عطرُ الغياب

عطرُ الغياب

اللوحة: الفنانة الأكرانية ماريا تيشيفسكايا

أنيس علي قايد الصلاحي

فتحتِ الباب بهدوء، ودخلتِ غرفتكِ بسرعة وأغلقتِه خلفكِ.. خلعتِ ملابسكِ، ووقفتِ أمام تلك المرآة التي تحفظ كل تفاصيلكِ. نعم، تلك المرآة تعرف متى تكونين حزينة، ومتى تكونين فرحة.

أخذتِ الطرحة بين يديكِ، وضمتِها إلى وجهكِ بحنانٍ جارف، ونظرتِ بعين يملؤهما الحب إلى انعكاسكِ. إلى ذلك الكيس الصغير الذي كان بين يديكِ.

نظراتٌ من الحنين إلى كفيكِ وأنتِ ترين صورتكِ في المرآة، فضممتِهما إلى خديكِ، واستنشقتِ أثر عطره العالق بيديكِ.  

تتهدج أنفاسكِ، ويغمركِ شعورٌ من النشوة والبهجة. تغمضين عينيكِ بقوة خوفاً من السقوط، كفراشةٍ تدور حول زهرةٍ لا تريد أن تفارقها. يا له من شعور… حين تتذوقين طعم السعادة.

أخذتِ نفساً عميقاً، وأكملتِ خلع ملابسكِ. فككتِ أزرار عباءتكِ، وعندما هممتِ أن تبعديها عن جسدكِ ضممتِها مرة أخرى، لتتذكري ذلك الشعور حين ضمكِ إلى صدره. يا له من ارتباك! خوفٌ وارتعاشةُ حبٍ وشوق.  

“دعني” قلتِها بصوتٍ شاحب. فابتعد وهو لا يزال ممسكاً بكِ، وعيناه في عينيكِ. 

“أخاف… أختنق” بررتِ بصوتٍ خافت. ظل يتأمل عينيكِ وتورد خديكِ، وشعر بتلك الرعشة في يديكِ.  

“يا إلهي، ما أجمل هاتين العينين! أشعر أني أراهما لأول مرة، رغم أني أغرق بهما كلما رأيتكِ”.  

طبع قبلةً على جبينكِ، فنظرتِ إليه وكأنكِ تطلبين المزيد.  

“زهرتي”.  

“لبيكِ يا عمري”.  

أطلقتِ تنهيدةً طويلة، وضمكِ إلى صدره، وهمس في أذنكِ: “هل أنا أحلم؟” فقرصتِه في ذراعه التي تحتضنكِ.  

“أهاتفكِ كل يوم، ولكني لم أشعر بجمال صوتكِ إلا الآن!”  

“لا تحرميني منه”.  

ضممتِه بقوة، كأنكِ تخشين أن تنتهي تلك الثواني ولا تعود.  

“أشتاق إليكِ كلما أنهيتُ محادثتي معكِ. فأنا كالوردة تذبل إذا لم تجد الماء. وصوتكِ هو الأمان”.

انتفضتِ من غفوتكِ الجميلة على رنين الهاتف. التقطتِه بسرعة، فرأيتِ اسمه. “ألو… مرحباً”.  

“مرحبتين” كان صوته في الجهة الأخرى.  

“هل وصلتِ البيت؟ وكيف أنتِ الآن؟”  

“نعم وصلتُ، وأنا بخير… وأنت كيفك؟”  

رد: “أنا بخير بسماع صوتكِ، وبأنكِ بخير”.

شردتِ بفكركِ بتلك اللحظة التي قال لكِ فيها: “أحبك”. “أريدكِ أن تكوني معي”. فسلمتِه قلبكِ، ومفتاح حياتكِ.

ما أجمل ذلك الشعور الذي يخرجكِ من إطاركِ المحدود إلى جنةٍ مليئةٍ بورود الحب وآهات الشوق…  

ذلك الظلام الدافئ الذي يجذبكِ إليه فتمضين نحوه بلا خوفٍ ولا وجل، لعلمكِ أن نصفكِ الآخر هناك ينتظركِ.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً