع “الواقع” للزبائن. الفارق هو أن زبائني يخرجون بمنتجٍ ملموس، بينما يخرج مستمعوك بمزيدٍ من الأحلام التي تزيدهم جوعاً. صدقني، إنَّ قنطاراً من الحكمة في متجرٍ صغير، أجدى من ألف سفينةٍ تغرق في بحر الأوهام.”
فيا أصدقائي، لا تكونوا سندباداً جديداً يبحث عن جزيرة من ذهب، فالمكان الوحيد الذي لن تندموا على ضياعه هو قلب بيتكم، حيث لا توجد حيتان، ولا طيور عملاقة، ولا حتى “ماهر باكير” ليخبركم كيف تضيعون أوقاتكم بشكلٍ أكثر إبداعاً. عيشوا حياتكم، واحتفظوا بقصصكم لأنفسكم، فالأرخص دائماً هو ما يُباع، والأغلى هو ما لا يُشترى.
