- من الشاعرة إلى الروائية.. امتداد السؤال لا تغييره
بـ «سيامي» الصادرة عن مؤسسة غايا للإبداع، تنتقل الكاتبة والشاعرة حنان عبد القادر من تكثيف القصيدة إلى تمدد السرد. وهي المرة العاشرة التي تصدر فيها الكاتبة، بعد خمسة دواوين شعرية، ومجموعة قصصية، وثلاثة كتب في أدب الطفل.
الرواية في 153 صفحة، عشرة فصول، بنية مضغوطة ترفض الاستطراد. وكأن الشاعرة داخل الروائية تقول: لا مجال للثرثرة، هناك جرح يجب تشريحه، والتخفف من ألمه.
- العنوان كعتبة تأويلية.. فكرة الالتصاق
«سيامي» ليست توائم أجساد. هي توائم مصائر.
تقول الكاتبة: “تشابه نفسي وسلوكي يربط الشخصيات لأنها تعيش في مجتمع له نفس المعطيات الثقافية، أشبه بالتوائم التي فرقتها ظروف الحياة”.
العنوان إذن إعلان عن أطروحة: نحن مختلفون في الوجوه، متشابهون في الجرح.. الفرقة الجغرافية والاختيار لا تمحو “التصاق” الجذر الثقافي والاجتماعي.
- المرأة بين ثلاثة أنواع من “الامتلاك الذكوري”
تختار حنان بطلة ممثلة مسرحية، لأن المسرح استعارة مثالية: الحياة كلها أدوار، والرجال حولها مجرد شخصيات.
ترسم الكاتبة أربعة نماذج لعلاقة الرجل بالمرأة، لا كأفراد بل كـ”أنظمة تفكير”:
1. الاستغلال المموّه بالحرية: الفنان التشكيلي البوهيمي عصام. لا يصادر الجسد بالقوة بل يحاصره باسم الفن والتحرر. هو استعباد يرتدي قناع الحداثة.
2. الامتلاك النرجسي: عزيز الكاتب. يريد ضمها إلى “محظياته”. تاريخه مع النساء الثلاث قبلها يكشفه: من أطاعته ملّها، ومن قاومته ظل يلاحقها. المقاومة هنا هي ما يشعل رغبته، لا المرأة نفسها.
3. الزواج كعقاب: المخرج ياسين. أحبها لأنها أفلتت. وعرض الزواج كان محاولة أخيرة لاحتوائها. لكن غرام ترفضه؛ لأنها قرأت “تفكيره” قبل أن تسمع “عرضه”.
4- الرجل المنقذ المتفهم: “بلال” الصديق المشترك، ذو الارتباط الروحي الوثيق بـ “طاهر” يبدي تفهمه، ويحاول الظهور في حياتها كمخلص ومنقذ، تلمس الأمان في حواراته معها، ولكنه سرعان ما يتغير وتنكشف حقيقته لها في مغامرته مع فتاة لعوب، تستنزف ثروته باتفاق مسبق مع عشيق لها.
مقابل هذه النماذج، تضع الكاتبة نماذج مضادة تمنع النص من الوقوع في التعميم: الخال الضحية، طاهر الأب البديل، وكريم صاحب “عبق الرومانسية”، الطيار الذي حريته في الطيران من بلدٍ إلى آخر.
الرواية إذن ليست موقفًا صارمًا ضد الرجل، بل هي موقف مناهض وواضح ضد “ثقافة الامتلاك”.
- تفكيك ثنائية الضحية/الجلاد
جرأة «سيامي» أنها لا تبرئ النساء بالمطلق.
الأم الأنانية، وسوزان التي اختارت الانتحار بعد جولات جريئة من المغامرات وليالٍ حمراء.
بهذا تصل حنان إلى خلاصتها: “التجارب البشرية واحدة. ومتشابهون في نقاط ضعفنا وقوتنا”.
هنا يتضح معنى “سيامي” الثاني: الرجل والمرأة، الجلاد والضحية، القوي والضعيف… ملتصقون بنفس المعضلة الإنسانية. الفارق ليس في النوع، بل في الموقف الأخلاقي.
- خصائص السرد.. لغة بين الشعر والدراما
1. لغة مكثفة: بقايا الشاعرة حاضرة في الصور والجمل القصيرة المتوترة.
2. بنية مسرحية: الفصول العشرة كـ 10 مشاهد. وهذا طبيعي فالبطلة ممثلة. العالم خشبة والعلاقات أدوار.
3. الخطاب الواثق: الرواية لا تترك القارئ تائهاً. تصرح بأطروحتها بوضوح عبر لسان الكاتبة، وهذا يمنحها طابع “رواية القضية”.
- ما أود قوله هنا:
إن رواية «سيامي» هي رواية المغادرة، فهي لا تقدم حلولاً جاهزة. لكنها تقدم فعلاً واحداً واضحاً: المغادرة. مغادرة عزيز، ومغادرة ياسين، ومغادرة بلال، ومغادرة كل من يريد تحويلكِ إلى ملكية.
المغادرة عند حنان ليست هزيمة، بل هي أول فعل تحرر من “التصاق السيامي” بالآخر وبثقافة تربينا عليها.
كما هي رواية تذهب بعيدًا في كشف معاناة المرأة، والمآسي التي تلحق بها، بسبب عادات المجتمع ومعتقداته التي تلحق الضرر بالمرآة، وتبقيها عاجزة عن مواصلة الحياة كـ “ختان/ سلوى”.
بذلك تنجح «سيامي» في أن تكون رواية اجتماعية لا تسقط في المباشرة، ورواية نسوية لا تسقط في الشعارات الفضفاضة.
