اللوحة: الفنان البولندي جيزلاف بيكشينسكي
في أروقةِ هذا المسرحِ العظيم، ذلك البناء الذي شيدناهُ من أوهامِ العظمةِ وأحلامِ اليقظة، يجري مشهدٌ غريبٌ لا يُصدقهُ إلا من أمعنَ النظرَ في تفاصيلِ العبث. نحنُ البشر، في سعينا المحمومِ نحو تضخيمِ ذواتنا، لا نختلفُ كثيراً عن جيوشِ النملِ التي تظنُ أنَّ حباتِ السكرِ التي تجمعها هي كنوزُ الأرض، وأنَّ كومةَ الترابِ التي تبنيها هي شاهقةٌ تطاولُ النجوم. نركضُ في هذا الفضاءِ الفسيح، نصدرُ ضجيجاً هائلاً، نكتبُ صفحاتٍ عن المجد، ونخطبُ في الفراغِ عن الخلود، بينما الصدى في أرجاء المسرح لا يعيدُ لنا سوى أصواتنا المتهدجة، ساخراً من هذا الاندفاع الذي لا يغادرُ حدودَ الكومة. نحنُ نعيشُ في حالةٍ من “الضجيجِ الذاتي”، حيثُ يظنُ كلٌ منا أنَّ خطواتِهِ على خشبةِ المسرح تُزلزلُ أركانَ الكون، بينما الكونُ يراقبُ ببرودٍ وهدوءٍ هذا النملَ النشطَ الذي يحملُ فُتاتَ أفكارهِ إلى كواليسِ النسيان.
إنَّ الهزلَ في هذا المشهدِ يكمنُ في تلك الجديةِ المفرطةِ التي نؤدي بها أدوارنا؛ فالموظفُ يظنُ أنَّ أوراقه هي أعمدةُ السماء، والكاتبُ يظنُ أنَّ أحرفه هي تعويذاتٌ سحريةٌ توقفُ الزمن، والمجتهدُ يظنُ أنَّ أرقامَ حصاده هي مقياسُ نبلِ الروح. الجميعُ يصرخُ في هذا المدى، والجميعُ يظنُ أنَّ صوته هو اللحنُ الوحيدُ المسموع، متجاهلين أنَّ الصدى هو في حقيقتهِ ليس صوتاً، بل هو مجردُ خيبةٍ تُرددُ ذواتنا إلينا لنكتشفَ مدى فراغِ المساحاتِ التي نملأها بصخبنا. إنَّ أكبرَ مأساةٍ يعيشها الإنسانُ في هذا المسرح هي أنَّهُ يقضي حياتهُ يحاولُ إثباتَ وجودِهِ بصراخٍ لا يسمعهُ إلا هو، بينما يغفلُ عن حقيقةِ أنَّ المسرحَ لا يحتاجُ إلى ضجيجنا بقدرِ ما يحتاجُ إلى هدوئنا لنفهمَ أننا لسنا سوى نملٍ عابرٍ في ممرٍ طويلٍ لا ينتهي. هذا النملُ الذي يظنُ أنَّ المشهدَ بُنيَ لأجلهِ، يمارسُ طقوساً من “الاستعراضِ الذاتي”؛ فكلُّ نملةٍ تحاولُ أن تبدو أكثرَ انشغالاً، وأكثرَ أهميةً. نحنُ نخترعُ “مقاييسَ للنجاح” لتكونَ مجردَ مساطرَ وهميةٍ نقيسُ بها طولَ ظلالنا عند الغروب، وكلما قصرَ الظل، زدنا من صراخنا لنقنعَ أنفسنا بأننا لا نزالُ نملأُ الأفق.
السخريةُ هنا ليست في العملِ ذاته، بل في التضخمِ المعنوي الذي نُضفيهِ عليه. إننا نتصارعُ على زوايا هذا المدى، نضعُ حواجزَ، نقيمُ حدوداً، ونسمي كومةَ الترابِ “إنجازاً” أو “مكانة”، بينما المحيطُ الرحبُ يضحكُ في صمتهِ على هذا التنافسِ المحمومِ بين نملٍ لا يملكُ من أمره شيئاً. نرى نملةً تظنُ أنَّ ريشةً سقطت عليها هي غنيمةٌ لا تُقدرُ بثمن، فنحملها على ظهورنا بكلِ فخر، نترنحُ تحتَ ثقلها، نُعاني، ونموتُ من أجلها، ثم نكتشفُ في اللحظةِ الأخيرةِ أنَّ الريشةَ كانت مجردَ فضلاتٍ من عصفورٍ مرَّ فوقنا دون أن يلحظنا أصلاً. هذا هو حالنا في المسرح؛ نقتاتُ على الفضلاتِ ونسميها انتصارات، ونظنُ أنَّ الصدى الذي يردُ أصواتنا هو تصفيقٌ من المجهول.
