نصلُ الغربة.. جدلية الرغيف وشتات الروح

نصلُ الغربة.. جدلية الرغيف وشتات الروح

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

في البدء، تكون الغربة “فكرة”؛ مشروعاً طموحاً يُراد به تعبيد الطريق نحو مستقبل يترفه بالاستقرار. لكن ما إن تطأ قدما المغترب أرض المجهول، حتى تتحول الفكرة إلى “قدَرٍ” وجودي، يلتهم التفاصيل اليومية، ويُعيد صياغة تعريف “الوطن” من جغرافيا الأرض إلى خريطة الحنين.

  • سيميولوجيا الرحيل: بين طموح البقاء ونداء الأرض

يخرج المرء باحثاً عن “لقمة العيش”، وهي عبارة مجازية تختزل طموحاتٍ أوسع: كرامة، تمكيناً، وبناءً لما تداعى من أحلام. لكن هذه اللقمة، التي يغمسها المغترب في مرارة الغربة، غالباً ما تكون باهظة الثمن؛ إذ يدفع ثمنها من عمره الذي يمضي في أروقة العمل الرتيب، ومن لحظاتٍ عائليةٍ لا تُعوض، ومن “أنا” تذوب في بوتقة مجتمعاتٍ لا تقرأ ملامحه ولا تفهم صمته.

  • جغرافيا الحنين: حين تصبح الغربة وطناً للمنفى

المغترب يعيش “زمناً موازياً”. يضبط ساعته على توقيت الوطن، ويضبط قلبه على إيقاع الذكريات. يغدو الغريبُ غريباً في الموطن الذي يحتضنه لأنه لا يملك “جذوراً” فيه، وغريباً في وطنه الأم لأنه لم يعد يشبهه؛ فقد غيّرته التجارب، ونحتت فيه المسافاتُ ملامحَ جديدة لا يدركها مَن بقي في “البيت”. هذا الشتات النفسي هو الجرح الغائر الذي لا يلتئم، فهو لا ينتمي للأرض التي يعطيها جهده، ولا يملك الجرأة للعودة للأرض التي يعطيها قلبه.

  • مـرايـا الغيـاب 

إنَّ المغتربَ كمن يمشي في ممرٍ من مرايا، لا يرى فيه سوى انعكاسٍ لنسخةٍ قديمةٍ من ذاته، بينما الحقيقة تتسربُ من بين أصابعه كرمادِ سِنينٍ لا تعود. هو لا يغتربُ عن أوطانه فحسب، بل يغتربُ عن “مألوفِ حياته”، ليجد نفسه سجيناً لانتظارٍ أبدي؛ انتظارِ رسالةٍ، انتظارِ عطلةٍ، انتظارِ حلمٍ بالعودة، حتى تأتي اللحظة التي يدرك فيها أن “البيت” الذي كان يخطط للعودة إليه قد أصبح، بمرور الزمن، مجرد أطلالٍ تسكنُ ذاكرته، لا بيتاً يأويه.

  • ثمن اللقمة: تراجيديا الأيام المستهلكة

لا تكمن المأساة في “الجوع” الذي يدفعه للرحيل، بل في “الشبع” الذي يفتقده عند الوصول. لقمة العيش هناك مغموسة بملح الترقب، فهي لقمةٌ مقدسةٌ لأنها تشترى بكرامة العمل، لكنها لقمةٌ باردةٌ لأنها تؤكل بعيداً عن مائدةِ الأهل. يغدو النجاح المادي – وهو الغاية القصوى – مجرد رقم في حساب بنكي، بينما الحقيقة المرة هي أن رصيد الأيام يتناقص، وأن العمر الذي يُنفق في الغربة لا يُسترد بعملة العالم أجمع.

  • فلسفة الوداع الأخير: هل يكتمل العائدون؟

السؤال الذي يؤرق المغترب في هدوء الليل ليس: “متى سأجمع ما يكفي؟”، بل: “هل سأعود أنا، أم سأعود “نسخة” منّي؟”. الغربة لا تمنحك الثراء دون أن تسرق منك شيئاً؛ فهي تسرق منك البراءة الأولى، والدهشة، والقدرة على الرضا بالقليل. العائد من الغربة – إن عاد – يكتشف أن الوطن الذي في ذاكرته قد تغير، وأن الغريب الذي في المرآة لم يعد يعرف كيف يتصالح مع الشوارع القديمة.

إن رحلة المغترب هي رحلة البحث عن “الطمأنينة” عبر “المال”، وفي الطريق يُكتشف أن الطمأنينة لا تُشترى، وأنها كانت معلقةً دائماً في سقف البيت القديم، أو في ضحكةٍ عفويةٍ في أزقةٍ ضيقة، فغادرها ليبحث عنها في ناطحات السحاب، ليجد نفسه في النهاية غريباً، وحيداً، وممتلئاً بالنجاح الخاوي؛ ففي المحصلة، إن رحلة الاغتراب ليست انتقالاً في المكان، بل هي انشطارٌ في الكينونة.

إنَّ المغتربَ كمن يمشي في ممرٍ من مرايا، لا يرى فيه سوى انعكاسٍ لنسخةٍ قديمةٍ من ذاته، بينما الحقيقة تتسربُ من بين أصابعه كرمادِ سِنينٍ لا تعود. هو لا يغتربُ عن أوطانه فحسب، بل يغتربُ عن “مألوفِ حياته”، ليجد نفسه سجيناً لانتظارٍ أبدي؛ انتظارِ رسالةٍ، انتظارِ عطلةٍ، انتظارِ حلمٍ بالعودة، حتى تأتي اللحظة التي يدرك فيها أن “البيت” الذي كان يخطط للعودة إليه قد أصبح، بمرور الزمن، مجرد أطلالٍ تسكنُ ذاكرته، لا بيتاً يأويه.

اترك رد