ذكريات

ذكريات

اللوحة: الفنانة الأميركية كريستين كامبريا

أبغض الذكريات، لأنها تسلسل قدمي، تكبل يداي.. تزيد من ثقل جسدي، فيخطو إلى الأمام واهنا.. أبغض كفيها اللذين يحجبان الرؤية عن عيني، فأتعثر كلما خطوت خطوة إلى الأمام.

أبغض تلك الذكريات التي تحلت بالخلود واصابتني بالفناء.. أحنت ظهري ولوت كاحلي فصرت عرجاء، اتعكز على عزيمتي التي ينخر فيها السوس.

أبغض تلك الذكرى التي تكذب حين تنطق.. وتهذي بأنها كانت تلد من رحمها السعادة، وأنها تميزت بالأناقة والذوق الرفيع.. وأنا أتحسس قدمي الحافيتين التين تشققتا من شوك الأرض وحصاها..

أرفض تلك الصور التي تتداعى صورة تلو أخرى وقد طالتها أنامل التجميل، فكذبت حين صورت لي الأمس بأنه قصر أندلسي، يرتاده الشعر والغناء والثراء…

وقد عشته مجرد كوخ من بوص يقتحمه التراب والمطر، وأعين الفضوليين.. والساديين.

أرفض تلك الشلالات التي تتساقط فوق ذهني بقطرات الخيانة والأنانية والشذوذ. والقهر.

أرفض تلك الابتسامات التي تتوعدني بالتخلي والرحيل…

لكن من بين تلك الأطلال والركام تمتد يد تلك القديسة بمسحة حب وبسمة الحور.. فاردة ذراعيها بالأمان.. إنها أمي..

***

اعتدت السير بجوار الحائط، يغشاني ظل الأبنية، احتمي بصلابته وثباته.. أخشى إن انزلقت قدمي تجاه الطريق الحر، المفتوح. أن تدهسني قدم رجل؛ قامته مهيبة، أو تصفعني حرقة الشمس التي لا تخاف..

أخشى أن ألتقي بعربة الشرطة.. فقد سألني قائدها ذات نزهة.. عن بطاقة هويتي وعن علة خروجي..

بماذا أجيب؟

فأنا خرجت لأجل أن أمارس إنسانيتي بمحاذاة الجدران، وخطأ غير مقصود أزل قدمي عن الظل.. فمنذ أجيال ترجًلت عن الحياة وأنا أعي حدودي، وألمس قيودي المرصعة بثقافة اللامالية.. كنت أسير في ذات طابور النمل، أحصي بلاطات الرصيف وتلك الفجوات التي أخطأها بناؤو المحليات… هذا إن تحسست قدماي الرصيف الذي اغتصبته الدكاكين.. وستاندات الباعة..

إلى أن أمسكت بي نملة ورفعتني بين فكيها… كخزينها السنوي… عندها أدركت أن لي قيمة.. أخيرا…

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد