ناتالي بيسو لـ «حانة الشعراء»: المرأة الشاعرة تقف دائماً حارسة للسلام وحامية للطبيعة

ناتالي بيسو لـ «حانة الشعراء»: المرأة الشاعرة تقف دائماً حارسة للسلام وحامية للطبيعة

اللوحة: الفنان الألماني بول كلي

أجرت «حانة الشعراء» حواراً مطولاً مع الشاعرة الألمانية د. ناتالي بيسو؛ مؤسِسة ورئيسة الرابطة الأدبية الدولية «المنبر الإبداعي»، تحدثت فيه عن دور الأدب والفن والثقافة في عالم اليوم، الذي وصفته بالهش وغير المستقر، حيث انصرف الناس فيه عن الثقافة والفن وعن القيم الروحية، كما تراجع دور الإبداع الأدبي والفني نتيجة ما سمته الانزياح التكتوني في معايير تقييم الروائع الأدبية. فبحسب رأيها فإن سطوة المال هي ما يحكم العالم الآن، وليست القيم الأخلاقية والثقافية، ولذلك تراجع الأدب عموما والشعر على وجه الخصوص، إلى المقاعد الخلفية، وبات يفتقر للتأثير في حياة الناس.

وعن تجربتها الشعرية، تقول: قصائدي تكتب نفسها تلقائياً. وعلى الرغم من أن ناتالي ترفض مفهوم الأدب النسوي، إلا أنها ترى بأن المرأة بطبيعتها تمتلك حدساً متطوراً، والشاعرة تقف دائماً حارسةً للسلام، وحاميةً للطبيعة، فأدب النساء يمتاز دائما بالرقة واللطف، مقابل أدب الرجال الذي يميل أكثر إلى التحليل. كما تناول اللقاء الكثير من القضايا كتأثير الحروب والفقد، والسلام، ورعاية المواهب الشابة.. فإلى تفاصل الحوار:

كيف كانت بداية شغفك بالكتابة، ومتى اندلعت شرارتها؟

مرحباً بك عزيزتي حنان، وبكل أسرة التحرير الكريمة، وبالقراء الأعزاء، ويسعدني إجراء هذا الحوار معك، وظهوره لقراء مجلتكم الأعزاء.

لقد وقعتُ في حب الشعر منذ نعومة أظفاري؛ فقد كنت قارئة نهمة، وكنت مولعة على وجه الخصوص بالشاعر الروسي الشهير سيرغي يسينين. وحين كنت في الصف الخامس، عُيّنتُ رئيسة لتحرير الصحيفة الجدارية بالمدرسة، فكنت أملؤها بآخر أخبار المدرسة وأبث فيها قصائدي الخاصة، كما كنت أكتب قصائد أهديها لصديقاتي في أعياد ميلادهن. ومنذ ذلك الحين، ومنذ ذلك الحين، لم يخفت حبي لقراءة الشعر وكتابته.

ولا أقتصر في كتاباتي على الشعر فحسب، فأنا أكتب النثر، وكلمات الأغاني، والقصائد المؤلفة خصيصا للألحان الموسيقية المؤلفة مسبقا، والمقالات النقدية، وورش العمل. كما أن أدب الرسائل قريبٌ إلى قلبي. 

بيد أن عام 2008 كان البداية الحقيقية لاهتمامي بالشعر بشكل جاد، حيث بدأت في نشر أعمالي عبر الإنترنت، والمشاركة في المسابقات والمهرجانات، وإصدار مؤلفاتي الخاصة. وهكذا، نمت شغفي بالكتابة ليصبح هواية راسخة، قبل أن يتحول في نهاية المطاف إلى مسيرة أدبية مكرسة مدى الحياة.

الزمان والمكان، وأبعاد الشخصية وسماتها؛ عناصر محورية ميزت أيدلوجية أعمال الكاتبة والشاعرة ناتالي بيسو،  كيف استطعت القبض على هذه المهارات التي مكنتك الإبحار في هذا الطيف الواسع من المواضيع؛ بدءاً من المرأة، الزواج والطلاق، الحب والفراق، والموت والقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها؟

ماذا عساي أن أقول؟ أعتقد أن حساً مرهفاً تجاه كل شيء قد سكن في أعماقي منذ الطفولة، وإن أقصر إجابة عن هذا السؤال هي: أنا امرأة، وفي هذه الكلمة يكمن كل شيء! ولكنني سأضيف بعض التفاصيل.

ربما لأني فقط دقيقة الملاحظة؟ فأنا أهوى مراقبة البشر، ورصد كل ما يدور حولي، ومعاينة عواطفهم، وعلاقاتهم، وتقلبات حيواتهم المختلفة. كما أنني مستمعة جيدة، ولعل هذا ما دفع العديد من القراء، بعد اكتشافهم شعري، إلى مراسلتي، ومشاركتي قصصهم عن الحب من طرف واحد، ومشاعرهم، وآلامهم، ولوعات قلوبهم. 

لقد وصفوا ذلك بوضوح شديد لدرجة أنني استطعت أن أتخيل معاناتهم وأتفهمها، وفي خضم تلك الأجواء، كانت القصائد تكتب نفسها تلقائياً حول هذا الموضوع أو ذاك. أما عندما يتعلق الأمر بالحب، فلم أكن بحاجة للاستماع إلى قصص الآخرين؛ فأنا مَحبوبة وأُحِب، وأعرف هذا الشعور معرفة وثيقة، وهو شعور لم يفارقني يوماً حتى هذه اللحظة.

أما فيما يتعلق بالحرب، والفقد، والموت، والقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية المعقدة.. فإنني كأي شاعر، يلامس كل ما يحدث شغاف قلبي، فأشعر بألم الآخرين كما لو كان ألمي. أهتم كثيرا بمصائرهم، بأحزانهم، ومصائبهم، بخسائرهم، وآلامهم. أشعر بكل شيء وأعيشه بكل جوارحي. ربما لأنني ببساطة لا أستطيع أن أفعل ذلك بطريقة أخرى، فالقلم هو كل ما أملك.

الحرب وويلاتها موضوع قديم متجدد

ترصدين في أعمالك غموض النفس البشرية  ضمن العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي يلقي عليها الموت ظلاله، وتعاني من ويلات الحرب، وتأثير ذلك كله على خيارات الحياة، ولا سيما في الحب؛ حدثيني عن ذلك.

حسنًا، لنبدأ بالحب: لقد ولدت في عائلة يسكنها الحب، فقد جمع الحب والاحترام بين أمي وأبي طوال حياتهما معا، وكانا مثالا رائعا على العلاقة الأسرية الجيدة، ويبدو أنني تشربت هذا الحب منذ الصغر، فلم أعرف شكلا آخر للحياة والعلاقات، لذا، وبشكل خاص، أنا سعيدة للغاية في الحب؛ 

فقد حباني القدر بهجة هذا الشعور، ورزقني الشخص الذي أحبه ويحبني، ويحترم كل منا الآخر ويقدره، تزوجنا منذ عقود، ومازلنا نعيش سويا مشاعرنا الصادقة كما لو كنا تزوجنا بالأمس، ولا أستطيع أن أتخيل أي حياة أخرى بدون زوجي أو مع رجل آخر، ولكن كما قلت في ردي على سؤالك السابق، أنا حساسة للغاية ودقيقة الملاحظة، وأشعر بالحب غير المتبادل، وبحزن أي شخص يعيشه، بمصيبته، ولوعة الفقد، ومرارة الانفصال، وخيبة الأمل التي تصيبه بعد الفراق، أشعره بعمق كامرأة وكشاعرة.

إن المبدعين يمتلكون حساً مرهفاً وعاطفة جياشة، وأنا لست استثناءً في ذلك، وكل ما يعرض لي في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، أشعر به بشدة وأعيشه، ثم أخطّه على الورق شعراً. وحين يراسلني قرائي قائلين: هل كتبتِ هذه القصيدة عني؟ أشعر بسعادة تغمرني، لأن هذا يعني أنني استشعرت حزن الآخرين بصدق، وصغته على الورق بشكل صحيح أيضا في قصائدي، وهذا ما ينبغي أن يكون، يجب أن تكون القصائد صادقة حتى تمس روح القارئ.

أما الحرب وويلاتها فموضوع قديم جديد، نحن (وقد ولدتُ وعشت في الاتحاد السوفيتي لبعض الوقت) نُجلّ كثيراً ذكرى الأقارب الذين قضوا خلال الحرب الوطنية العظمى في الأعوام 1941-1945. لقد استشهد جميع أجدادي وأعمامي من عائلتنا في تلك الحرب. لم أعرف أحداً منهم، لأنني ولدت بعد عقود من نهاية الحرب، لكن ذكراهم كانت دائماً محط إجلال في عائلتنا، كما أن شعوبنا كانت ولا تزال تكرم ذكرى من ماتوا في تلك الحرب. لهذا السبب، لدي موقف خاص تجاه الحرب، وألم فريد يسكنني إزاءها.

