الحياد الأسمنتي.. فصول من رواية قيد الإنجاز

الحياد الأسمنتي.. فصول من رواية قيد الإنجاز

اللوحة: الفنانة الأسترالية فانيسا ستيفانوفا

الفصل السادس

حين عادوا في اليوم التالي إلى القاعة نفسها، بدا الهواءُ راكداً بالبلادة ذاتها، والمقاعدُ باردةً بالهيئة عينها، والوجوهُ مغلفةً بالحياد الذابل كأن شيئاً لم يحدث بالأمس. سألتهم المشرفة بنبرةٍ رتيبةٍ جافة:

ـ كيف كان تعارفكم؟ وكيف شعرتم في الساعة الأولى؟

رفع أحدهم كتفيه بلا مبالاةٍ صفيقة قائلاً:

ـ لم أكن أتخيل أبداً أن أرى أجنبيةً تجلس معنا في هذا الملاذ الذي ظننته آمنًا. وأضافت امرأةٌ بنبرة تذمّر:

ـ والدولةُ تصرف على هؤلاء من جيوبنا وأموالنا.. كلُّ هذا الخراب بسبب السياسة الرعناء.

وتابعت أخرى، وقد تلوّن الخوفُ في نبرتها بحقدٍ دفين:

ـ وجودهم بيننا هو سببُ مرضي وقلقي المزمن.. إذ لا أستطيع النومَ ملء جفوني وأنا أعلم أن واحدةً منهم تقاسمنا هذا السقف.

ثم أخذت الأصواتُ تتعالى في جوّ القاعة، كلٌّ يضيف كذبةً جديدةً إلى ملف الكراهية العتيق.. الأجانب يسرقون الوظائف، يحتلون البيوت، يستنزفون أموال الضرائب، ويسرقون حيواناتنا الأليفة ليأكلوها! حتى بدا المكان بأكمله كأنه ينحدر نحو هاويةٍ بدائيةٍ مظلمة، حيث يتحول الإنسان إلى ذئبٍ ضارٍ لمجرد أنَّ الآخر الذي يجلس مقابله وُلد في بقعةٍ أخرى من هذا العالم.

كانت ندى تُصغي إلى ذلك الكلام بصمتٍ ثقيل، كأن كل جملة تهوي في داخلها حجراً آخر. كانت الإهانة في الألفاظ التي أيقظت فيها طبقاتٍ دفينة من الذاكرة. عادت إليها الطرق البعيدة التي سارتها منهكةً، والمدن التي أغلقت أبوابها خلفها، والليالي التي قضتها وهي تتقلب بين خوفٍ قديم وقلقٍ جديد، تراقب الغد كما يُراقَب مجهولٌ يختبئ خلف الضباب.

في تلك اللحظة، بدا لها أن المنفى لا يبدأ يوم يغادر المرء بيته، ولا عند اللحظة التي يطوي فيها آخر نظرة نحو وطنه. ثمة منفى آخر، أشد قسوةً وأطول عمراً، يتسلل ببطء إلى الروح، حين يجد الإنسان نفسه مضطراً لأن يبرر وجوده في كل مرة، وأن يثبت أحقيته في الاحترام، وأن يقرأ في عيون الآخرين سؤالاً صامتاً: ماذا يفعل هذا الغريب هنا؟

أما المشرفة المعالجة، فظلت صامتةً طوال الجلسة.. لم تقاطع أحداً، ولم تعترض على تجاوز، ولم تحاول حتى أن تُواري حيادها البارد المطلي بالصقيع. بدا صمتها الإداري ذاك أشد قسوةً ونكالةً من الكلمات الجارحة نفسها، لأن الإهانة حين تُساق على مرأى من سلطةٍ صامتة، تتحول تلقائياً إلى عُرفٍ يحمل طابع الشرعية.

وفجأة، انبعث صوتُ شابٍ من مؤخرة القاعة، حاداً وواضحاً كوقع الصفعة:

ـ اخجلوا من أنفسكم!

