ترجمة العطر.. محاولة وصف ما لا يرى

ترجمة العطر.. محاولة وصف ما لا يرى

اللوحة: الفنانة الروسية ماريا ياكونتشيكوفا

في البدء، كانت الأنف هي الناقد الأكبر، والمنصة التي لا تغتر بـ “البروتوكولات”؛ فبينما تتظاهر العين بالانبهار ببدلة باهظة أو زينة متكلفة، يعلن الأنف ببرود عن حقيقة “صاحب العطر” الذي يحاول عبثا إخفاء رائحة قهوة الصباح الممزوجة بقلق المواصلات خلف سحابة من “خشب الصندل المزور”. إن محاولة ترجمة العطر إلى كلمات هي أشبه بمحاولة شرح “طعم النكتة” لشخص لا يملك حس الدعابة؛ أنت تتحدث عن “أثير”، وعن “نفحات شرقية غامضة”، بينما الطرف الآخر لا يرى سوى زجاجة فارغة ستنتهي في سلة المهملات قريبا.

نحن نقضي عمرنا في “هندسة الفراغ”، نصرف مبالغ طائلة لنشتري “سرا” معبأ في زجاجة كريستالية، زاعمين أننا نقتني “الشخصية” أو “الجاذبية”. يا للسخرية! إننا في الحقيقة ندفع لنرسم حولنا دائرة من “الخداع المحترم”. فالعطر هو القناع الوحيد الذي نقبله طوعا، بل وندفع ثمنه لنضعه على وجوهنا (أو معاصمنا) في كل صباح. نحن لا نتطيب لنكون “أجمل”، بل لنغطي حقيقة اننا كائنات تعرق، وتتعب، وتستهلك الأوكسجين بشكل روتيني وممل.

إن تلك الزجاجة التي تلمع على رفوف المتاجر الفارهة، تحمل أسماء تدعي انها “ترجمة” للحب، أو للشوق، أو لليلة مقمرة. ولكن، دعونا نكن صريحين: أغلب تلك الروائح ليست سوى محاولات يائسة لتقليد رائحة الطبيعة التي أفسدناها. نشتري عطر “الغابة المطرية” ونحن نجلس في غرف مكيفة لا يغادرها الغبار؛ ونشتري عطر “النسيم البحري” ونحن لم نر البحر الا في شاشات الهواتف المشروخة. إن قمة الفخامة في عالمنا المعاصر هي أن تستأجر رائحة لتقنع الناس بأنك لست ذلك الشخص المكدود الذي يغفو في زحمة السير.

والمضحك أكثر، هو ذلك الطقس الغريب للرش. نقف امام المرآة، نرش هنا وهناك، كأننا نقوم بطقوس “طرد الأرواح الشريرة” من ثيابنا. ثم نخرج الى الشارع كأننا “أبطال أسطوريون” لا يحملون في جيوبهم فواتير متأخرة أو قائمة مشتريات طويلة. يمر العطر بين الناس، يترك أثرا (أو ضجيجا كيميائيا في أحيان كثيرة)، فيظن الرشاش أنه ترك “بصمة خالدة”، بينما الحقيقة أن المارة لا يحاولون “فهم العطر”، بل يحاولون -بكل أدب- كتم عطستهم القادمة.

أما المبدعون في “وصف” العطر، هؤلاء الذين يكتبون النشرات المرفقة، فهم أبطال في “الكوميديا السوداء”. يصفون الرائحة بأنها “مزج بين عبق الياسمين المتسلق على أسوار قصر أندلسي، وقسوة الجلود المدبوغة في جبال الأطلس”. وأنت، بمجرد أن تشمها، تجد نفسك أمام رائحة “صنبور ماء قديم في مطبخ جدتك”. الفجوة بين “الترجمة الورقية” و”الواقع الأنفي” هي أوسع من أن تجسّر، ومع ذلك، نحن نشكرهم، لأننا بحاجة إلى هذا الكذب الملون لنشعر بأن حياتنا العادية لديها “طعم” (أو رائحة).

الترجمة الحقيقية للعطر ليست في المكونات، بل في “ذاكرة النسيان”. العطر هو تلك الحيلة التي نستخدمها لنخدع أنفسنا باننا ما زلنا نملك شيئا “غير مادي” في عالم لا يؤمن إلا بما يلمس ويحسب. أننا نترجم عطورنا لأننا نخشى أن نُكتشف على حقيقتنا؛ كائنات بسيطة، تبحث عن المتعة في بخاخ صغير، وتخاف من رائحة الزمان حين يتطاير من حولنا.

في نهاية المطاف، ربما يكون العطر هو النكتة الوحيدة التي نضحك عليها يوميا دون أن نعرف نهايتها. نحن لا نتطيب لنفوح بالجمال، بل لنخفي “رائحة الهزائم الصغيرة” التي نراكمها كل يوم. ومع ذلك، لا نكف عن الشراء، ولا نكف عن البحث عن تلك “الترجمة المثالية”، متجاهلين حقيقة أن أكثر الروائح صدقا هي تلك التي لا نملك المال لشراء زجاجتها، ولا الكلمات لوصف دهشتها.

فهل نستمر في تمثيل دور “العطارين الفلاسفة”؟ طبعا، فالحياة بدون قليل من الكذب العطري ستكون أكثر جفافا من صحراء بلا أفق، وأكثر مللا من عطر مقلد تلاشى قبل أن تبدأ الحفلة.

اترك رد