اللوحة: الفنانة الإسبانية ألينا ديميانتشوك
كانت ليلى تشبه الصباح في أصفى صوره: ملامح هادئة، عينان دافئتان، وابتسامة عفوية قادرة على فتح أكثر القلوب انغلاقًا. كل يوم، ومع دقات السادسة، كانت تفتح ضفتي نافذة غرفتها المطلة على حديقة البيت الصغيرة، لتسمح لنسمات الفجر بمداعبة ستائرها البيضاء.
لكن في يوم ربيعي من تلك السنة، لم تكن النسمات وحدها هي التي دخلت. فعلى حافة النافذة الخشبية حطّ عصفور صغير، بريش ملون يتدرج بين زرقة السماء وذهَب الشمس. توقف العصفور، وهز ريشه، ثم نظر مباشرة في عيني ليلى وأطلق زقزقة عذبة، بدت وكأنها تحية صباحية خاصة بها وحدها. ابتسمت ليلى، وشعرت بفرحة مفاجئة تغمر روحها.
لم تكن تلك زيارة عابرة. ففي اليوم التالي، وفي الوقت نفسه تمامًا، كان العصفور هناك مجددًا. ومع مرور الأيام، تحول ذلك اللقاء إلى طقس يومي مقدس. كان العصفور يأتي محملًا بأعذب الألحان، يرقص على حافة النافذة، ويميل برأسه يمينًا ويسارًا وهو يتأمل وجه ليلى.
فهمت ليلى اللعبة: لم يكن هذا الزائر الصغير يبحث عن فتات الخبز، بل كان يبحث عن “جمالها”. كان يطير فرحًا كلما اقتربتْ، وتصبح زقزقته أكثر عذوبة عندما تخاطبه بصوتها المخملي: “أهلاً بك يا صغيري.. هل جئت لتغني لي اليوم أيضًا؟”. وكان العصفور يغلق عينيه الصغيرتين في نشوة، وكأنه يذوب حبًا فيها.
توطدت العلاقة بين ربة المنزل والطائر. أصبحت ليلى تسرح شعرها بعناية قبل فتح النافذة، وترش عطرًا خفيفًا برائحة الياسمين. وكانت تضحك من قلبها عندما يقلد العصفور حركاتها: إذا مالت برأسها، فعل الشيء نفسه؛ وإذا حركت يدها، رفرف بجناحيه.
بل إن العصفور أصبح يغار من الستائر إذا حجبَت عنه رؤية ليلى، فينقر برفق على الزجاج حتى تلتفت إليه. بالنسبة لليلى، أصبح هذا الطائر الصغير مرآة لروحها، يذكرها كل صباح بأنها جميلة، نقية، وتستحق أن تُحَب.
على الجانب الآخر من السرير، كان ينام خالد، زوج ليلى. رجل عملي، يحب زوجته بجنون، لكنه يعبر عن هذا الحب بانشغاله الدائم بالعمل ليضمن لها حياة رغدة. في البداية، كان خالد يعتبر تلك الزقزقة مجرد إزعاج صباحي يقطع نومه الثمين قبل الذهاب إلى الشركة.
لكنه سرعان ما بدأ يلاحظ أشياء غريبة. فزوجته لا تبتسم له في الصباح بقدر ما تبتسم لتلك النافذة! ولاحظ أنها تقف لربع ساعة كاملة لتداعب كائنًا لا يتعدى حجمه كف اليد، وتوجه إليه كلمات عذبة كانت من حقه هو.
ذات صباح، استيقظ خالد قبل موعده المعتاد، وراقب ليلى عند النافذة. كان العصفور يغني بنبرة بدت لخالد غريبة.. نبرة تحمل “تحديًا ومغازلة!” صريحة. ورأى العصفور يقدم لليلى ورقة شجر خضراء صغيرة بمنقاره، فأخذتها ليلى برقة متناهية وضمتها إلى قلبها.
انقلب خالد في فراشه وهو يشعر بضيق في صدره، وقال بصوت حازم وممتعض:
- “ليلى! ألم تنتهي بعد من مغازلة هذا المحتال الطائر؟ الغرفة باردة، أغلقي النافذة!”.
التفتت ليلى وهي تبتسم: “انظر إليه يا خالد، إنه يغار عليّ حتى من الهواء، انظر كيف يرقص!”.
كزّ خالد على أسنانه وهمس لنفسه: “سأجعله يرقص من الألم إن لم يرحل”.