ساد الصمتُ للحظةٍ مباغتة، كأنَّ طائراً كاسراً حلّ فوق الرؤوس. أكمل الشاب وهو يرمقهم بنظرات مدفوعة بغضبٍ صادق ونبيل:

ـ ماذا تعرفون أنتم عن مآسي البشر وعذاباتهم حتى تتحدثوا بهذا الصلف المقيت؟
 هل رأيتم النيران وهي تلتهم الحواضر؟ 
هل شاهدتم أطفالاً يموتون من الجوع والعطش وهم يمتصون الحصى؟
 هل حملتم بين أيديكم امرأةً اغتُصبت امام اطفالها ثم رُميت في العراء لتواجه حتفها؟
 أنا رأيت ذلك الخراب وأبشع منه بكثير… حين كنت أعمل لسنواتٍ طويلة مع منظمات الإغاثة الدولية في أحراش إفريقيا ومقابر آسيا، رأيت بشراً يُبادون ويُقتلون لمجرد أن حظهم العاثر رماهم في المكان الخطأ من الجغرافيا. وأنتم.. انتم هنا، في هذا النعيم، تتحدثون عن بني جنسكم وكأنهم حيواناتٌ ضالة أو نفايات!

كانت كلماته تهتز بحرارة التجربة الحية، لا برنين الخطابة الجوفاء. شعرت ندى بأن هناك عيناً آدَميّةً رأتها حقاً في هذا المكان، كإنسانةٍ مكتملة الكرامة، لا كعشبةٍ غريبة أو امرأةٍ أجنبية. 

التفتت الوجوهُ إليها أخيراً، كأنّ الصمت، بعد طول ارتباكٍ وتواطؤ، وجد في حضورها المنعزل المخرجَ الوحيد من عتمته الثقيلة. شعرت بأن الأنظار تنغرس في ملامحها المستكينة مثل إبرٍ باردة، وأن القاعة الضيقة تزداد ضيقاً كلما تصاعدت في الفضاء رائحة التوتر والأنفاس المكبوتة. 
أخذت نفساً عميقاً، لتستعيد هدوءها السليب ولتجمع شتات روحها التي أنهكتها الساعاتُ الأولى في هذه المصحّة، بسبب الإهانات العارية التي تركت في نياط قلبها ندوباً لا تبرأ.

رفعت رأسها ببطءٍ يحمل معاناة السنين، وقالت بصوتٍ بدا هادئاً مستقراً، على غير ما كان يعتمل في صدرها من براكين الثورة:

ـ أريد أن أقول لمن يحمل في صدره هذا القدر من الكراهية العارية، إن قلبه لم يعد يتسع لشيءٍ سوى العفن الذي تصنعه الأحقاد المكبوتة. أنت تعيش على الكره كما تعيش النار على الحطب.. يبدأ الأمر ببوادر ازدراءٍ صغير، ثم يتحول إلى غضبٍ عارم، ثم إلى عنفٍ أعمى، حتى ينتهي الأمرُ بسفك الدماء والقتل.

سكتت لحظةً قصيرة، كأنها تستحضر مشهداً دموياً ما زال يطاردها في كوابيس نومها ووضح يقظتها معاً، ثم تابعت بصوتٍ أكثر صلابةً:

ـ قبل أسبوعٍ واحدٍ فقط، وقف رجلٌ يشبهك في ملامحه وأفكاره تماماً، وفي وضح النهار، أطلق الرصاص من سلاحه على عائلةٍ بريئة كاملة أمام مرأى المارة، لأنه استكثر عليهم حق الحياة… فقط لأنهم مختلفون عنه. ظنّ في أوهامه المريضة أنه يحمي مجتمعه من الأفكار المتخلفة، بينما كان في الحقيقة يكشف بفعله عن الوجه الأكثر قبحاً ووحشيةً للتخلف البشري.

كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها حارةً مقدودةً من صخر، مشبعةً بمرارة خساراتٍ طويلة، لكنها لم تكن تصرخ، لم تكن بحاجةٍ إلى الصراخ أبداً، فقد كان صدقُ الألم نفاذاً وقاطعاً كحد السيف، أشد تأثيراً من أي ضجيج.

