اللوحة: من أعمال الشاعر والفنان ويليام بليك
ترجمة: سجاد باسم
لِتُدْرِكَ الكَوْنَ فِي ذَرَّةٍ،
وَجَنَّةً تَزْهُو فِي زَهْرَةٍ،
اِقْبِضْ عَلَى الخُلُودِ بِرَاحَتِكَ،
وَعَلَى الأَبَدِيَّةِ فِي لَحْظَةٍ.
أَبُو الحِنَّاءِ فِي قَفَصٍ،
يُغْضِبُ السَّمَاءَ بِأَسْرِهَا.
البُرْجُ مَلِيءٌ بِالحَمَامِ وَاليَمَامِ،
يَهُزُّ كُلَّ أَرْكَانِ الجَحِيمِ.
كَلْبٌ يَتَضَوَّرُ عِنْدَ بَابِ سَيِّدِهِ،
يَتَنَبَّأُ لِلدَّوْلَةِ بِسُقُوطِهَا.
حِصَانٌ يُهَانُ عَلَى الطَّرِيقِ،
يَدْعُو السَّمَاءَ لِدَمِ البَشَرِ.
كُلُّ صَرْخَةٍ مِنَ الأَرْنَبِ المُطَارَدِ،
تُمَزِّقُ خَلَايَا أَدْمِغَةِ البَشَرِ.
قُبَّرَةٌ جُرِحَتْ فِي الجَنَاحِ،
تُوقِفُ المَلَاكَ عَنِ الغِنَاءِ.
دِيكٌ قُصَّ رِيشُهُ، وَدُجِّجَ لِلنِّزَالِ،
يُفْزِعُ الشَّمْسَ المُشْرِقَةَ.
كُلُّ عُوَاءِ ذِئْبٍ وَزَئِيرِ أَسَدٍ،
يَرْفَعُ رُوحاً مِنَ الجَحِيمِ.
مَنْ يَحْتَرِمُ إِيمَانَ الرَّضِيعِ،
يَنْتَصِرُ عَلَى المَوْتِ وَالجَحِيمِ.
لُعَبُ الصِّغَارِ وَحِكْمَةُ الكِبَارِ،
هُمَا ثَمَرَةُ الفَتْرَتَيْنِ.
السَّائِلُ الَّذِي يَسْأَلُ مَكْراً،
لَنْ يَعْرِفَ لِلْجَوَابِ رَشَداً.
فَمَنْ أَجَابَ عَلَى كَلِمَاتِ الشَّكِّ،
يَجْعَلُ نُورَ المَعْرِفَةِ خَامِداً.
أَفْتَكُ سُمٍّ قَدْ عُرِفَ،
جَاءَ مِنْ إِكْلِيلِ قَيْصَرَ.
لَا شَيْءَ يُشَوِّهُ البَشَرَ،
بِقَدْرِ دَعَامَاتِ الدُّرُوعِ.
إِذَا زُيِّنَ المِحْرَاثُ بِالجَوَاهِرِ وَالذَّهَبِ،
سَيَرْكَعُ لِفُنُونِ السَّلَامِ الحَسَدُ.
لُغْزٌ أَوْ صَرِيرُ جُنْدُبٍ،
هُوَ لِلشَّكِّ أَنْسَبُ رَدٍّ.
بُوصَةُ النَّمْلَةِ وَمِيلُ النَّسْرِ،
يَجْعَلَانِ الفَلْسَفَةَ العَرْجَاءَ تَبْتَسِمُ.
فَمَنْ يَشُكُّ بِمَا يُبْصِرُ،
لَنْ يُدرِكَ أَبَداً، مَهْمَا فَعَلْتَ.
لَوْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ يَشُكَّانِ،
لَكِلَاهُمَا عَلَى الفَوْرِ يَخْمَدَانِ.
قَدْ يَنْفَعُكَ أَنْ تَكُونَ شَغُوفاً،
وَلَا يَنْفَعُكَ إِنْ كُنْتَ لِلشَّغَفِ مَمْلُوكاً.
المُقَامِرُ وَالمُومِسُ مُرَخَّصَانِ،
وَبِمَصِيرِ الأُمَّةِ يَعْبَثَانِ.
صُرَاخُ العَاهِرَةِ فِي الشَّوَارِعِ،
يَنْسِجُ أَكْفَانَ إِنْجِلْتِرَا العَجُوزِ.
اِبْتِهَاجُ الرَّابِحِ وَلَعْنَةُ الخَاسِرِ،
تَتَرَاقَصُ أَمَامَ نَعْشِ إِنْجِلْتِرَا.
كُلَّ غَدَاةٍ وَكُلَّ مَسَاءٍ،
يُولَدُ البَعْضُ لِلشَّقَاءِ.
كُلَّ غَدَاةٍ وَكُلَّ مَسَاءٍ،
يُولَدُ البَعْضُ لِلْهَنَاءِ.
يُولَدُ البَعْضُ لِلسُّرُورِ،
وَبَعْضٌ لِلَيْلٍ بِلَا انْتِهَاءٍ.
نُضَلَّلُ لِتَصْدِيقِ كِذْبَةٍ،
عِنْدَمَا لَا نُبْصِرُ مِنْ خِلَالِ العَيْنِ،
تِلْكَ الَّتِي وُلِدَتْ بِلَيْلٍ، لِتَهْلَكَ لَيْلاً،
عِنْدَمَا تَغْفُو الرُّوحُ بِأَشِعَّةِ النُّورِ.
يَتَجَلَّى الإِلَهُ، وَالإِلَهُ هُوَ نُورٌ،
لِلْأَرْوَاحِ المِسْكِينَةِ سَاكِنَاتِ اللَّيْلِ،
لَكِنَّهُ يَنْجَلِي بَشَراً،
لِمَنْ سَكَنُوا مَمَالِك النهارِ.
ويليام بليك (1757 – 1827) شاعر، ورسام إنجليزي، ومفكر بصري. لم يكن مشهورًا على نطاق واسع في حياته بقدر ما أصبح بعد وفاته، إذ عُدّ لاحقًا من أكثر الشخصيات إلهامًا في الأدب والفن الرومانسيين.
تميّز بليك بأنه جمع بين الكلمة والصورة في أعماله، مثل «أغاني البراءة والخبرة»، فحوّل القصيدة إلى تجربة بصرية وروحية متكاملة. وقد أثّر في الشعر الإنكليزي عبر توسيع حدود اللغة الشعرية، وإدخال الرمز والرؤيا والبعد الميتافيزيقي، بوصفها عناصر مركزية في الكتابة. كما كان له أثر واضح في الشعر الأوروبي الحديث، إذ ألهم شعراء وكتابًا في التيارات الرمزية والسريالية والحداثية، لما في أعماله من تمرّد على القوالب التقليدية ورؤية كونية تمزج بين البراءة والخبرة، والنور والظلمة، والروح والجسد.


جميل جدا