ألم في الصميم – للبريطاني جو دونثورن حول رواية «مايكل كولهاس» لهاينريش فون كلايست 

ألم في الصميم – للبريطاني جو دونثورن حول رواية «مايكل كولهاس» لهاينريش فون كلايست 

ترجمة: صالح الرزوق

يناقش دونثورن في هذه المقالة رواية “مايكل كولهاس” لهاينريش فون كلايست، بترجمة إنكليزية قام بها مايكل هوفمان. صدرت عن نيو دايريكشن في 112 صفحة عام 2020. 

نص المقالة:

نجد رسائل انتحار أكثر بهجة من رسائل هاينريش فون كلايست وهنرييت فوغل، اللذين توفيا معا في 21 نوفمبر 1811. كتب كلايست إلى أخته يقول: “أتمنى أن يمن عليك الله بموت يعادل نصف بهجة وفرح موتي الذي لا يوصف”. وأخبر ابنة عمه أنه “سعيد للغاية”، ويتطلع إلى هذا “الموت الرائع والممتع”. وصفت فوغل موتها بأنه “رحلة اكتشاف عظيمة”، وكتبت إلى زوجها وابنتها التي تركتها وراءها: “أنا أموت موتا لم ينعم به إلا قليل من البشر… لأنني أستبدل سعادة الدنيا بنعيم أبدي”. بعد أن أرسلا رسائلهما بالبريد السريع، قاما بنزهة على ضفاف بحيرة كلاينر وانسي، وتبادلا قصائد الحب، وشربا النبيذ والرم، ووفقا لتقارير صحفية شربا “حوالي ستة عشر كوبا من القهوة”، قبل أن يطلق كلايست النار على قلب فوغل ثم على رأسه نفسه. كانت فوغل تبلغ من العمر 31 عاما أما هو فقد بلغ 34 عاما. وسجلت الكنيسة المحلية وفاتهما على أنها “جريمة قتل وانتحار”. وأصبح قبراهما، على ضفاف البحيرة، مزارا للسياح، معززا بتجربة صوتية غامرة تدعو الزوار للتأمل في العديد من الأمور المجهولة التي أحاطت بأيامهما الأخيرة. وتبعا لدرجة التشاؤم، قد تكون علاقتهما عبارة عن التقاء أرواح نقية أو اتفاقا قائما على براغماتية قاسية. فقد تعارفا قبل عامين فقط. هل أحبت فوغل – التي كانت تعاني من سرطان الرحم العضال – كلايست حقا أم أنها اعتبرته رمزا للكرامة؟ هل أحبها كلايست حقا أم أنه كان سعيدا فقط بالعثور على من يضيف لمسة أدبية إلى انتحاره الذي خطط له منذ فترة طويلة؟. هل “الفرح غير المسبوق” في رسائلهما الأخيرة تمثيل، أم حالة مرضية، أم أنه – ربما – كان حقيقيا؟. كان كلايست يستمتع بمثل هذه الألغاز. فعلى شاهد قبره تقرأ تاريخي ميلاد. على أحد الجانبين نقش 18 تشرين الأول 1777، وهو متطابق مع السجلات الرسمية؛ من الجهة الأخرى، 10 تشرين الأول، وهو التاريخ الذي اقترحه كلايست نفسه.

ولد كلايست في عائلة عسكرية بروسية عريقة، وكان بين أسلافه ثمانية عشر جنرالا. توفي والده، وهو نقيب في الجيش، عندما كان كلايست في العاشرة من عمره، وتوفيت والدته عندما بلغ الخامسة عشرة، وكان كلايست حينها قد أصبح عريفا في فوج الحرس، وتوجه إلى المعركة ضد جيوش الثورة الفرنسية. بقي جنديا بروسيا لمدة سبع سنوات، استنتج خلالها أن هذه المهنة “لا تتناسب إطلاقا مع كياني”. في الثانية والعشرين من عمره، ترك الجيش، مخالفا نصيحة عائلته، ليسعى وراء “تطوير جانبه المعنوي”، فدرس الفلسفة والرياضيات والفيزياء في جامعة فرانكفورت أودر. وضع خطة دراسية صارمة، سرعان ما وسعها لتصبح “خطة حياة” شاملة، ودليلا مفصلا خطوة خطوة نحو تنويره وسعادته المستقبلية. وكتب لاحقا العديد من هذه الوثائق. ولكن لم يضاه حماسه في وضع الخطط إلا براعته في تخريبها.