ـ أنت، ومن على شاكلتك، تمثل ذلك الوجه العنصري القديم، الوجه الذي قام تاريخه على إلغاء الآخر لا على استيعابه وفهمه، وعلى احتقار الآدمي لا على الاعتراف بكرامته المصونة. ما يُطلب منك اليوم ليس بطولةً خارقةً للعادة، بل الحد الأدنى من شروط الإنسانية: أن تعترف بالآخر إنساناً مساوياً لك، حتى وإن ضاق صدرك الحرج عن تقبّل وجوده قربك.

حين انتهت ندى من فيض كلامها، خيّم على القاعة صمتٌ رصاصي ثقيل، بدا كأنه ارتطامٌ خفيّ وعنيف بين عالمين لا يملك أحدهما جسراً ليعبر به إلى الآخر. ارتسمت على الوجوه علامات دهشةٍ متباينة، بعضها اتسعت حدقاته ذهولاً، وبعضها الآخر انكمش بضيقٍ وتبرّم مكتوم، كأن كلماتها لم تصدمهم لأنها قاسية، بل لأنها خرجت مدويةً من تلك المرأة النحيلة التي اعتادوا رؤيتها صامتة، مطرقة، تنكمشُ داخل رداء عزلتها كلما حمي وطيس النقاش.

وبعد لحظاتٍ تمطى فيها السكون، قالت إحدى النساء بنبرةٍ غريبة امتزج فيها الارتباك الفاضح بشيء من اللوم والعتاب:

ـ كنتِ هادئةً طوال الوقت… بالكاد نسمع لكِ صوتاً. وفجأة، ومن دون مقدمات، تتحدثين بكل هذا الانفعال الشديد! لم نتوقع منكِ هذا الرد أبداً.

ابتسمت ندى ابتسامةً باهتةً ذابلة، أقرب إلى خيبةٍ منهكة منها إلى سخرية التهكم، ثم قالت بصوتٍ خفيض، لكنه كان مقطراً من مرارة إنسانٍ أدرك أن صمته الطويل والمهذب لم يُفهم على وجهه الصحيح:

ـ إذن، أنتم لم تفهموني أبداً.

توقفت قليلاً، وكأنها تبحث بين مفردات اللغة عن طريقةٍ أقل قسوة لقول ما يعتمل في صدرها المتعب، لكنها أدركت أن الحقيقة حين تتأخر كثيراً، تخرج عاريةً وجارحة مهما حاول صاحبها تلطيف حوافها.

ـ كنت أظن أنكم بفطرتكم فهمتم ما الذي كنت أرمي إليه، وأنكم أدركتم ما يعنيه صمتي وتحفّظي الطويل. توقعت، ولو للحظةِ إنصاف، أن يعيد أحدكم النظر فيما قاله من حماقات… أو أن يشعر بأدنى درجات الحرج، حتى لو صاغه في اعتذارٍ عابرٍ من باب المجاملة الاجتماعية… ظننت أن واحداً منكم على الأقل سيسأل نفسه في خلوته: ماذا لو كنت أنا الغريب في بلادهم؟ 
كيف سيكون وقع هذه الكلمات السامة على روحي؟
 لكن يبدو أن أكثر ما أزعجكم وأقضّ مضاجعكم ليس النتن الذي قيل في حقي… بل أنني كشرت عن صوتي وتكلمت أخيراً، وقد كان ذلك في ميزان كبريائكم دليلاً زائداً ورأياً لا تستحقونه.

في هذه الاثناء، شعرت ندى بأن شيئاً دفيناً وغائراً قد تصدّع في أعمق نقطةٍ من كينونتها، بصوتٍ حادٍ لم يسمعه في القاعة أحدٌ سواها تساءلت مع نفسها:
 هل كان ما حدث انتصاراً كما خُيل إليها لوهلة وهي تواجههم بثباتٍ نادر، ام كان أشبه بانكشاف جرحٍ قديمٍ متعفن ظلّ لسنواتٍ طويلة مطموراً تحت طبقاتٍ كثيفة من الصبر القسري، والتهذيب الاجتماعي، والتظاهر المرضي بالقوة؟

كأن العمر كلّه، بثقله الفادح وتعبه ومحاولاته المضنية للتلاؤم والتكيّف، قد خرج فجأة إلى السطح عارياً، يرتجف بصدقه، حتى أربكها هي نفسها ذلك الصدق الفاضح، وهي التي اعتادت طوال العقود أن تخفي معاناتها بعناية مَن يدرك جيداً أن العالم لا يرحم المتعبين والمستضعفين.

