لا يأتي كتاب “تجنيس النص السردي الجمعي: التنظير والممارسة” إضافةً عادية إلى مكتبة النقد العربي، بل هو تأسيس لحقلٍ مهمل ظل في هامش التنظير الروائي. وكما يثبت أ.د أحمد بوحسن في مقدمته، الكتاب “يجمع بين الدراسة النظرية المتعلقة بنظرية الأجناس الأدبية، والدراسة النقدية والتحليلية القائمة على مناهج تحليل النص السردي والروائي بخاصة”.
عمق الدراسة التي أنجزها د. محمد مرشد الكميم يكمن في شجاعتها على فتح “مجال نظري جديد للتصور السردي الجمعي الذي لم يتم الالتفات إليه، رغم وجود ممارسات سردية له في مجال الإبداع الأدبي”. فالدكتور الكميم لم يكتفِ بتطبيق مقترحات تودوروف وجينيت وبارت وشيفير على نص مفرد، بل ناقش حدودها وتبين عجزها عن استيعاب ظاهرة النص المكتوب بـ19 قلمًا، ثم بنى عليها تصورًا خاصًا انتهى إلى مصطلح “الرواية الأرخبيلية” أو “المتسلسلة”.
وهذا التشخيص دقيق لأن الكتابة الجمعية لنص سردي مفرد “تحدث تكاثفًا كبيرًا لتداخل الأجناس الأدبية، وتؤدي إلى زعزعة انتمائه إلى أي من الأجناس السردية المعروفة”. فاختلاف نوعيات الزوايا الأربع وتراكبها وتعدد ما ورد تحتها من أجناس وأنواع وخصائص وتقنيات هو الذي أحدث تداخلًا وتضافرًا وتفاعلًا فيما بينها، لتشكل نص “كهنوف” الذي لا يمكن تجنيسه وفق أي نوعية مستقلة.
طبع الصقل والحرص المنهجي
يمدح الدكتور بوحسن في تقديمه “طبع د. محمد الكميم الحريص جدًا على الصقل الطويل والدقيق لكتاباته؛ طبع عودنا عليه في أبحاثه ومقالاته العلمية التي نشرها من قبل، وفي نقاشاته العلمية كذلك”. وهذا الحرص يفسر لنا البنية الصارمة للكتاب: فصل تنظيري يفكك مفاهيم الأجناس، ثم فصل تطبيقي يفككك “كهنوف” على مستوى العتبات والسارد والشخصية والأمكنة والتقنيات.
القسم التطبيقي تحديدًا “يدل على مستوى التمثل النظري لموضوع التجنيس الروائي من جهة، وقدرته على تطويع ذلك التمثل في تفكيك نص ‘كهنوف’ في مستوياته الداخلية والخارجية والسياقية”. اللغة هنا ليست وصفية فقط، بل هي “الكتابة النقدية واللغة الواصفة الدقيقة المشبعة بالمفاهيم والمصطلحات والصياغات النقدية السردية الحديثة القادرة وحدها على حمل ونقل مضامين ودلالات موضوعه الجديد”.
امتداد المشروع.. الدكتور الكميم بين التنظير والمختبر
عمق هذه الدراسة لا يُفهم بمعزل عن السياق الأوسع لجهود صاحبها. فالدكتور محمد مرشد الكميم ليس باحث مكتبة، بل معماري معرفة يختبر نظرياته في الميدان؛ فمقيله الأدبي الأسبوعي: مختبر اختبار النظريات.
من خلال “مقبله الأدبي الأسبوعي ومناقشاته المعرفية التي يحاول جاهدًا فيها اختبار جدوى النظريات والمحمولات الثقافية والمعرفية”، يحوّل النقد من خطاب نخبوي مغلق إلى فعل جماعي مفتوح، فالنقاش عنده ليس ترفًا، بل هو الامتداد الحي لما فعله في الكتاب: مناقشة حدود التصورات النظرية قبل أن يؤسس تصوراته الخاصة.
كما أن جهوده “العلمية في خدمة العلم والمعرفة سواء إشرافه على الرسائل العلمية الرصينة أو مواقفه النبيلة في خدمة العلم وأهله” تجعل من الأكاديميا فضاءً للبناء. إشرافه لا يتوقف عند التوقيع، بل يمتد إلى “إنضاج” الدراسة، كما أنضج هذا الكتاب حتى خرج مصقولًا كما وصفه بوحسن.
الورش والمختبرات السردية.. التنظير يصبح ممارسة
هنا بيت القصيد، ومربض الفرس، إذ يصر الدكتور الكميم على تنفيذ “الورش العلمية والمختبرات السردية كمشروع مصاحب للدروس التي يقوم على تنغيذها لطلاب السنة التمهيدية لطلاب الماجستير”. في كل عام دراسي يختار “تجربة روائية” ويكلف الطلاب بإعداد أبحاثهم حولها، ثم يسعى بوعي إلى “عقد الحلقات النقاشية بين صاحب التجربة وطلبة الدراسات العليا”.
من أمثلة ذلك: تجربة الروائي وجدي الأهدل بآليات سرده العجائبي والعبثي، وتجربة الروائي محمد الغربي عمران ببنائه التاريخي والميثولوجي. وهذا الفعل هو الترجمة العملية لمفهوم “التجنس” عنده: “سيرورة تفاعل الكاتب مع النصوص السابقة لنصوصه، ومع تصورات الأجناس الأدبية القائمة”. الطالب هنا ليس متلقيًا، بل كاتبًا يعيد نسج النص كما فعل كُتّاب “كهنوف”.
- ما أود قوله هنا:
إن عمق دراسات الدكتور الكميم تكمن في أنها لم تشخص أزمة النص الجمعي نظريًا فقط، بل قدمت حلًا: “الرواية الأرخبيلية” كنموذج تجنيسي جديد. ولم تكتفِ بالحل النظري، بل بنت له ولغيره على كافة الأصعدة مختبرًا في قاعات الدرس يخرّج أجيالًا قادرة على “التفكيك المركز والدقيق لمستويات ومكونات النص”.
لذلك فإن الإشادة بـ”مجهوده في إعداد هذه الدراسة وإنضاجها”، أو جهوده الموازية الأخرى، لا تأتي من قبيل المجاملة، بل هو اعتراف بمشروع نقدي متكامل: كتاب يؤسس، ومقبل أدبي يناقش ويختبر جدوى الأفكار والأطروحات النقدية والفكرية، وورش تختبر وتستنتج، وطالب يمارس. وهو بمجمل صنيعه، يكون قد أغنى بذلك الوعاء اللغوي والمفهومي والمصطلحي للنقد العربي، وقدم نموذجًا للناقد الباني الذي لا يشخص الأزمة فقط بل يصنع أدوات حلها ويزرعها في الأجيال التالية.
وهذا هو السبيل لنقل نقدنا العربي من “التعادل” النظري إلى “الفوز” المعرفي، لأن المعرفة حين تُكتب بأقلام متعددة تحت سقف نظري متشعب، تصبح هي التطبيق الأصدق لفكرة النص الجمعي التي توصل إليها الدكتور الكميم، كاشفًا الأنساق الثقافية والاجتماعية المضمرة وراء إنجاز نص روائي جمعي كما في رواية ” كهنوف”.
ولعل القارئ الحصيف سيجد في دراسته تلك ما يعزز طرحي في هذه المقالة، ويكتشف إلى أي مدى. هو يقف أمام أكاديمي متفرد، ومثقف متعدد ومستنير يمكن التعويل عليه “ولتعلمن نبأه بعد حين”
