اللوحة: الفنان السويسري (مايكل لينتز
الفصل الخامس
استقبلتهم الوجوهُ الرسميةُ ببرودٍ صقيعي. ملامحُ جافةٌ كأنها قُدَّت من جدران تلك القلعة العتيقة التي لا تبوح بأسرارها لأحد. بدأت طقوسُ العبور، إجراءاتٌ رتيبةٌ لفرز الأرواح وتصنيف الأوجاع، وتوزيع الإقامات على غرفٍ ستتضح لهم بعد قليل أنها الذاكرة الوحيدة المتبقية لهم في هذا العالم.
وجدت ندى نفسَها ضمن جوقةٍ بشريةٍ مؤلفةٍ من سبعةٍ وعشرين ظلاً، كان الزمان قد استبقى جُلَّهم في مقتبل الثلاثين، فيما بدت هي وامرأةٌ أخرى كشجرتي سدرٍ عتيقتين في حقلٍ من العشب الغَضّ، تحملان في خطوط كفيهما حكاياتٍ غائرةً لا يدرك كُنهَها هؤلاء الشباب.
استلموا “دستورَ التأهيل”، برنامجًا دقيقًا يحكمُ تفاصيل نهاراتهم القادمة، حيثُ الزمنُ مقسمٌ بمشرطِ الطبيب بين فحوصاتٍ مخبريةٍ تستنطقُ الجسد في بواكير الصباح، وجلساتٍ نفسيةٍ تحاول ترميمَ المرايا المهشمة في أعماق الروح، ومواعيدَ ثابتة للأكل والدواء والرياضة. ظنت ندى للوهلة الأولى أنها صُممت لتذيبَ التوتر العالق في مساماتها منذ سنين.
لم تمنحهم مسؤولةُ المجموعة فسحةً كافيةً لالتقاط أنفاسهم. فما إن انتهت تلك الاستراحة القصيرة التي بدت لندى كأنها شهيقٌ متردد في صدر غريق حتى قادتهم بخطواتٍ ثابتة إلى قاعة الجلسات. كانت القاعة كبيرة على نحوٍ يضاعف في نفوسهم الإحساس بالغربة، والجدران مطلية بلونٍ باهتٍ يشبه سِحَنًا مستنزفةً أنهكها السهر الطويل.
وقفت المرأةُ أمامهم بابتسامةٍ مدروسة، تلك التي تُرتدى وتُخلع كما تُرتدى القفازات في الأماكن المشبوهة، ثم قالت بصوتٍ متصنّع حاولت أن يبدو ودودًا:
ـ سأترككم ساعةً من الزمن، لعلّ القلوب تتعارف.
مضت، تاركةً خلفها صمتًا حذرًا.
جلست ندى في طرف القاعة القصي، تسند ظهرها إلى المقعد كأنها تودع عليه أثقال عمرٍ كامل. كانت الخمسون التي تحملها فوق كتفيها لا تشبه رقمًا عاديًا، بل تشبه مدينةً من الخسارات القديمة، مدينةً شُيّدت حجرًا فوق حجر من الفقد، ثم تُرِكت مهجورةً تحت أمطار الأعوام الدارسة. تأملت الملامح من حولها بعين امرأةٍ خبرت تقلبات الناس أكثر مما ينبغي. عرفت أن البشر، مهما اختلفت لغاتهم وتباينت هيئاتهم، يتشابهون تمامًا حين ينهزمون من الداخل.
كانت الوجوه الشابة تبدو مضطربة، كأن كل واحدٍ منهم يخفي حربه الضروس الصغيرة تحت قناع صمته وانزواءه. بعضهم يشيح ببصره عن الآخرين خشية افتضاح سر ارقه، وبعضهم يبتسم بتوترٍ طفولي، وآخرون يحدقون في الفراغ السديمي كما لو أنهم ينتظرون حكمًا بالقصاص سيصدر بحقهم.
لوهلة، انتابها احساس بأمومةٍ غامضة وتلقائية تتسلل إلى قلبها تجاه هؤلاء الغرباء، كأنهم جميعًا أبناءُ رحمِ خوفٍ واحد. لكنها، في الوقت ذاته، أحست بغصة وحشةٍ مقيتة وهي تلاحظ كيف تتفادى بعض الحدقات الالتقاء بنظراتها، نظرات ندى، المرأة الأجنبية الوحيدة المستكينة بينهم. كانت تجلس بصمتٍ مرتبك، تضم أصابعها إلى بعضها كأنها تحاول واهمةً أن تمنع روحها من التبعثر. بدا حضورها هشًا للغاية، كشمعةٍ ضئيلة موضوعة في مهب ريحٍ عاتية.