وبعد دخوله معترك الحياة الدراسية وارتباطه بمجتمع الطلبة، ورط نفسه بخطبة أكبر بنات أحد الجنرالات البالغة من العمر ثمانية عشر عاما. اشترط والداها للزواج أن يهجر دراسته ليبحث عن عمل. فترك الجامعة، والتحق بالخدمة المدنية، وحاول التأقلم مع الحياة التقليدية، وقد ندم على هذا القرار منذ البداية. في عام 1800، غادر المدينة فجأة، وقضى الأشهر التالية متجنبا خطيبته. لم يقع بالحيرة أحد أكثر من كلايست نفسه. في عام 1801 عانى من أزمة منتصف العمر، فبعد قراءة مطولة لكانط، أدرك أننا جميعا محكوم علينا برؤية العالم من خلال نظارات خضراء، أو ما يعرف بانحياز تجاربنا. “لا نستطيع أن نجزم إن كان ما نسميه حقيقة هو حقيقة فعلا، أم أنه مجرد وهم نراه”. كانت هذه اللحظة الفارقة هي التي دفعته لبدء رحلة حول أوروبا على أمل أن يفهم ذاته. وانتهى به المطاف في باريس، حيث عاش في بؤس شديد. بدا له الباريسيون الباحثون عن المتعة تافهين ومثيرين للاشمئزاز، وتفوح من شوارعهم الضيقة روائح كريهة لا تحصى. قد نقول اليوم إنه عانى من “متلازمة باريس” – وهي حالة تصيب حفنة من السياح كل عام عندما تخيب مدينة الأنوار آمالهم المبالغ بها. (من المعروف أن القنصلية اليابانية تعيد المواطنين المصابين بصدمة نفسية إلى بلادهم). لم يرغب كلايست في العودة إلى منزله. بدلا من ذلك، هرب إلى مزرعة سويسرية معزولة حيث حاول التواصل مع الطبيعة، وكان يمارس رياضة المشي يوميا حول البحيرة. كتب إلى خطيبته قائلا إنه إذا كانت تحبه حقا، يجب أن تتخلى عن أصدقائها وعائلتها لتعيش، كفلاحة، في بيته الصغير المنعزل. وربما يرى أي إنسان عاطفي وخجول منا أن هذه رسالة تطلب الانفصال. ولكنها حينما لم تنجح أنهى كلايست الخطوبة بنفسه.

في عام 1902، استأجر غرفة على جزيرة صغيرة في نهر آري، وبدأ أولى محاولاته الجادة لإثبات موهبته الأدبية. في العام التالي، نشر مسرحية، وانكب على ما اعتبره تحفته الفنية، وهي مأساة بعنوان “موت جيسكارد النورماندي”. كان يأمل أن تحدث المسرحية ثورة في المسرح المعاصر، وأن تتجاوز شكسبير، وأن تطيح بغوتة. ليس من المستغرب أنه لم يتمكن من إتمامها. فبعد معاناة دامت خمسمائة يوم وليلة مع جيسكارد، عاد إلى باريس (التي كرهها بمقدار المرة الثانية) وأحرق المخطوطة. فقد شعر بالهزيمة التامة، وقرر أن يقترب من الساحل، وينضم إلى جيش نابليون، ليموت “موتا جميلا في ساحة المعركة” أثناء غزو إنكلترا. غير أن إقدامه على هذه الرحلة رغم كراهيته لنابليون ولحياة الجندية يعطينا فكرة واضحة عن تدهور كلايست، وعن إصراره على تدمير نفسه. بالقرب من بولون، التقى بطبيب عسكري فرنسي الذي أدرك أن كلايست يعاني من انهيار عصبي. بعد عدة أشهر من التعافي، عاد على مضض إلى برلين، حيث طلب منه، وللمرة الثانية، التخلي عن “أفكاره السخيفة” والبحث عن وظيفة مناسبة.

