اللوحة: الفنانة الإنجليزية نعومي تومكيس
سعد جبر

انتهت جلبة التلاميذ حين استجابوا لدعوة جرس المدرسة الذي أعلن عن فسحة منتصف النهار، لقد كانت دقاته تسرّع دقات قلوبهم وتزيد تدفق الأدرينالين عندهم فيودعون معلمهم بصيحات صاخبة تسعدهم وتسعده، أما هو فيبدأ في تعديل جلسته انتظارا لمرور الحدث اليومي السعيد.
كان ينتظرها حين تأتي من الطرف الآخر للمدرسة، كانت تخلع حذاءها المعتاد وتلبس آخر صيحة من أحذية الكعب العالي المنتهي بدبوس معدني تحمل فنجال القهوة متوسط الحجم، كانت تتعمد أن ترتب خطواتها وتهندم رائحة القهوة ثم تتحرك صوب الهدف اليومي الذي أضناه التفكير بها وقتلها الشغف به.
استمع لرنات الكعب العالي قادمة إليه، كان يشبهها بوصف قديم سمعه من الموسيقار عمار الشريعي حين كان يشرح تاريخ الموسيقى بأنها خطوات الـ”فوكس تروت” إيقاع معتاد يزيد حتى يتوقف فجأة أمام الباب المفتوح لحجرة الصف وينتظر دقات الأصابع الممتلئة الحنون، يعرف دقاتها الثلاث على الباب كأنها دقات قلبه هو على بابها الموصد إنها تدق بظاهر عقلة أصبعها الأوسط الذي يعرفه جيدا، وفي الغالب تكون دقات القهوة المحوجة قد سبقت لتدق أرنبة أنفه قبلها فيتأكد أنها هي.
منذ سنتين فقط كان يحلم بفنجال من يدها يشربه ثم يقرأ الفاتحة، حين دخل بيتهم ليطرده أخوها شر طردة، حتى الماء يومها لم يشربه، كان يحلم بفنجال كبير يشربه في وقت طويل يتحدث معه عن نفسه وعمله وبيته الريفي المرتب كانت تراوده الأحلام أنها ستناوله الفنجال بنفسها ويستلمه من يدها الباردة في ذلك الصيف الحار البئيس الذي لا ينساه ولن ينساه، فقط يذكر أنه قال لأخيها بكل أدب: أتشرف بالتقدم لأختكم ال…، ولم يسمع بعدها شيئا ولم يحس بنفسه إلا وهو يبحث عن حذائه الجديد ناعم الملمس ليلبسه على عجل لا يذكر كيف رُفض؟ ولماذا رُفض؟ ولم يستمع لكلمة من صاحبة الشأن إنه لا يذكر التفاصيل بل لا يريد أن يذكرها، لقد دفن كل ذلك في قعر ذاكرته وأخفاه بتراب السنين ومشاغل العمل.
طال انتظاره ولم يسمع شيئا، سبقت كالعادة رائحة القهوة، هناك شيء غير طبيعي قهوة من غير هيل أم قهوة من غيرها هي؟ كان يتساءل! لقد كانت تسترق السمع له بين الفينة والفينة وهو يحكي مسترسلا في قصص جميلة يزينها بحنجرته الذهبية التي تطرب لها وتنتشي وإن لم تفهم شيئا من دروس التاريخ فهي لم تدخل مدرسة أبدا إلا حين توسط لها أخوها عند كبار القوم فعينوها في هذه المدرسة النائية، كان يستمع للطرقات الثلاث متتالية كل يوم في نفس الموعد ثم يستمع لدقات قلبه تردد صداها ثم يجيب:
– مرحباً.
قالها مؤكدا على التنوين لتتحول نونه لنغمة كروانية كانت تعمل فيها عمل السحر فيتسع معها ثغرها الباسم فتخرج جملة معتادة تتلقفها أذنه وينتظرها كل يوم وفي نفس الموعد:
– القهوة يا أستاذ.
لم تقل شيئا، ولم يقل شيئا، سمع قرقعة الفنجال المحمول فوق طبقه المعهود في نفس مكانه على مكتبه، كانت كل يوم تحادثه بجملة أو جملتين فما بالها اليوم؟ خيم الصمت على المكان أراد أن يقول لها مثل كل يوم:
– شكرا يا دكتورة، لتقول له مثل كل يوم: أنا لست دكتورة أنا هنا عاملة ومسؤولة عن الشاي والقهوة بس!
كان يكمل حديثه في نفسه دون أن تعرف: لكن قهوتك كيمياء الروح تداوي الجروح وتعطر الأثير وتفرح القلب الكسير ورائحتها الفريدة ترد الروح الشريدة الطريدة، ومن يد ما نعدمها، كانت هي لا تستمع لهذه الكلمات ليس لأنه يقولها في نفسه بل لأنه لم يقلها.