التفتت إلى تلك المرأة الأخرى التي تقاربها في السن، فرأت في غضون تجاعيد وجهها ظلًا مألوفًا من الاعياء، كأن الحزن، حين يطول مكوثه في الجسد، يمنح ضحاياه الملامح ذاتها والسحنة نفسها:
خيبات متلاحقة..
قلق مزمن..
ذعر من الوحدة..
وتلك الجروح الغائرة التي لم يجدوا لغةً بشريةً تليق بقولها.
قطع ذلك الصمتَ الثقيل شابٌ جلس في الجهة المقابلة لندى. اعتدل في مكانه بنزق فاضح، وقال بنبرةٍ خشنة مدفوعة بالعداء:
ـ في مدينتنا، صار الأجانب في كل زاوية ومكان…
هذا أمرٌ مقيت لا أستطيع تقبله أو ابتلاعه أبدًا.
ثم تابع نفث كلماته المسمومة بوقاحةٍ باردة، كمن يفتح كيس قمامةٍ نتن في غرفةٍ مغلقة ضيقة:
ـ إنهم يثيرون القرف…
أصواتهم صاخبة..
روائحهم خانقة..
أشكالهم تبعث على الاشمئزاز..
جئت إلى هنا التماسًا للراحة..
لم أتوقع أبدًا أن أجد واحدةً منهم تجلس بيننا!
وأشار بإصبع اتهامٍ واضحة إلى ندى.
شعرت ندى كأن تيارًا كهربائيًّا لافحًا قد صعق جسدها دفعةً واحدة. اتسعت عيناها المنهكتان من مباغتة اللحظة ومن جرح تلك الإهانة العارية التي تأتي طعنًا بلا مقدمات، فتجرد الإنسان في لحظة من توازنه وكبريائه.
نظرت حولها بريبة وسرعة، كمن يفتش عن يدٍ دافئة تنقذها من هاوية السقوط. كانت تأمل، بقلبها المتعب، أن يعترض أحدٌ من الحاضرين، أن يوقف هذا الانحدار البهيمي، أن ينطق أحدهم بكلمةٍ واحدةٍ تعيد إليها كرامتها المستباحة وشيئًا من إنسانيتها. لكنها، وا أسفاه لم تجد سوى عيون زائغة، ووجوهٍ مرتبكة شحبت بالخزي، وصمتٍ رصاصي ثقيل كان يشبه التواطؤ الصريح.
ثم… وقفت امرأةٌ من الجانب الآخر لتؤجج النيران، وقالت وهي تهز رأسها بامتعاض:
ـ نعم.. نعم، هذا كله صحيح.. الأجانب يسرقون أقواتنا من الأسواق والمزارع ومن كل شيء يخصنا.
وأضافت جارتها بسرعةٍ محمومة، كأنها تخشى أن يفوتها الدور في حفلة الكراهية الجماعية:
ـ إنهم يحاولون التقرب منا عبر طعامهم المقرف… لكنني أربأ بنفسي أن أذوق شيئاً من صنع أيديهم، فرائحة الثوم والبهارات الفجّة التي يطبخون بها تخنق أنفاسي، والعمارة السكنية بأكملها غدت لا تُطاق بسبب وجودهم. هم حتى في مظاهرهم وتصرفاتهم يبدون كأغرابَ ساقطين من عالمٍ آخر سحيق، مظاهر لا تمتُّ لثقافتنا بأدنى صلة، ولا تشاطرنا حتى لغةَ الوجود أو الموت.
كانت الكلماتُ القاسية تتساقط على رأس ندى وروحها كالحجارة. كان الألمُ مضاعفًا بسبب فجاجة الإهانة، وبسبب ذلك اليقين المرعب والبارد بأن أحدًا في هذه القاعة لا يرى نزيف وجعها، ولا يكترث لإنسانيتها. في تلك الثواني المريرة أحست بأنها تُدفع رغمًا عنها خارج حدود الدائرة البشرية نفسها، باعتبارها جثةً مشوهة، عفنة يجب النأي عنها وتطهير المكان من دنسها، لا باعتبارها امرأةً متعبةً جاءت تطلب العون والبرء.
لم تستطع حبس أنفاسها أو الاحتمال أكثر، نهضت بجسدها المرتعش في صمتٍ مرتبك، وغادرت القاعة بخطواتٍ متسارعة واهنة، فيما كانت أصواتهم الآسنة تلاحقها كنباح كلابٍ ضالة في بريةٍ بعيدة.
مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث.. فصول من رواية قيد الإنجاز