وإذا لم يسعده السفر، وجد أخيرا موضوعه. في السنوات اللاحقة، بدأ بكتابة مسرحيات وقصص تتناول غفلتنا الجماعية؛ كانت شخصياته تتخذ قرارات جريئة لكنها لا تتعلم منها، وتفشل في معرفة بعضها البعض حقا، ولا تنال ما تستحقه. لم يكن هذا الأسلوب الأدبي سببا في شهرته خلال حياته. وكافح، ككاتب، من أجل المال والتقدير، غير أنه عانى كثيرا كإنسان. كتب يقول: “أنا لا أنتمي إلى المجتمع البشري، والسبب، بصراحة، هو أنني لا أحب الناس”. في الحفلات، كان خجولا، يميل إلى الاحمرار والتلعثم. كان دائما يشعر بالدونية تجاه الضيوف الآخرين، وفي الوقت نفسه يراهم سطحيين. وكان معروفا أنه يتمتم مع نفسه على مائدة العشاء.

كانت أقرب محطة ناجحة وصل إليها هي خلال إقامته في دريسدن عام 1808. فقد نشر بعضا من أفضل قصصه ومسرحياته، وأسس مجلة أدبية مع صديقه آدم مولر، وتلقى نبأ رغبة غوته في إخراج إحدى مسرحياته الكوميدية. ولأول مرة في حياته، بدأت أعماله تقرأ وتحظى بالإعجاب. وتيقن أنه سيصبح مشهورا وسعيدا عما قريب. وكما يعلم أي قارئ لقصصه، فإن هذا ليس علامة طيبة. فقد سارت الليلة الأولى من عرض غوته لمسرحية “الإبريق المكسور” في فايمار بشكل كارثي، لدرجة أنه في الفصل الأخير، لم يكن بالإمكان سماع أصوات الممثلين من كثرة السعال والصفير والنقر بالنعال. وشاهد الدوق والدوقة المشهد من الشرفة وهما في حالة من الذهول. ولعدة أيام بعد ذلك، لم يتحدث المجتمع الراقي إلا عن “كوميديا ​​كلايست المروعة”. حتى أن الفضيحة نشرت في مجلة “عالم الموضة”. ولم تعرض المسرحية مرة أخرى.

لم يتعاف كلايست ولا مسيرته المهنية تماما. أُغلقت مجلته بعد اثني عشر عددا، وغادر دريسدن مهزوما ومثقلا بالديون. ولم يقدم على أي محاولة أخيرة لبناء حياة أدبية دائمة إلا في عام 1810، قبل عام من انتحاره. فقد عمل محررا، وكاتبا في معظم الأحيان، في أول صحيفة يومية في برلين، وهي صحيفة “برلينر أبندبلاتر” التي لم تدم طويلا. فقد ساهم فيها بمقالات رأي، وقصص قصيرة، ومقالات فلسفية، وقصائد، بالإضافة إلى مجموعة منتظمة من “الحكايات” التي كانت بمثابة عمود من الثرثرة السوداوية، الأمر الذي أتاح له سرد قصص ذات طابع كوميدي قاتم. في إحدى مقالاته المميزة، كتب عن مباراة بين ملاكمين إنكليزيين مشهورين. وهذا مقطع منها:

“وبعد لحظات، وجه رجل بليموث لكمة قوية لرجل بورتسموث في صدره حتى بصق دما، فمسح الأخير فمه وصاح: “أحسنت!” – ولكن بعد ذلك بقليل، وبعد أن استعاد توازنه، تلقى رجل بليموث لكمة قوية من قبضة رجل بورتسموث اليمنى حتى غامت عيناه وسقط أرضا، فصرخ وهو يسقط: “وهذا ليس سيئا أيضا!” – عندها هتف الناس، وهم يتحلقون حولهما، وبينما كان رجل بليموث يحمل ميتا بعد إصابته في بطنه، أعلنوا فوز رجل بورتسموث باللقب. ويقال إن رجل بورتسموث توفي في اليوم التالي بسبب نزيف”.

كان الموت عادة ما يمثل خاتمة نكاته.

من السهل فهم سبب جاذبية كلايست للقراء المعاصرين أكثر من أبناء جيله، وذلك بفضل سعيه وراء الغموض وحسه الفكاهي القاتم. تبدأ قصصه القصيرة عادة كحكايات أخلاقية واضحة – فرسان يتنافسون على عفة امرأة، رجل مظلوم يسعى للعدالة، حب حقيقي تعرقله الأعراف الاجتماعية – ثم يبدأ في تقويض هذه الحقائق تدريجيا حتى تصبح فوضى غير مريحة. لكن، في رأيي، أبرز ما يميز كلايست هو سرعة سرده. غالبا ما تقرأ قصصه أشبه بملخصات، حيث تختصر كل جملة مشاهد يخصص لها كتاب آخرون فصلا كاملا.

