في رواية “على قصاصة ورق” لـ “آسين شلهوب” تصبح الكتابة فعل شفاء وخلاص لشخصيتها الرئيس، تمارسها كي لا تبقى الشوائب بداخلها؛ فتخفي تحتها أفضل ما لديها ألا وهي الحياة، تلك الحياة التي تصر على أن تتطرق لأدق تفاصيلها، ابتداء من مشاعرها وانتهاء بالقرارات التي على أثرها تحدد مصيرها ومصير أحلامها، من خلال التحكم في حركتها ونبش الداخل، فـ “جانين” الجائعة للحياة ولحلمها، والتي فقدت الثقة في الحياة بعد انفصالها عن زياد، تبحث عن نفسها، وتلملم ذاتها بالعودة إلى وطنها الأم لتقف بجوار ” رندة” عمة صديقها طارق، لتدخلنا عبر شبكة من العلاقات في حادثة اختفاء مارجريت، فنتعرف على مشاعر زوجها ” دافيد” وعلاقته المتوترة بهاني ” ابن خالة زوجته” وكذلك علاقته بأم زوجته ” رندة”، ومن خلال رحلة البحث تتعرف على حياة لها قوانينها، خصوصا قيمة الحب التي تربط الأم بابنتها الغائبة، والزوج ” دافيد” الذي كسره غياب زوجته ” مارجريت” وعبر هذه الشبكة تأخذنا ” جانين” إلى مفاصل مهمة من حياتها، لنقف على علاقتها مع زوجها، ومع ” ند” وكيلها العقاري.
وكذلك تأخذنا للحياة المثالية بعيدًا عن الزيف، وهي تردد نحن كائنات تحميها المصالح وتسيرها الغرائز، كانت تخالف طبيعتها، التي شدت إلى حياة تريدها وتتمناها، وإلى المفقود الذي ظلت تحلم به مع زياد وند، والأخير بالذات هو الصوت المنفرد الذي حرك المياه بهدوء، وهي استجابت من خلال جدال نفسي شديد العذوبة، لتذهب حيث الاختلاف، الذي يقيم ما يؤكد وجوده، لتظهر الكتابة واضحة تماما كحصاة في قعر محيط، واضحة تحت نير الرغبة والاختلاف، لتبرز الصورة بمفرداتها بلا حجب، عبر مشاهد كتبت بإتقان، حتى أن الانفاس تكاد تغادر الأسطر لتصبح ملموسة، كل هذا وفكرة الفن لا تغادر السطر، ليست من باب الجرأة ولا من باب من لا يجرؤ لا يستطيع، بل من باب صدق يحاكي مشاعر الإنسان التي هي وقوده لينتقل من الآن للقادم.
في الرواية ثمة خيط يدرك الكاتب أنه سيكون مرافقا للقارئ متى بدأ، وحينما يصدق حدسه، تصبح القراءة بمتعتها إعادة بناء ما تم وشيده وقت رحلته، وتلك الرحلة الثانية تصبح قائمة على الرغبة في المعرفة أو في الاكتشاف، و”جانين” هي الشخصية الرئيسة التي تلضم حولها كل الشخصيات في سبيكة واحدة، عبر خيوط متصلة ومنفصلة بينها وبين الشخصيات الأخرى، تعيد على مدار الرحلة بناء علاقات وتقنين أخرى تحت وطأة النتائج، مثلا علاقتها بند الوكيل العقاري، تنامت وذهبت بها إلى كسر طوق الممنوع لتذهب معه في تجارب كسرت فيه كل القيود، تحت رغبة ملحة منها للاستحواذ عليه، وتحت ثقل واقعه الذي كان ينمو في الطرف الآخر من معادلة الحياة، ترضخ لحكم الوقت، فتبتعد وتقر بالهزيمة أمام معطايات لا قدرة لديها في تغييرها، وهكذ، يتم تداخل المصائر والحكايات، ويصبح من نسق الرحلة، إكمال ما وجد أو توضيح ما يستجد من إشارات تتعلق بحياتها مع زوجها أو مع طارق أو مع الوكيل العقاري، أو مع ” دافيد” الذي وضع بداخلها بذرة تمنت وجودها مع زوجها لكن عقمه وقف حائلا بينها وبين تحقيق ما كانت تصبو إليه.
