ميزوبوتاميا Mesopotamia

ميزوبوتاميا Mesopotamia

اللوحة: الفنان العراقي بول باتو

وهو يأخذ أهبته لحضور مؤتمر المدن الميتة، شعر بالحاجة إلى شغالة تساعده في ترتيب جو هذا البيت الجديد، ولكن لم يمنعه من هذه الخطوة غير قناعاته المسبقة عن اليد العاملة. لن يريحه أن يتحول إلى نموذج مصغر لرب عمل رأسمالي، كل دوره ينحصر في أنه ماكينة لتوزيع النقود.

ترى أين وضع صور ميزوبوتاميا؟. 

وهو يحاول التفكير بمكان محدد، سمع صوت جارته الأفريقية تلقي التحية على البواب. كانت لغتها العربية مكسرة. عامان من الإقامة في هذا البلد لم تطور من لسانها. وربما العلة في شخصيتها. في طباعها. كانت تحتفظ دائما بمسافة تكفي لتضعها فوق عامة الناس. فتركيبتها تقوم على الشعور بالتعالي. والسبب برأيه أنها بيضاء من جنوب إفريقيا. تبديل الأنظمة لم يساعد، في النهاية، على تبديل السلوك والمزاج. 

 ***

وضع يده على بعض الصور. وهي بالأسود والأبيض. حصل عليها بالصدفة من أستاذ تاريخ لا يعرفه. ولكن التقى به في مستشفى (البجعة البيضاء). وهو آخر مصحة عاشت فيها أمه للعلاج من فقدان الذاكرة. 

كان الرجل بالغرفة المجاورة، ويعاني من نفس المرض، ومنه علم أنه عاش فترة راكدة من حياته في الجزائر.  هناك لم يتقن غير فن الهرب والتواري. كانت كل ساعة في حياته تجر نفسها وتتهادى مثل سنة شمسية ثقيلة. كأن العالم لم يسمع أن الوقت من ذهب، وإن لم تقطعه قطعك. وفي تلك الظروف التقى بعالم فيزياء نووية من العراق. وحصل منه على دزينة من الصور الصامتة. أخبره أنها لميزوبوتاميا. وحينما شارف على التخلي له عن كنزه الثمين قال له: هذه العواميد الخشنة عاشقة للضوء. وهي تقف ولا تنحني. هي أشجار صبار لا تموت إلا واقفة. كانت في ذاكرة الرجل فراغات واسعة إلى درجة سريالية، ولم يستطع أن يربط أقواله بخيط واحد متماسك. وخشي أن تكون المسألة كلها مفبركة. عبارة عن هلوسات مشروع شاعر فاشل.

استفسر من مدير المصحة.. كيف وصل إلى هنا؟. واضطر أن يستمع لمواعظ في الأخلاق ودروس عن أهمية الضمير في تنشيط الصحة، وكأنه دخل بالخطأ لصومعة رجل ناسك له سياسة صارمة حيال التقشف، ولو على حساب المظاهر. 

اضطر أن يكرر سؤاله.

رد الرجل بتأفف: بسيارة أجرة.

فسأله: وحده. هكذا. بدون مرافقين؟.. 

فقال وهو يقف قرب النافذة: لا يمكنني أن أتذكر.

من هذا الجواب الموجز، ومن طريقة نظراته، علم أنه لا يود أن يتحدث في التفاصيل. لم يكن وراء النافذة غير حديقة المصحة الداخلية. وهي باحة لا تسر الناظر، فهي فقيرة بالأشجار والورود، وتختنق خلف الأسوار، وتستسلم ببطء وطواعية لهذا الفصل الأكثر بردا في السنة. إن لم يكن هذا هو الشتاء فهو التمهيد القصير له. المدخل القسري إليه. أواخر الخريف بشمسه الميتة والصفراء بلون الليمون، والمحمل دائما بنسبة عالية من البرد. وهكذا وجد أنه يدور حول نفسه. ويفكر بهوية المريض الناقصة. كم كان يشبه صوره، ويشبه معلوماتنا عن ميز وبوتاميا.. عبارة عن حقبة منصرمة مشكوك بها، والآثار المادية المتبقية تضعك في حالة مضاعفة من التخمين، ولا تعلم أين تنتهي الحقائق ومتى يبدأ الخيال..

 ***

وضع في مصنف، لأجل مشاركته، الصور والثبوتيات الأخرى مع أبستراكت (رؤوس أقلام). وبينما صوت الإفريقية ينادي على البواب دون أن يعرف السبب، ذهب ليبحث عن المعطف والمظلة.. فمع أن المطر لا ينهمر، السماء حبلى بالغيوم…


القصة من مجموعتي: «تشبه القصص» صدرت عام 2012

اترك رد