لا يوجد نص يتجلى فيه هذا الأمر أفضل من روايته القصيرة “مايكل كولهاس”، التي نشرت كاملة لأول مرة عام 1810. تتابع الرواية قصة زوج وأب وتاجر خيول و”مواطن طيب”، يحاول عبور الحدود إلى ساكسونيا لبيع بضاعته، فيتعرض للخداع والسخرية من قبل أحد النبلاء في القلعة على الحدود. يرد كولهاس على هذه الإهانة بحماسة شديدة، فبعد 36 صفحة فقط، يفقد منزله، ويشهد مقتل زوجته التي تحاول مساعدته، فيقوم بنهب القلعة الشئيمة وإحراقها، ثم يطارد النبلاء بجيش صغير من الرجال، أولا إلى فيتنبرغ، وهي بلدة يحرقونها بسرعة، ثم إلى لايبزيغ، حيث يصبح كولهاس زعيما لـ”حكومة عالمية مؤقتة” جديدة، هدفها الوحيد “معاقبة كل من انحاز إلى جانب النبلاء بالنار والسيف”. ما يجعل هذا التصعيد السريع جذابا أنه يبدو منطقيا ومعقولا. فنحن إلى جانب هذا المجنون تماما.

ولذلك ليس من المستغرب أن أحب كافكا هذا الكتاب. فقد قرأه عشر مرات. حتى أن الغلاف الخلفي لهذه الطبعة – وهي ترجمة جديدة رائعة وحية لمايكل هوفمان – حمل اقتباسا منه. كتب عليه كافكا يقول: “حملني على أمواج من الدهشة”، وهو رد فعل من كافكا على قصة يعاني فيها الجميع معاناة شديدة و/أو يموتون. وهناك تعليقات أخرى جاءت من روبرتو بولانو وسوزان سونتاغ وبول أوستر وقد ورد فيها أن كلايست حقق أخيرا الشهرة التي كان يتوق إليها في حياته. حتى أنه في عام 2013، تم تحويله إلى فيلم ضخم بعنوان “عصر الانتفاضة” من بطولة مادس ميكلسن وهو في أوج تألقه. وهذه هي الترجمة الإنكليزية السابعة منذ عام 1960، وقد أحسن هوفمان في تمييزها عن سابقاتها. ففي السطر الأول من الكتاب يقدم كولهاس على أنه “واحد من أكثر الشخصيات استقامة وفظاعة في عصره”. (بينما يلجأ معظم المترجمين الآخرين إلى استخدام كلمات مثل “مستقيم” أو “صادق” و”فظيع”). تتميز هذه الطبعة أيضا باستخدامها المقتصد لأقواس الاقتباسات. ورغم أنها أقرب إلى النص الألماني الأصلي (الذي كتب بجمل طويلة ومعقدة)، إلا أنني ما زلت أرى أنه في رواية قصيرة حافلة بالجمل الطويلة والمعقدة والمتداخلة – والتي يتجادل بها فرسان أسماؤهم من قبيل “هاينز” و”كونز”، ويدخلون بنقاش طويل حول قضايا القانون الإقليمي – يفضل تحديد شخصية الفارس الذي يتكلم ليتعرف عليه القارئ. لكن هذه نقطة بسيطة مقارنة بالمشكلة المشتركة بين جميع طبعات الكتاب، الإنكليزية والألمانية على حد سواء: وهي النهاية. كتب كافكا أنه لولا الفصل الأخير، لكان مايكل كولهاس “تحفة فنية”، وهي طريقة دبلوماسية ليقول إن كلايست شوهها تماما. في الواقع، من بين الأشياء العديدة المثيرة للاهتمام في هذه الرواية القصيرة أنها، مثل بطلها المتناقض، تمكنت من أن تكون في آن واحد تحفة فنية وكارثة(1).

