التراجيديا الكلاسيكية تقوم على قاعدة واحدة: بطل عظيم يسقط بسبب “خطأ مأساوي” Hamartia. عنده كرامة، عنده قضية، وعند سقوطه نبكي.
لكن ماذا لو سقط مجتمع بأكمله؟ وماذا لو لم يبقَ أحد عظيم ليسقط؟ هنا يبدأ عصر “ما بعد التراجيديا”، وهذا هو بالضبط المكان الذي يكتب منه ريان الشيباني في مزاج الجائع 2020.
1. موت البطل: من أوديب إلى “أبو ميان”
في التراجيديا، البطل يصارع القدر. في مزاج الجائع البطل يصارع اسمه في الجريدة.
“أدخلت تعدياً على القصة لأقايض وجودي الهش باسمي العبيط”
هذا هو انهيار البطل المأساوي. لا يوجد قدر، لا يوجد إله، لا يوجد حتى عدو. يوجد فقط “شركة هائل سعيد” سجلت اسمه كإعلان. فالبطل لم يعد يملك مأساته، بل هو “نكتة في ملحق اقتصادي”.
هنا تنتهي الشفقة. لأنك لا تستطيع أن تبكي على من سقط وهو أصلاً “لا شيء”.
2. موت الفعل المأساوي: من الفعل إلى رد الفعل القرف.
البطل التراجيدي يفعل فعلاً كبيراً: يقتل، يثور، ينتحر. بطل الشيباني أقصى فعله هو: “أخرجت من كيس بلاستيكي جوربين… راهنت أنها ستتقيأ”.
هذا ليس فعلاً. هذا “رد فعل بيولوجي”. الحرب كلها اختزلت إلى حرب روائح في طائرة. القنبلة الفراغية التي “تهاوت المباني” لأجلها لا تساوي عند البطل ثمن أنبوب لون قرمزي.
الشيباني يقول: في زمن الخراب الشامل، لم يعد الفعل ممكناً. فكل ما تبقى هو “مزاج”. مزاج الجسد، مزاج الاشمئزاز، مزاج الانتظار.
3. موت التطهير Catharsis: لا بكاء، فقط ضحكة.
هدف التراجيديا هو التطهير: تتطهر بالبكاء مع البطل. لكن الشيباني يمنعك من هذا التطهير. يختم كل شيء بـ: “يا لها من حياة جميلة!”.
هذه ليست سخرية سوداء فقط. هذه “إلغاء للتطهير”. الكاتب يرفض أن يمنحك راحة البكاء. يجبرك أن تضحك مع البطل المهزوم. وحين تضحك، تكتشف أنك لم تتطهر، بل تلطخت. لأنك صرت جزء من المزاج.
4. زمن ما بعد التراجيديا: الحرب كديكور.
في التراجيديا، الحرب هي الحدث المركزي. عند الشيباني الحرب خلفية: “في أبريل 2015 كانت الحرب في بدايتها…”
نقطة. وانتهى الموضوع.
لأن المأساة الحقيقية ليست القصف. المأساة الحقيقية هي ما بعد القصف: الفراغ، العطالة، العجز عن تسمية الذات. الحرب صارت “عادية” إلى درجة أنها لا تستحق مشهداً درامياً. وهذا هو تعريف “ما بعد التراجيديا”: حين تصبح الكارثة روتين.
- ما أود قوله هنا:
إن مزاج الجائع ليس كتاب حزن. هو كتاب “ما بعد الحزن”. هو توثيق للحظة التي يموت فيها البطل المأساوي، ويولد مكانه “المهرج المهزوم” الذي يعلق جواربه المتعفنة ويقول: “يا لها من حياة جميلة!”.
الشيباني لا يقدم لنا مأساة نتطهر بها. يقدم لنا مرآة نرى فيها أنفسنا بلا بطولة، بلا قضية، بلا اسم. ولهذا هو كتاب مزعج. لأنه لا يسألك: “هل تبكي علي؟” بل يسألك: “هل أنت أيضاً بلا اسم؟”.
1. ريان الشيباني، مزاج الجائع، منشورات مواعيد، صنعاء، 2020، ص 20، ص 123.
2. مصطلح “ما بعد التراجيديا” Post-Tragic يستخدمه النقاد لوصف أدب ما بعد الحروب الكبرى، حيث يستحيل إنتاج بطل مأساوي كلاسيكي.
