حين رقصت الأندلس على إيقاع الموشحات

حين رقصت الأندلس على إيقاع الموشحات

اللوحة: الفنان الأمريكي دان نيلسون

لم نفز الليلة يا أصدقائي…  

نحن لم نفز بكرة.  

نحن استعدنا غرناطة.

استعدناها بقدمٍ مرّت على العشب كما مرّت خيولنا ذات يوم على نهر الوادي الكبير. 

استعدناها بتمريراتٍ كانت تشبه النافورات في قصور الحمراء، ماءٌ ينساب بهدوء… ثم يثور فجأة في وجه الخصم.

يا للفرح!  

إسبانيا اليوم لم تلعب ضد الأرجنتين.  

إسبانيا لعبت ضد النسيان.  

لعبوا وكأن في دمهم ما تبقى من عطر البرتقال في شوارع إشبيلية، وكأن في رئاتهم هواءً تسلل من نوافذ قرطبة.

تذكرت وأنا أراهم:  

تذكرت خضرة الأندلس التي لم تمت.  

تلك الخضرة التي طردوها من الأرض فهربت إلى أقدام اللاعبين.. صارت مراوغة.. صارت لمسة. 

صارت “تيكي تاكا” هي نفسها إيقاع الموشحات الأندلسية… بطيئة في البداية، ثم تتصاعد حتى تبكي المدرجات.

الأرجنتين كانت تلعب بالعضلات.  

ونحن لعبنا بالذاكرة.  

لعبنا بتاريخٍ لم نكتبه في الكتب، بل زرعناه في الملاعب.  

كل تمريرة كانت نخلة.  

كل هدف كان قصراً جديداً نبنيه فوق أنقاض السقوط.

يا غدير…  

لو رأيتِ كيف احتضن اللاعبون بعضهم بعد الصافرة، لقلتِ: هذا عناق ألف سنة من الغياب. 

هذا عناق من قالوا لنا “ارحلوا” فعدنا اليوم، لا بالسيوف، بل بالكرة.

فازت اسبانيا؟  

لا. 

فازت الأندلس التي لم تستسلم.  

فازت الخضرة التي طردوها من البساتين فعادت خضراء في القمصان.  

فازت اللغة التي همسوها في الملاعب: “هيا… كما كنا”.

والليلة، للمرة الأولى منذ قرون، نامت غرناطة وهي تبتسم.  

لأن أبناءها رقصوا أخيراً… على أرضٍ لم تعد لهم، ولكنهم جعلوها ملكهم من جديد.

– فليسمع العالم: 

نحن لا ننسى.  

نحن فقط… ننتظر المباراة المناسبة لنعود.

اترك رد