معظم القراء، إن كانوا يستمتعون بكتاب، يتجاهلون بعض المصادفات المبتذلة التي تستخدم لخدمة حبكة القصة. لكن ما هو الحد الأمثل للمصادفات؟ حضرت في إحدى المناسبات محاضرة لكاتب سيناريو أمريكي أخبرنا فيها أنه لا يسمح لنا إلا بمصادفة واحدة فقط في أي سيناريو طوله تسعون صفحة. وأي مصادفة أخرى تزعزع ثقة المشاهد بالقصة. وقال أيضا إن المصادفة يجب أن تستخدم فقط لإيقاع الشخصية في مأزق، لا لإخراجها منه. وبينما كنت أراقب كاتب السيناريو وهو يذرع قاعة المؤتمرات جيئة وذهابا، وينعم بهالة من الثقة المفرطة، بدأت أشعر أنني لا أميل لكلامه. وفكرت: الفن يتجاوز هذه القواعد التافهة، ومع ذلك – كما يثبت كلايست بوضوح – لا بد من حدود.

تبدأ المشكلة في الصفحة 86، عندما ينصب كولهاس مخيمه ليلا في ساحة مزرعة قريبة من المكان الذي يقوم فيه عدوه اللدود، أمير ساكسونيا، برحلة صيد. يقاطع الرحلة قطيع من الأيائل العابرة، وخلال مطاردتها، يتوه الأمير، وهو مخمور، ويعثر على خيمة كان من الممكن أن يتجاهلها لولا خروج رجلين منها يتحدثان بصوت مرتفع عن أن الخيمة تخص مايكل كولهاس، الذي لا يعلم بوجود أمير ساكسونيا. تلهم هذه التعليقات رفيقة الأمير وتقترح أن تتسلل إلى خيمة كولهاوس وتستجوبه سرا، وهي فكرة مروعة، لكن الأمير يوافق عليها لأنه مغرم بكل ما يصدر عنها. فيدخلون الخيمة، حيث ينشغل كولهاس بإطعام طفله المريض بالخبز والحليب لدرجة أنه لا يلاحظ أن الرجل الذي يكرهه أكثر من أي شيء في العالم هو أحد الوافدين الجدد، ويجيب على أسئلتهم الشخصية بسرد حكاية طويلة، بل وسخيفة، عن حادثة وقعت قبل سبعة أشهر، حين كان يقف بين حشد من الناس يشاهدون أمير ساكسونيا نفسه وهو يقرأ طالعه على يد امرأة غجرية، كتبت مصير الأمير على ورقة، لكنها قررت، بدلا من تقديمها إلى الأمير، أن تسلمها لشخص غريب في الحشد (لكولهاس بالطبع)، وهو حدث يطلب منا قبوله دون سبب سوى أن هذه المرأة غريبة بطبيعتها. وهكذا، منذ ذلك اليوم، يحمل كولهاس مصير الناخب مخبأ في أنبوب من الرصاص حول عنقه. بعد سماع هذه الرواية، يصاب الناخب بصدمة شديدة لدرجة أنه يسقط مغشيا عليه على الأرض، مما يتيح نقله بسهولة إلى الخارج لتلقي العلاج الطبي، وبالتالي تأجيل المواجهة الحاسمة مع كولهاس، والتي ندرك لاحقا أنها مؤجلة من أجل المشهد الختامي الرائع للكتاب. وقد أحصيت 22 مصادفة كانت مطلوبة لإتمام وتألق الرواية، ولذلك ستبدو الرواية بنظري دائما وكأنها منقوصة2. 

كم عدد الغرائب التي يمكن أن يتسع لها عمل واحد؟ لا بد أن كلايست يحمل الرقم القياسي. ولكن يتضح مبرره لخيانة ثقة القارئ في الصفحة الأخيرة، حين يقف كولهاس على منصة الإعدام، منتظرا تنفيذ الحكم ليعاقب على أفعاله الخاطئة، يعوض في الوقت نفسه عن كل ظلم لحق به، ويبدو هادئا تماما. كان هذا الشعور المزدوج، بالنسبة لكلايست، هو المشكلة بحد ذاتها. كان الكمال الأخلاقي بالنسبة له أمرا لا يمكن تصوره. وكان يفضل تصديق 22 مصادفة. وهكذا، قبل لحظات من سقوط الفأس على رأسه، يبتلع كولهاس فجأة، بهياج طفولي، قطعة الورق التي تحتوي سر الأمير، ليثبت، كولهاس، أنه غير متسامح كما كان يظن، ولا يزال متعطشا للانتقام. ما يكشفه لنا هذا الأمر عن كولهاس أقل أهمية مما يكشفه لنا عن كلايست. فهو يقدم مثالا يحتذى عن الإفراط في التمسك بالمبادئ لدرجة تجعلنا عميانا وعرضة لتدمير أنفسنا، وذلك كله برواية قصيرة. 