وما يزيدُ الأمرَ عبثاً هو “وهمُ التراكم”؛ فنحنُ نظنُ أنَّ ما نكدسُه من ذكرياتٍ ومعارفَ وممتلكاتٍ هو بناءٌ شامخٌ سيقاومُ عادياتِ الزمن، بينما الحقيقةُ أننا لا نكدسُ إلا ذراتِ غبارٍ نلمعها كلَّ صباحٍ بمسحاتٍ من الكبرياء. نحنُ نخشى المجهول، فنبني حوله أسواراً من العقائدِ الشخصيةِ واليقينياتِ الزائفة، وما هي إلا جدرانٌ من ورقٍ سرعان ما يمزقها مرورُ نسمةِ واقعٍ بسيط.
وعندما نتأملُ هذا الضجيجَ من بعيد، نجدُ أنَّ الهدوءَ هو الشيءُ الوحيدُ الذي يخشاهُ النملُ في هذا المدى؛ لأنَّ الهدوءَ يعني مواجهةَ الحقيقة، يعني أن ندركَ أننا لا شيءَ أمامَ ضخامةِ الفراغ وعمقِ التاريخ. لذا، نستمرُ في الصراخ، في كتابةِ التقاريرِ التي لا يقرؤها أحد، وفي اتخاذِ القراراتِ التي لا تؤثرُ في شيء. الصدى يعيدُ لنا صخبنا، ونحنُ نعتبرهُ دليلاً على عظمةِ الحضور، نكذبُ على أنفسنا بمهارةٍ تجعلنا نصدقُ أكاذيبنا، ونحولُ المسرحَ إلى حلبةِ رقصٍ هزليةٍ لا موسيقى فيها إلا قرقعةُ أرجلنا المتوترة على أرضيةٍ باردة.
في النهاية، يظلُ المسرحُ صامتاً، وسيبقى الصدى بانتظارِ آخرِ نملةٍ تصمتُ للأبد، لتسودَ السكينةُ التي نخشاها. إنَّ الحكمةَ في هذا العبثِ ليست في التوقفِ عن السعي، بل في التوقفِ عن الظنِ بأنَّنا أصحابُ هذا المكان، وأنَّ صخبنا هو لغتهُ الوحيدة. لنستمر في حملِ فُتاتنا، ولكن لنفعلَ ذلكَ بابتسامةِ من يدركُ الهزلَ في الأمر، من يدركُ أنَّنا نملٌ في ميدانٍ شاسع لا يعنيهِ ضجيجنا، وأنَّ البطولةَ الحقيقيةَ ليست في أعلى صوتٍ في الصدى، بل في القدرةِ على المشيِ بهدوءٍ، تاركينَ للزمنِ أن يقررَ إن كانَ لصراخنا معنى، أو أنه كانَ مجردَ تمتمةٍ تافهةٍ ابتلعها الصدى قبلَ أن تولد.
ختاماً، إنَّ قصةَ النملِ في مسرحِ الصدى ليست دعوةً للاستسلامِ أو العدمية، بل هي دعوةٌ للتبصر؛ فإدراكنا لهشاشةِ أدوارنا وضآلةِ ضجيجنا أمام اتساعِ المدى هو أولُ خطوةٍ نحو الحرية الحقيقية. حين نتوقفُ عن ملاحقةِ السرابِ الذي نصنعهُ بأيدينا، ونكفُّ عن استجداءِ تصفيقِ الصدى، نتحررُ من عبءِ العظمةِ الزائفة لنعيشَ حياتنا ببساطةِ العابرين، تاركينَ للمسرحِ الكبيرِ أن يروي قصتنا كما يشاء، دون أن نحترقَ في محاولةٍ يائسةٍ لتركِ أثرٍ في رمالٍ لا تحفظُ إلا بصماتِ الزوال.
