من يتابع كتابات المؤرخين الفنيين عن السينما الغنائية العربية، يجد أن عام 1965 كان شاهداً على واحدة من أغرب وأجرأ المغامرات في تاريخ السينما العربية. إنه العام الذي شهد ولادة فيلم «بياع الخواتم»، العمل الذي نقل أسطورة الغناء، السيدة فيروز، من خشبة المسرح إلى سحر الكاميرا، والتقى فيه فكران عنيدان لا يرضى أي منهما بغير القيادة المطلقة، فقد انتقل الطموح الرحباني من خشبة المسرح في “بيت الدين” إلى الحلم بالشاشة الفضية، حيث أراد عاصي ومنصور نقل مسرحيتهم الناجحة “بياع الخواتم” إلى السينما، وفجروا مفاجأة مدوية بالاستعانة بالمخرج المصري الشاب المشاكس يوسف شاهين.
كان الاختيار غريباً؛ شاهين مخرج واقعي يميل للدراما والعمق النفسي والسينما المثيرة للجدل، بينما عالم الرحابنة هو عالم القرية اللبنانية الفاضلة، والرموز الرومانسية الشاعرية.
- لماذا يوسف شاهين؟
بدأت الحكاية عام 1964 عندما حققت مسرحية «بياع الخواتم» للأخوين رحباني نجاحا ساحقا في مهرجانات بيت الدين. أراد الرحابنة تخليد هذا النجاح ونقله إلى شاشة السينما لضمان وصوله إلى الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج، لكن المفاجأة التي أذهلت الوسط الفني في بيروت آنذاك – كما يروي جورج إبراهيم الخوري في مذكراته – هي إسناد المهمة إلى يوسف شاهين. كان شاهين معروفا بواقعيته الخشنة، وسينماه التي تصدم المجتمع كما في باب الحديد، وصراع في الوادي، والأرض، وغيرها، بينما كان عالم الرحابنة يسبح في فضاء الرومانسية والرموز الحالمة.
لكن عاصي ومنصور كانا يملكان بُعد نظر فطري؛ إذ أرادا عينا سينمائية عالمية تُخرج فيروز من النطاق المسرحي الثابت، ولم يريا أفضل من جنون شاهين لتحقيق هذه القفزة البصرية.
- صراع الديكتاتور والجنرال
البحث الدقيق في كواليس هذا العمل يكشف لنا أن الفيلم لم يكن مجرد استعراض غنائي ناجح، بل كان ساحة شد وجذب بين هويتين فنيتين متناقضين، وثّق تفاصيلها بدقة لافتة الصحفي اللبناني جورج إبراهيم الخوري، رئيس تحرير مجلة «الشبكة» الذي عاش الكواليس لحظة بلحظة، ويأخذنا في مذكراته إلى كواليس البلاتوه ليرصد لنا حرب أعصاب طريفة بين قمتين لا تقبل أي منهما الخضوع.
لم يكن يوسف شاهين مخرجا يقبل بأن يُملي عليه أحد شروطه، وفي المقابل، كان عاصي الرحباني يفرض ما يشبه الحماية الصارمة على السيدة فيروز وحركتها وملابسها. من هنا، ولدت حرب أعصاب طريفة تتوارى خلف الكاميرات.
رفض شاهين تماما أن يضع الكاميرا أمام الممثلين ليصور مسرحية ثابتة، فقام ببناء قرية كاملة في الاستوديو، وحرّر حركة الراقصين (الدبكة)، وأعاد صياغة العمل بكاميرا سينمائية حرة وزوايا مبتكرة، واستخدم تقنيات مونتاج سريعة تتواكب مع التوزيع الموسيقي.
أما عاصي الرحباني، فكان يقف خلف شاهين كظله، يراقب زوايا الإضاءة التي تسقط على وجه فيروز. وحين كان شاهين يطلب حركة معينة أو انفعالا معينا، كان عاصي يتدخل أحيانا بدبلوماسية حاسمة لمنع الحركة بحجة أنها “تخدش وقار شخصية (ريما) المسرحية“.
ويذكر الخوري أن الأجواء كانت تشحن أحيانا بصراع الصلاحيات الفنية، وكانت التدخلات الودية من الأصدقاء المقربين هي التي تقرّب وجهات النظر لإنقاذ الموقف.
- انبهار شاهين بصمت “جارة القمر“
رغم عصبيته المعهودة وصراخه في بلاتوهات التصوير، إلا أن يوسف شاهين وقف مذهولاً أمام شخصية السيدة فيروز. وفي حوار صحفي قال شاهين:
“كنت أتوقع أن ألتقي بنجمة مغرورة تفرض شروطها وتتعبني، لكني وجدت فنانة مطيعة للكاميرا، ملتزمة، تجلس في زاويتها بصمت مهيب طوال الوقت. وحين أقول: “أكشن”.. تتحول فوراً إلى كتلة من الإحساس العبقري.. إن عيني فيروز ثروة سينمائية لم تستغلها السينما كما يجب قبل هذا الفيلم“.
وفي النهاية، نجحت المغامرة وحقق فيلم «بياع الخواتم» معادلة سينمائية مستحيلة؛ إذ تخلى الرحابنة قليلا عن جمود المسرح لصالح حيوية كاميرا شاهين، وتخلى شاهين عن واقعيته القاسية ليدخل بستان الرومانسية الفيروزية، ويذوب في رقة الفولكلور اللبناني، ليتركا لنا عملا سينمائيا ناطقا بالجمال والنغم.
- القيمة التاريخية والموسيقية للفيلم
خرج الفيلم إلى النور عام 1965 من إنتاج «شركة الفيلم العربي» بميزانية ضخمة، ليصبح تحفة بصرية (سينوغرافية) وثّقت روائع فنية خلدت في التاريخ مثل: يا مرسال المراسايل، أمي نامت ع بكير، تعا ولا تجي، يا بياع الخواتم، وأهواك بلا أمل.
وكان الفيلم بمثابة تمهيد لتجارب فيروز السينمائية اللاحقة مع المخرج هنري بركات في «سفر برلك وبنت الحارس»، كما اعترف شاهين لاحقا بأن هذه التجربة صقلت أدواته في التعامل مع الاستعراض والموسيقى، وهو ما ظهر أثره بعد عقود في أفلامه اللاحقة مثل المهاجر وسكوت حنصور.
- وكتب الخوري عنه قائلا:
“لقد استطاع يوسف شاهين أن يمنح الحلم الرحباني أجنحة سينمائية حقيقية. لم يعد المشاهد ينظر إلى مسرحية مصورة، بل بات يعيش داخل الضيعة اللبنانية بفضل حركة كاميرا شاهين الذكية، وتوزيع الرحابنة العبقري”.
ويظل فيلم «بياع الخواتم» في الأرشيف الفني نموذجا ملهما للقاء إبداعي ناجح؛ ليس فقط كحدث سينمائي، بل كمغامرة فنية كبرى، التقت فيها مدرستان فنيتان عظيمتان حققتا المعادلة المستحيلة، وأنتجتا عملا يمثل فتحاً جديداً في السينما الغنائية العربية.

روعة
احسنت النشر
روعة احسنت السرد