لقد جعل هذا الإخلاص للغموض من كلايست كاتب رسائل محبطا. فرسائله حافلة بالتعمية، وأهمها تلك التي تحيط برحلته إلى فورتسبورغ في عام 1800. وقد أخبر أحباءه أن شيئا لا يصدق قد حدث هناك – شيئا جوهريا – ورفض في الوقت نفسه تقديم أي تفاصيل. ووعد أنه ذات يوم: “سأشرح هذه العبارات الغامضة، وسوف تصيحون في دهشة: آه، هذا هو ما كنت تقصده”. 

تكهن النقاد أن تلك اللحظة ربما هي لحظة اكتشافه لمصيره الحقيقي ككاتب. أو ربما كانت فورتسبورغ هي المكان الذي خضع فيه لعملية جراحية لتصحيح مشكلة في قلفته، وبالتالي كانت بداية حياته الجنسية (موضوعا آخر للتكهنات). فعلاقته مع هنرييت فوجل، على الأرجح، لم تكن جسدية، وعلى الأرجح أنه كان يفضل الرجال. وكتب أكثر رسائله حبا وهياما لأصدقائه الذكور المقربين ولابن عمته ماري، بينما أرسل بعضا من أكثر الملاحظات جفافا إلى خطيبته. 

وبعد وفاته، قالت صوفي فون هازا (امرأة وقع كلايست في حبها ذات يوم، وحاول إلقاء زوجها من فوق أحد الجسور) إنها قرأت عملا لكلايست بعنوان “قصة روحي” وفيه حل لحياته وأعماله المتناقضة بشكل كامل، وهو خاتمة “لأولئك الراغبين في معرفته وتفسيره بالكامل”. لحسن الحظ، لم يعثر على “قصة روحي” قط. ويفترض أنها ضاعت أو أحرقت – أفضل أن أعتقد أنه أضرم النار بالوثيقة وما تمثله، السعي وراء الذات الواحدة.

 لم يخلد اسم فوغل في المقبرة لما يقارب مئتي عام. في عام 2003، وضع حجر صغير هناك، كإضافة إلى حجر الغرانيت الذي نصب على قبر كلايست. وفي عام 2011، في الذكرى المئوية الثانية لوفاتهما، أُعيد إحياء ذكراها، وانضم اسم فوغل أخيرا إلى اسم كلايست على الحجر الأكبر. لطالما نظر إلى حادث وفاتها على أنها أوضح: فقد كانت مريضة بمرض عضال. لكن من الواضح من رسائلها أنها، مثل كلايست، رفضت التفسيرات المبسطة. في رسالتها الأخيرة إلى زوجها، أكدت أنها لم تستطع أن تتطابق مشاعرها مع أي تشخيص معروف: “لم أعد أطيق الحياة لأنها تقيد قلبي بأغلال حديدية – سموها مرضا، أو ضعفا، أو أي شيء آخر، فأنا لا أعرف كيف أُسميها بنفسي”. وفي رسالة وداع أخرى، ختمتها بقصيدة ورد فيها: 

“كيف حدث هذا بالضبط؟.

سأخبركم جميعا يوما ما. 

لكن ليس لدي وقت الآن”. 

أدركت أنه لا سبيل لإقناع أحبائها. عندما كتبت إلى أحد أقرب أصدقائها، تطلب منه أن يعتني بها وبجثمان كلايست، وجد أسلوبها ساخرا وغامضا لدرجة أنه ظنها مزحة. فقد ورد في الرسالة: “صديقي العزيز، ينتظرك امتحان عظيم لإثبات صداقتك الوفية التي لطالما أظهرتها لي. أنا وكلايست هنا في ستيمينغز على الطريق إلى بوتسدام، في حالة عجز تام، أو بتعبير أدق، قتلنا رميا بالرصاص، بم بم”.