ومع تلك الرحلة، تفتح لنا الطريق للتشويق مع اللغز الخاص باختفاء صديقتها، فندخل معها الدائرة، ونتعرف على العلاقات بين دافيد وبين مارجريت، وبين دافيد وهاني والأم، وبين هاني والعصابة التي يعمل معها، مع كل هذا هناك قدرة على رسم الشخصيات ابتداء من الصفات الجسمانية، والنفسية التي يظهرها الحوار أو التأمل، حتى الأماكن مرسومة التي تراوحت بين كندا ولبنان وفرنسا، جعلتها تضيف جغرافية نقلتها من خلال وصف دقيق إلى المشهد السردي مما أكسب الرواية بعدا آخر.
ولولا ما لدى جانين من حرية ما تحققت رحلتها، فحدود الحرية معها هي من عملت على تحديدها، ولم تفرض عليه، كانت واضحة ولم يكن لديها ازدواجية تفكير، ومساحة الحرية التي حظيت بها، تصبح في المتن مساحة كبيرة وشاسعة للتأمل في واقعيتها، لذلك فالرواية تنتمي إلى الواقعية النقدية تلك التي كتب من خلالها معظم الأدباء أعمالا كانت عينها على الواقع الذي خضع لديهم لمنطق وعقل دون استسلام للخيال الموجود في الأدب الرومانسي.
ومن أجل ذلك فالرواية شرفة مفتوحة على حياة المرأة التي تذهب خلف قلبها وأحلامها لآخر الحدود، فجانين تذهب إلى أبعد من سرد حياة ومصائر، إنها لا تتناول قدرة رسم الطريق بأكمله بكل ما فيه، على الرغم من أنها تركز على الأزمة الإنسانية لها من خلال رؤية الآخر لها ورؤيتها هي لهم، وعند الوقوف على مسافة قريبة منها يمكن تقدير فعلها، وتفهم دوافعها إلى كسر كل القيود والاستجابة لداخلها ولحلمها، تستجيب وهي مؤمنة بأن تلاقي الأرواح يفيد بقدر ما يترك من ندوب، لكن في النهاية تدرج جانين أنها محتاجة لهذا التلاقي، لتعرف وتدرك موقعها واحتياجاتها من الحياة، ولم يتم هذا إلا من خلال قوة الحب تلك القوة أصبحت داخلية وقودا لا ينفد، من خلال إيمانها بأن الحب لا يحتاج إلى أن يكون مثاليا بل حقيقيا، وفي لحظة ما تدفعها تلك القوة إلى الحفر تحت الجلد لتصحح المسار تمارس فضيلة الاعتراف، لتنفي عن نفسها الضعف، كما قالت ” أبشع ما في هذه الحياة هو أن نكون ضعفاء”
وأحد أهم الأبواب أو العتبات للعمل: العنوان “على قصاصة ورق” على تلك الرقعة الصغيرة يمكن صياغة أقدار، وزرع الوجع، وجلب الشفاء، وعندما ننظر إليها وإلى مساحتها الصغيرة نراها في حجمها الطبيعي، وإذا ما وسعنا النظرة، سنجدنا نلهث خلف ما صنعته فينا تلك الورقة التي حملت لنا أقدارًا وأحداثًا غيرتنا، ومن ثم فهي رمزية للغاية للقيد أو للحرية، عقد زواج، طلاق، تحليل طبي، عقد بيع، عقد شراء، ستكون الورقة حاضرة بمتنها وبما تحمل. وهذه الرواية هي مثال حي لمن سعى خلف حلمه وكسر القيد ليبحث عن نفسه، لتجمع بين الخيال الأكثر حرية والرؤية النقدية للعلاقات الاجتماعية، وهو ما أطلق عليه دوستويفسكي “الواقع الأعمق” أو الواقع النقدي.
وفي النهاية كان لدى جانين مناطق غير مكتشفة، وجب عليها أن تسعى إلى اكتشافها وإلى العمل على تفعيل المواجهة معها من خلال الوضوح وعدم الخجل من أشياء قد تبدو للآخر غير مقبولة، هي لم تهتم ومضت في طريقها لتحقيق حلمها والقبض عليه وفق شروط الوقت، وهي لا تنظر إلى ما يعيق حركتها متسلحة بقيمة غض الطرف حتى لا تمضي بأحمال زائدة لا لزوم لها..
«على قصاصة ورق» – إصدار دار النهضة العربية 2025

شكرا لمتعة القراءة استاذ مصطفى