رفعت عينيها ببطءٍ نحو المعالجة النفسية، كما لو أنها تتعلق بآخر خيطٍ واهٍ يمكن أن ينقذ المعنى الإنساني من السقوط الكامل في الهاوية. راحت تحدّق في وجهها بترقّبٍ حذر، تبحث في تقاطيعها عن إشارةٍ صغيرة تعيد إليها شيئاً من الطمأنينة المفقودة: نظرة تعاطفٍ خفية، اعتراضٍ خافت، أو حتى ارتباكٍ إنساني عابر يوحي بأن ما جرى في قاعتها لم يكن أمراً عادياً أو مقبولاً في شرعة الطب.

لكنها واأسفاه لم تجد في سحنتها سوى ذلك الوجه الأسمنتي الجامد الذي يشبه الأبواب المؤصدة في البيوت المهجورة، ملامح باردة، ومحايدة على نحوٍ أثار في قلب ندى خوفاً أشد فتكاً وقسوة من الكلمات التي قيلت قبل قليل.
 استغربت ندى بمرارةٍ كيف استطاعت تلك المرأة التي يُفترض بحكم مهنتها ورسالتها أنها قائمة على سبر الأغوار وفهم الكسور الخفية في أرواح البشر، أن تصغي إلى كل ذلك الصديد اللفظي المتدفق من أفواههم الباغية ثم تبقى ساكنةً، وادعة، كأنّ شيئاً لم يحدث تحت إشرافها!
 كيف قبلت، بصفتها حارسة الوعي هنا، أن تُهان الأجنبية الوحيدة بينهم بهذا القدر من العنف المبطّن؟
 وكيف استطاعت أن تراقب المشهد ببرودٍ مهنيّ جاف، بينما كانت كرامتها تُسحق وتسيل أمام الجميع ببطء؟

كان ذلك الصمت المهني أشد وطأةً على روحها من الإهانة نفسها، فالكلمات الجارحة، مهما بلغت قسوتها وضراوتها، تبقى واضحة الملامح والهوية، يمكن للمرء مواجهتها أو حتى صب اللعنات عليها. أما الحياد البارد، ذلك الذي يتخفّى خلف أقنعة “الموضوعية والمهنية الزائفة”، فكان بالنسبة لندى أشبه بجدارٍ زجاجي شفاف، ترى من خلاله إمكانية النجدة الآدمية، لكنها كلما حاولت الاقتراب منه ارتطمت بقسوته الصامتة التي تهشم الوجوه.

عندها بدأ يتسلل إلى أوصالها خوفٌ ثقيل ومرعب: 
ماذا لو أن هذه المرأة التي جاءت إليها طلباً للفهم والتداعي والعلاج، لا تراها هي الأخرى إلا مجرد حالةٍ عابرة في ملفٍ كرتوني بارد؟ 
ماذا لو أن معاناتها، بكل ما فيها من غصاتٍ وتشققاتٍ خفية، لا تعني للمصحّة أكثر من دقائق معدودة تنتهي بانتهاء وقت الجلسة وكتابة تقريرٍ إداري روتيني؟

وفجأة، باغتتها بوادر انفصالٍ نفسي، كأنها تنظر إلى المشهد بأكمله من الخارج، كأنها انخلعت للحظة عن جسدها وصارت ترى نفسها واقفةً وسط القاعة:
 امرأة خمسينية تتكلم بحرقة إنسان لا يطالب إلا بحقه البديهي في أن يُعامل بآدمية، فيما الآخرون يرمقونها بنظراتٍ مستنكرة كما لو أنها تجاوزت حدود الدور الهامشي المرسوم لها في سيناريو الحياة والعيش. لقد كان صمتها الطويل، مريحاً وممتعاً لهم أكثر مما تخيلت، وأنهم ربما أحبّوا فيها تلك المرأة المستكينة الهادئة التي تبتلع الإساءة بابتسامةٍ مهذبة وتنكفئ، لا هذه الكتلة الثائرة التي تقف الآن عاريةً بصوتها، وألمها، وحقها المقدس في الغضب الصاعق.

