ورد الغياب.. فقهُ الفقد وبلاغةُ الومضة عند فاطمة وهيدي

ورد الغياب.. فقهُ الفقد وبلاغةُ الومضة عند فاطمة وهيدي

 صدرت مجموعة “وِرد الغياب – شذرات نثرية” للشاعرة والأديبة فاطمة وهيدي عام 2017م، لتقدّم نصًا مختلفًا عن ديوان الشعر العمودي التقليدي. العنوان وحده عتبة دلالية: “وِرد” أي ما يُتعبّد به يوميًا، و”الغياب” أي ما لا يُغتفر من ذنوب العشاق. فهي إذن لا تكتب عن الحب، بل عن طقوس عبادة الوجع.

  • 1. البنية: شذرات لا قصائد.. ومضات لا سرد.

تصنّف وهيدي نصوصها “شذرات نثرية”، وهذا اختيار أسلوبي ذكي. الشذرة تسمح لها بكسر البنية الخطابية الطويلة، وتكثيف المعنى في ومضة واحدة. لا حكاية متسلسلة هنا، بل لقطات وجدانية متتالية:

“ليته عبس وتولى / هو ابتسم… وغاب!”.

سطر واحد يقلب الآية القرآنية ويصنع صدمة: العبوس أهون من ابتسامة تتبعها غيبة. هذه “حصافة” النص: الاقتباس ثم الالتفات.

  • 2. محور المجموعة: تشريح الغياب ككائن حي.

لو أردنا كلمة واحدة تلخص الديوان فهي “الغياب”. لكن وهيدي لا ترثيه، بل تشرّحه تشريحًا لغويًا وعاطفيًا:

– الغياب له تاريخ وجغرافيا: “للغياب تاريخ في القلب، للشوق جغرافيا على الوجه”. حوّلت الشعور المجرد إلى خريطة وزمن، فصار ملموسًا.

– الغياب كائن فاعل: “الحزنُ يغرس أنيابه في قلبي”، “منجلُ الغياب يقصم ظهر الحروف”. هنا شخصنة بلاغية ترفع الغياب من حالة إلى جلّاد.

– الغياب يلغي الذات: “رحلتَ، ففارقني، وفارقتني كل تفاصيلي المتوحدة بك / فأصبحتُ فارغة حتى منّي”. قمة الوجع حين لا يعود الحزن على الغائب، بل على فقدان “الأنا”.

  • 3. السمات الأسلوبية: ذكاء الصورة واقتصاد اللفظ.
  • أ. التضاد والمفارقة.. أداة وهيدي المفضلة.

“قلت: كلما غاب اشتقته / قالوا: الضد للضد شفاء / قلت: إذن سأشتاقه أكثر؛ وليغب كيفما شاء!”.

منطق معكوس ذكي: الشفاء عندها ليس بالنسيان، بل بإدمان الشوق. هذا يمنحها صوتًا نسويًا متمردًا على الحكمة التقليدية.

  • ب. الاستعارة المبتكرة.. لا تكتفي بتشبيه الدمع بالمطر، بل تذهب أبعد:

“مطرُ العيون لا يعني أنها تعاني من صقيع / ولكنها تستجير من الجفاف”.

الدمع عندها ليس ضعفًا، بل استغاثة من الجفاف العاطفي. قلبٌ للمألوف.

  • ج. التناص والتفكيك

“خدعوني فقالوا الهواء أوكسجين وهيدروجين / كيف والهواء.. أنت!”.

تفك تعريفًا علميًا جافًا وتبدله بتعريف عاطفي. ذكاء ثقافي يجعل الشذرة تلامس القارئ المثقف والعاطفي معاً.

د. لغة الأنثى الواثقة.. رغم الوجع، لا استجداء. بل تحدي 

“أنا أهزأ بالغياب”، “تعال نخون الحزن ونفرح… فقط تعال”. الصوت أنثوي لكنه لا يبكي، يأمر ويتفاوض مع الغياب.

  • 4. الإهداء والمفتتح.. إعلان المشروع

في الإهداء تقول: “كيف أختصرك في سطور، وأنت كل المعاني!”. عجز بلاغي مقصود.

في المفتتح تعلن منهجها: “لا شيء هنا سوى أنين المعنى.. وَجَلِ الحرف وصمت القصيدة”. أي أنها تكتب “ما بعد القصيدة”، تكتب الصمت الذي يلي الكلمة. وهذا يفسر التقطيع البصري للنصوص وفراغ الصفحة: الفراغ هنا دلالة، لا زينة.

  • ما أود قوله هنا: 

إن “ورد الغياب” ليست مجموعة بكائيات. هي محاولة لتأنيث الحزن وتطويعه بلغة ذكية. فاطمة وهيدي لا تقدم “الضحية” الكلاسيكية، بل تقدم “الشاهدة” على جريمة الغياب. شذراتها قصيرة كالنَفَس، لكنها تترك في القارئ أثر حرق طويل.

فرادة المجموعة أنها جعلت من “الغياب” مادة شعرية مستقلة، لا مجرد خلفية للحب. فصار الغياب هو الحبيب، وهو القاتل، وهو القصيدة نفسها.

  • من أجواء الديوان

كلما مسحت بكَفي

دمعة على خدي

نبتت على يدي

آلاف القصائد!

لماذا يا سيزيفُ

تركتَ الصخرةَ تُهوي؟

وتجثمُ على صدري!

 يحدُثُ أن..

أجدَ العابرينَ

بارعين جدا

في انتحال وجهك؛

فتلكزني ابتسامتُهم:

لا أحدَ يُشبهُه!

***

العاشقة التي كُنتها

لم تبكِ حين غادر حبيبها

ظلت تذرف حروفًا..

الآن..

على شاطئها تتمايل الأشجار مترنحة

تستحمَّ بعسلها

وتحرص هي 

على إبقاء مرارتها مخبوءة في الأعماق!!

كثيرة أنا بكَ..

كسيرة من دونكَ!!

للغياب تاريخ في القلب،

للشوق جغرافيا على الوجه،

وبينهما طوفان آآه..

ليس كل الظن إثماً

فَقلبي يظن كل لحظة إنه سَيراك

وحينما يضن بكَ اللقاء

يستعيذ بِعطركَ

مِن البعد الرجيم

لأني من طين

كلما أمطرت عيوني

حط الطير على رأسي

الْتَهمَ فرحتي.. وطار!

ولأني من ضلع أعوج

لم تستقم ابتسامتي قط!

يزعمون أني حاضرة هنا

ويزعمُ قلبي أنني هناك

فتَعزِمُ روحي أمرَها

وتصرُخُ في وجه الغياب 

كَفاااك..


عبد الرقيب الوصابي كاتب وناقد من اليمن

اترك رد