عندما جلست هي وكلايست لكتابة قصائدهما عن الحب والموت، سرد كل منهما صفات الآخر دون تفسير أو شرح، كان الشيء الوحيد الواضح هو الشكل. واعترف كل منهما بالآخر كما لو أنه مزيج متناسق من التناقضات. كتبت تقول: “هاينريش لي، كأسي الذهبي، هوائي، دفئي، أفكاري، مذنبي العزيز… سعادتي، موتي، قلبي الحنون، وحدتي، سفينتي… روحي، أعصابي، مرآتي الذهبية”. وهكذا – على الأقل من خلال عبارة مرآتي الذهبية – أرى فرحة لحظاتهما الأخيرة حقيقية، وهي تحرر سعيد من التناقض. 

لم يعجب السيد والسيدة ستيمينغ، مالكا النزل، بالنزيلين اللذين كانا يتنزهان على ضفاف البحيرة. فقد كان الجو باردا جدا، وكان الضباب يزحف. لم يستطيعا فهم الاثنين الغريبين والمرحين اللذين يقذفان الحجارة على سطح الماء ويركضان “يدا بيد، ويتبادلان النكات ويطاردان بعضهما البعض” ويناديان بعضهما بـ”يا عزيزي”. وكان آل ستيمينغ طيلة فترة ما بعد الظهر، يراقبان الضباب وهو يزداد كثافة، والزوجين وهما يتلاشيان تدريجيا.

في اليوم التالي، وصل طبيبان لفحص الجثتين. على ضوء الشموع الخافتة، جرد كلايست وفوغل من ملابسهما ووضعا للفحص في كوخ قريب. فحص الطبيبان صدريهما، وفتحا كل عضو صادفاه. وجدا أن فك كلايست كان مشدودا بشدة لدرجة أنه استلزم استخدام أداة لفتحه. كانت جمجمته شديدة المقاومة أيضا، وعند فتحها، كسرا منشار العظام. ونتيجة لذلك، لم يتمكن الطبيبان من الوصول إلى داخل رأس فوغل، واضطرا إلى التخمين. وهذا ما كان يتمناه الزوجان السعيدان3.


هوامش المترجم: 

1 برأيي كانت النهاية واضحة ومختصرة. وتضبط إيقاع العدالة من جميع الجوانب. فهي تعاقب الضحية والجلاد. ولاسيما أن انتفاضة كلهاوس كانت لأسباب شخصية، وليس نتيجة وعي أخلاقي أو اجتماعي. فكلهاوس يفقد رأسه بسيف الجلاد. ويدخل نبيل ساكسونيا في متاهة تشبه “خريف الطاغية” بطل رواية “خريف البطريرك” لماركيز. 

2 لا يسعنا الحكم على هذا العمل بمعايير الخيال الفني المعاصر أو حتى بمعايير واقعية القرن العشرين. فهي نموذج من بواكير القرن التاسع عشر. عدا أن قصة “شعرة النبي” لسلمان رشدي، وهي من 20 صفحة فقط، تصور أكثر من خمس أو ست صدف مستحيلة، تتسبب بموت جميع شخصيات القصة. بمعدل صدفة كل أربع صفحات. وهذا أقل بكثير من 22 صدفة موزعة على 180 صفحة. 

3 محاولات ربط كافكا بفون كلايست لا يحالفها الصواب. فكلهاوس متمرد، ويمثل غصة للقانون، في حين أن غريغور سامسا مسخ بشري، لا يعارض أقداره، ويستسلم لها، وأحيانا يتنبأ بنهاية عبثية وسوداء. لم يطلق كافكا الرصاص، ولم يشعل النار ببيت أو حقل. ولم يتسبب بنقطة دم واحدة. وهو ما يجعله بعيدا عن سلفه كلايست، وعن أحفاده العرب، الذين تكلم عنهم الدكتور نجم عبد الله كاظم في كتابه المتميز “جماليات الرواية العراقية”. انظر تأثير كافكا في الرواية العربية في العراق. ص137- 173. 

جو دونثورن Joe Dunthorne روائي وشاعر بريطاني من ويلز. يعمل في الصحافة. اشتهر بروايته الغواصة 2008، تلاها روايته “المهجور في البرية” التي صدرت عام 2011. من أهم إصداراته الشعرية “أو إيجابي”. صدرت عام 2019.

اترك رد