كان يرتب مكتبه كل يوم بنفس الموعد ليفسح لها وللفنجال مكانا قبل حضورها، ثم هو يظل جالسا ليستمع لهاتين الجملتين عن قرب فهي قصيرة قوية مثل كلماتها، كان يعرف طولها ووزنها ومسافة خطوتها من حساب صوت الإيقاع المحفوظ للكعب العالي، كان يحلم باصطدام يده المتلقفة للفنجال بأحد هذه الخمسة أصابع التي كان يعرف يقينا أنها بلا خاتم ولا دبلة ولا حتى محبس، وكان ينجح في افتعال ذلك الحادث العرضي أحيانا وأحيانا تسبقه بفيمتو ثانية فيشكرها سائلا عن أخيها، وكانت هي لا تجرؤ على أن تقول شيئا إلا:
– الحمد لله.. بعد إذنك يا أستاذ.
كان يودع خطواتها ويعدُّها وتكاد أنفاسه أن تنتهي حين تنتهي، كان يحسب الخطوات فمرة سبعة ومرة عشرة على حسب استعجالها وتأنيها ونشاطها وكسلها وصحتها ومرضها، كان يطمئن على أحوالها من خطواتها،
منذ أن عرف أنها تعمل هنا وهو يبذل الغالي والرخيص هدايا في صورة رشاوي ورشاوي في صورة هدايا لمسؤول النقل في إدارة التعليم ويتحمل جرأته وألفاظه الثقيلة حين يردد: ناس غاوية تعب، ثم يتابع سيل اتهاماته القميئة: تبا لكم معشر المعلمين تقتلون أنفسكم على درس خصوص ومجموعة تقوية، كان لا يجيب عن سؤاله المعهود لماذا تود الانتقال لهذه المدرسة النائية؟ لكنه لم ييأس حتى انتقل هنا كان يتعمد ألا يلبس نظارة سوداء حتى لا يقولون له كما في المدرسة القديمة: أهلا يا شيخ طه، كان هندامه دوما مسار الهمس واللمس والهمز واللمز من الجميع، لم يرافقه للمدرسة النائية الجديدة سوى العصا البيضاء التي لا تفارقه ليلا أو نهارا فهو يتأكد بلمساتها السحرية من كل باب فتخبره أمفتوح أم مغلق ويعد بها درجات السلالم الأربعة عند مدخل الصفوف الأولى التي يدرس بها هروباً من صفاقة الكبار وشقاوة اليافعين.
انتهت الفسحة، لم يتبق من الفنجال إلا رشفة واحدة، كان يستمع لصوت غريب مع ابتلاع كل رشفة من القهوة كأنها تشق في حلقه أخاديد عميقة بعمق السنين المرة التي مرت عليه!
– مستحيل أن تكون قهوتها أو أن تكون هي!
قالها بصوت مسموع، وأكمل في نفسه: لا الرائحة رائحتها ولا الفنجال فنجالها ولا الخطوات إيقاعها، حاصرته الهواجس فانتفض حاملا الفنجال والعصا وأخلى الفصل للهجوم الكاسح لتلاميذه العائدين بصخبهم الجميل، لحسن حظه لم يصطدم به الصغار أو ربما اصطدموا به دون أن ينتبه، كان يحس بصدمة أخرى أكبر قادمة إليه، حضر التلاميذ يرافقهم مدرس الحصة التالية أما هو فقد خرج قاصداً الطرف الآخر من المدرسة حيث منابع القهوة ونهايات خطوات الكعب العالي، ذهب كالعادة يسلم الفنجال لأنه – كما يقولون- عهدة لديها لابد أن يسلمه هناك فيطمئن عليه وعليها، أحست بلمسات أصابع عصاته البيضاء تتحسس الباب دون قرع ولا جلبة:
– شكرا يا أستاذ.
قالتها بصوت غريب لم يستطع أن يفهم ما الغريب في صوتها لكن قلبه بدأ في ضخ الدم مرة أخرى، ولم يفسر الحشرجة الحزينة والنشاز المتعمد في صوت جملتها المعتادة، اقترب منها ليسلم الفنجال ويسلم عليها، مد يده فمدت يدها تحجرت جملتان على فمه، كان يود أن يسألها عن سبب تغيرها اليوم ولكنه لم يستطع، ارتعش جسده حرفيا حين طرقت سمعه رنة صغيرة سمعها تخرج من المسافة الزمكانية بين الفنجال وأحد أصابعها المتينة فاخترقت قلبه كرصاصة طائشة من قناص قاتل، صوت لم يسمعه من قبل، لم يصدق أذنيه فأرسل أنامله لتتأكد من الخبر فعادت مرتعشة حزينة نعم إنها تلبس اليوم دبلة ومحبس.