تحولت غيرة خالد من دعابة إلى مسألة كرامة شخصية. شعر أن هذا العصفور يتحداه تحت سقفه، ويستعرض “رومانسية” يعجز هو عن تقديمها في الصباح الباكر بسبب إرهاق العمل.
قرر خالد النزول إلى الميدان. في اليوم التالي، وقف خلف ليلى عند النافذة، محاولًا إحاطة كتفيها بذراعه ليثبت ملكيته للمكان. وما إن رآه العصفور، حتى تحولت زقزقته العذبة إلى صرخات حادة وغاضبة. وبدأ يرفرف بجناحيه بعنف، وكأنه يشتم خالد بلغة الطيور!
انفجرت ليلى ضاحكة: “إنه يغار منك يا خالد!”.
هتف خالد بغضب: “أنا الرجل هنا! وهذا الوقح يغازل زوجتي!”.
بدأ خالد في تنفيذ خطط “المقاومة الدبلوماسية والقسرية”.
في اليوم الأول، وضع مادة لاصقة على حافة النافذة لمنع العصفور من الحط عليها؛ لكن الطائر الذكي استقر على غصن شجرة قريب وبدأ يغني بنبرة ساخرة، بينما تلوثت يدا خالد وهو يحاول إغلاق النافذة.
في اليوم التالي، اشترى خالد فزاعة على شكل بومة صغيرة ووضعها قرب النافذة. سخر العصفور من الحيلة وحط فوق رأس البومة مباشرة، ليعاود الغناء لليلى من أعلى عرش عدوه الوهمي. كادت ليلى تموت من الضحك أمام وجه زوجها المحبط.
بلغت الغيرة ذروتها عندما عاد خالد إلى المنزل ذات مساء ومعه “قفص حديدي مذهب”.
وقال لليلى بنبرة قاطعة: “إما أن نحبسه هنا ليكون لكِ وحدكِ دون هذا الاستعراض الصباحي، أو سأشتري بندقية صيد صغيرة”.
نظرت إليه ليلى بعينين ملأتهما الغضب والخيبة: “تحبسه في قفص؟ العصفور يحبني لأنه حر، وإذا سجنته سيموت حزنًا. هل أنت مستعد لسجن كائن لمجرد أنه يرى زوجتك جميلة؟ أنت زوجي وحبيبي، وهذا العصفور يملأ البيت بهجة.. أين ثقتك بنفسك؟”.
جرحت هذه الكلمات كبرياء خالد، لكنها أيقظت أيضًا مشاعره. أدرك كم كان طفوليًا، وكيف أن غريزة التملك قد أعمت بصيرته.
في تلك الليلة، فكر خالد طويلاً. نظر إلى زوجته النائمة وتذكر كيف أن غناء هذا العصفور كان يحسّن مزاجها، ويجعلها أكثر إشراقًا، وهو ما ينعكس على دفء بيتهما. قرر تغيير استراتيجيته: إذا كان لا يستطيع هزيمة العصفور، فعليه أن يتفوق عليه بأمور البشر.
في الصباح التالي، وقبل أن يستيقظ العصفور، نهض خالد. قطف وردة حمراء من الحديقة، وأزاح خصلة شعر خلف أذن ليلى وقبّلها برقة. وعندما فتحت عينيها، وجدته يبتسم وهو يقول: “صباح الخير لأجمل امرأة على الأرض”.
في تمام السادسة، وصل عصفور النافذة كعادته. كان مستعدًا لبدء لحنه ومغازلته اليومية، لكنه فوجئ هذه المرة؛ فلم تكن ليلى وحدها. كان خالد واقفًا إلى جانبها، يضمها إليه بذراع، بينما يحمل بيده الأخرى حفنة من حبوب الطيور الفاخرة.
نظر العصفور بريبة، ثم نظر إلى ليلى التي كانت تشع سعادة لوجود رجلها بجانبها. أطلق العصفور زقزقة قصيرة وهادئة، وكأنه يبارك هذا الصلح. اقترب خالد ومد يده بالحبوب؛ فحط العصفور على كف الرجل بحذر، التقط حبة واحدة، وطار إلى غصنه القريب، لينشد أعذب ألحانه.
منذ ذلك اليوم، لم يعد العصفور مجرد مغازل عابر، بل أصبح الشاهد اليومي على حب تجدد بفضل غيرة مجنونة.. غيرة أشعلها عصفور النافذة.