اجتاحها شعورٌ بوحدةٍ جارحةٍ مميتة، وحدة لا تشبه عزلة المسافات الجغرافية ولا غربة اللسان واللغة، بل ذلك الفراغ الكوني البارد الذي يبتلع الإنسان بالكامل حين يُترك وحيداً أعزل في مواجهة ضباع الكراهية، بينما العيون الآدمية من حوله تراقبه بفتورٍ قاسٍ وبليد، كأن وجعه مجرد تفصيلٍ عابر في شريط الأخبار لا يستحق أن تمتد نحوه يدٌ أو عاطفة. 
لم تكن غربتها يوماً في الكلمات ومخارج الحروف، فقد أتقنت لغتهم حتى صارت تتدفق على لسانها بعفوية طفولتها الأولى، ولا في هذا البلد الذي أمضت فيه أكثر من ثلاثين عاماً من عمرها، أكثر من نصف حياتها، عملت فيه بإخلاصٍ وتفانٍ، ولدت أبناءها وربّتهم وسط بيئتهم وثقافتهم، وشاركت ناسه أفراحهم الصاخبة وأحزانهم الثقيلة، حتى توهّمت يوماً، بساذجةِ من يبحث عن الأمان، أنها اقتلعت جذور المنفى من قلبها إلى الأبد.

لكنها، في تلك اللحظة الرهيبة تحديداً، واجهت الحقيقة العارية التي ظلت مختبئةً بخبث خلف القشرة اللامعة والبراقة لما يسمونه بـ “الاندماج”، أن بعض الأوطان البديلة قد تمنحك اوراق جنسيتها، وثيقتها، لكنها تبقيك في أعماق وجدانها الجمعي كائناً طارئاً، شخصاً غريباً يمكن أن يُذكَّر في أي لحظة ضعفٍ أو أزمة بأنه جاء من وراء الحدود، مهما طال مكوثه ومهما أحبّ وتربّب في الأرض التي يعيش فوقها. وأن السنوات الثلاثين التي حملتها بفخرٍ في قلبها كتاريخٍ حافل من التعب، والانتماء، والوفاء المطلق، قد انهارت وتلاشت فجأة أمام كلماتٍ مشبعةٍ بالغل، وصمتٍ رسمي أشد وحشية وضراوة منها.

ومع ذلك، وبرغم ذلك الخراب والدمار الداخلي كله، تعلقت ندى في رمقها الأخير بشيءٍ صغيرٍ جداً يشبه بصيص الأمل، ليس إيماناً كاملاً بالعدالة، بل كحاجةٍ غريزية ملحة كي لا تسقط وتنهار تماماً أمامهم، حين قالت في سرّها مناديةً ما تبقى من يقينها:
 إن المعالجة النفسية ربما ستعتذر لها لاحقاً، حين تنفرد بها في غرف الجلسات الفردية المغلقة، ربما ستقول لها بلسان الطبيب إن ما حدث بالأمس واليوم كان خاطئاً وجريمةً في حق العلاج، أو ستحاول، ولو بكلماتٍ قليلةٍ صادقة، أن تضمّد ذلك الجرح الراعف الذي أصاب أكثر مناطق روحها ضعفًا وعرياً.

لكنّ سؤالاً ثقيلاً كصخور الجبال ظلّ معلقاً في سراديب داخلها كجرسٍ خافت الإيقاع لكنه لا يتوقف عن الرنين:
 هل ستفعل ذلك حقاً وتنتصر لإنسانيتها المهنية… 

أم أن التجاهل البارد سيبقى هو الجواب الوحيد الصالح لهذه المصحّة؟

يتبع


في المصحة.. حفلة الكراهية ورماد الملاذ الأخير – فصول من رواية قيد الإنجاز

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد