«فندق» للروائي اليمني سمير عبد الفتاح.. تيار اللاوعي وانعكاسات العالم الرأسمالي في فضاء مغلق

«فندق» للروائي اليمني سمير عبد الفتاح.. تيار اللاوعي وانعكاسات العالم الرأسمالي في فضاء مغلق

  • الفندق كمجاز مكاني للعالم.

في رواية «فندق» للروائي اليمني سمير عبد الفتاح، لا يكون الفندق مجرد مكان للإقامة العابرة، بل يتحول إلى كون مصغر، ومتاهة وجودية، ومرآة مشروخة للعالم الرأسمالي المعاصر.  

هنا، يلتقي الغرباء تحت سقف واحد، لكنهم أبعد ما يكونون عن بعضهم. كل نزيل يحمل حقيبته، وسره، وكابوسه. ومن هذه العزلة الجمعية ينطلق الكاتب ليكتب رواية لا تحكي قصة، بل تحكي “حالات” بشرية، مستعينًا بتقنيات “تيار اللاوعي” لكشف ما تحت السطح.

  • أولًا: تيار اللاوعي.. السرد كتدفق شعوري

يعتمد عبد الفتاح في “فندق” على تقنية Stream of Consciousness بصبغة عربية خاصة، تجعلنا نسكن داخل رؤوس الشخصيات لا نراقبها من الخارج.

1.  تفكيك الزمن الخطي والتداخل الشعوري

لا وجود لبداية ووسط ونهاية تقليدية. الزمن في “الفندق” دائري ومشروخ. الماضي يقتحم الحاضر عبر ومضة، والمستقبل يتسرب كقلق.  

نجد النزيل وهو ينتظر المصعد فجأة يتذكر: “صوت أمي… الفاتورة القديمة… الوعد الذي لم أوفِ به”.

هذا القفز الزمني يكشف أن الشخصيات مسكونة بذاكرتها، وأن الرأسمالية جعلت من الحاضر لحظة استهلاك فقط بلا جذور.

2.  المونولوج الداخلي واللغة المقطعة

 يمنحنا الكاتب حق الدخول إلى عقل الشخصيات عبر جمل قصيرة متقطعة، وتكرار مرضي، وأسئلة بلا إجابة.  

 “الليلة بكام؟ وبكرة؟ أمشي ولا أبقى؟ البقاء مكلف… والرحيل مستحيل”  

هذا التكرار ليس ضعفًا لغويًا، بل هو تجسيد لقلق الإنسان الاستهلاكي الذي يحسب كل شيء بالمال والوقت. اللغة هنا هي أنفاس الشخصية، لا وصف الكاتب لها.

3.  الرموز والأحلام كواقع موازٍ 

الفندق نفسه رمز. المصعد رمز للصعود والهبوط الطبقي: “يصعد بنا… ويهبط بنا. لا يسأل إلى أين نريد”.

الممرات الطويلة المتشابهة رمز للضياع في نظام متشابه: “الممر طويل. مثل عمري. مثل الديون. نفس اللون. نفس الرائحة”.

الأحلام والهلوسات التي تتخلل السرد ليست هروبًا، بل هي “الواقع الحقيقي” للشخصيات الذي لا تستطيع البوح به في النهار.

  • ثانيًا: انعكاسات العالم الرأسمالي في فضاء الفندق

العبقرية في “فندق” أنها حولت المكان إلى نقد اجتماعي مباشر دون خطابة.

1. السلعنة وتحويل الإنسان إلى رقم

في الفندق لا أسماء، هناك أرقام غرف. لا تاريخ، هناك “مدة الإقامة”. العلاقات كلها مؤقتة ومشروطة بالدفع.  

“ادفع تسترح. توقف عن الدفع… تُرمى في الشارع”  

هذا هو منطق الرأسمالية: كل شيء قابل للتأجير، حتى المشاعر. النزيل يدفع ليحصل على سرير، وعلى ابتسامة موظف الاستقبال، وعلى وهم الأمان.

2.  العزلة في الزحام

المفارقة الكبرى: مئات الغرف متلاصقة، لكن كل شخص في سجن انفرادي. 

“نلتقي في المصعد ولا ننظر في عيون بعضنا”

الجدران رقيقة لكنها لا تسمح بالتواصل. هذا تصوير دقيق لمجتمع رأسمالي فرداني، حيث نعيش معًا لكننا غرباء.

3.  السلطة الخفية وقانون السوق

لا نرى “مالك الفندق” أبدًا، لكن قوانينه في كل مكان: ممنوع، مسموح، الدفع مقدمًا. هذه سلطة الرأسمال اللامرئية التي تحكم دون أن تظهر، وتجعل الأفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم خوفاً من “الطرد”.

4.  القلق الوجودي والخوف من “التشرد”

أغلب هواجس الشخصيات تدور حول سؤال واحد: “وماذا بعد الفندق؟”

الخروج من الفندق يعني العودة للشارع، للبطالة، للفشل. الفندق إذن هو مخدر مؤقت، وهم استقرار يبيعه النظام مقابل المال. وحين ينتهي المال، ينتهي الحق في الوجود.

  • ثالثًا: الشخصيات كنماذج لا كأفراد

لا أبطال في الرواية. هناك “نماذج”: الموظف المفلس، العاشق الهارب من قرض، العجوز التي تنتظر ابنها الذي لن يأتي، الموظفة التي تبكي في الحمام. 

هم ليسوا أفراداً بقدر ما هم مرايا لشرائح اجتماعية سحقها منطق السوق. لذلك لا أسماء لهم. يكفي أنهم “نزلاء”.

  • لماذا «فندق» مهمة الآن؟

«فندق» ليست رواية عن مكان، بل عن زمن. زمن تحول فيه العالم كله إلى فندق كبير: نأتي، نستهلك، ندفع، ونرحل.  

باستخدامه تيار اللاوعي، لم يكن سمير عبد الفتاح يبحث عن “جماليات” فنية فقط، بل كان يحفر للوصول إلى جرح الإنسان المعاصر. الجرح الذي لا يظهر في الإعلانات ولا في نشرات الأخبار: جرح الوحدة، والخوف، وتحويل الإنسان إلى نزيل مؤقت على كوكبه.

الرواية تنتهي مفتوحة، لأن الخروج من الفندق ليس حلًا. الحل يحتاج هدم المنظومة كلها. 

وتصرخ في وجهنا بسؤال واحد: 

– متى سنخرج من هذا الفندق؟ ومن سيطفئ النور بعده؟

الروائي سمير عبد الفتاح نجح في أن يجعل من فضاء مغلق نافذة مفتوحة على أزمة العصر.

اترك رد