أعلم أن لوعة الفقد والموت لا يمكن أن تختزلها الكلمات، لكنني أحاول في قصائدي وصف ما استطعت شعوره وأنا أفكر في أجدادي، وأعمامي، وفي كل أولئك الذين لم يعودوا من الحرب بعد أن ذادوا عنا، وأنا نفسي عشت تجربة فقدان أشخاص مقربين مني؛ فأمي وأبي لم يعودا معي الآن، وأنا أحمل هذا الألم في قلبي.

حسناً، كيف تؤثر إذن هذه الأمور جميعا في مسارات الحياة والخسائر الحتمية، لا سيما خسارة من نحب؟ إن ذلك يجلب الألم والكثير من المعاناة، لكننا لم نصبح أقوى إلا بسبب هذه الخسارات، وعلى الرغم من أن ألمها لا يزول، فهي تمنحنا قوة الشخصية، وتعتمد مواجهتنا لها على التربية، وحسن الإدراك، والقدرة على تثقيف الذات، وحسن التفكير، ثم على الخبرة الشخصية. كل هذا مجتمع، يحدد خيارات حياتنا. وفي الحب اخترتُ مرة واحدة منذ زمن طويل ولم أخطئ.

شعر النساء أكثر رقة

هل ترين أنك منحازة إلى المرأة أكثر من الرجل؟ وما دور المرأة ككاتبة وشاعرة في المجتمع؟

بما أنني امرأة، فإن وجهة نظري أنثوية بحتة، أنا أمتلك حدساً متطوراً للغاية، وعقلاً منطقياً وتحليلياً، والعديد من الصفات الأخرى، وكل هذه الخصال تبدو أكثر حِدة وجلاءً مما هي عليه لدى الرجال

أنا واقعية، وشخصيتي لطيفة ولكن صارمة، فلا أتسامح مع الأكاذيب، ولا أغفر الخسة، وبناءً على ذلك، تشكلت لدي شخصية أستطيع القول إنها أكثر حزماً وحسماً، وربما تشبه في ذلك شخصية الرجل؛ بيد أن الأنوثة في داخلي هي التي تنتصر دائماً. أنا فخورة ومبتهجة لأنني وُلدت امرأة، ومن ثمَّ، فإن وجهة نظري تجاه أي مسألة أو موضوع تظل فردية ومستقلة تماماً، وغالباً ما تختلف عن كل الآراء المطروحة.

فيما يتعلق بدور المرأة ككاتبة أو شاعرة في المجتمع الحديث، فإنني على يقين تام بأن دورها لا يمكن المبالغة في تقديره أبداً. إنها قوية، وعظيمة، ومؤثرة لدرجة أنه لا يوجد بديل عنها، ولن يكون هناك بديل أبداً.

عندما أقرأ الشعر، أدرك على الفور ما خُطَّ بيد امرأة، بل أجرؤ على القول: ما كُتب بقلب امرأة، إذ ينساب الشعر برقة، وجمال، وبأسمى آيات اللطف والفهم لسكينة الروح، مع فيض من الاهتمام الداخلي والحكمة البالغة. لقد كنت دائماً على يقين من ذلك. والآن، وبصفتي رئيساً للرابطة الأدبية الدولية التي تنظم مسابقات أدبية سنوية بثلاث لغات، ومن خلال قراءتي للعديد من الأعمال من جميع أنحاء العالم، ترسخت لدي القناعة بأن الشاعرة تقف دائماً حارسةً للسلام، وحاميةً للطبيعة، وهي على أهبة الاستعداد للدفاع عن الكوكب بأسره؛ إنها تؤثر بما تكتب في صياغة الرؤية العالمية وفي تربية الأجيال.

إن صوتها قوي ورنان، وخطواتها في عالم الأدب واثقة وثابتة، إنها راعية السلام، والصداقة، والمساواة، والإخاء، والسعادة؛ وتشرق بنور كلمتها الشاعرية على البشرية في جميع أنحاء الأرض.

هل توافقين أن هناك ما يسمى بالأدب النسائي أم أنه تصنيف جندري ظالم؟

حسناً، ولمَ لا؟ بالطبع هناك أدبٌ نسوي. وقد ذكرتُ آنفاً ما يعنيه هذا الأدب، ليس لشعوب بعينها فحسب، بل للبشرية جمعاء.

إن أدب الرجال، وحتى شعرهم، يتسم بقدر أكبر من القسوة والجفاء، وهو أقل رقة، ولا يخضع للمنطق ذاته، بل يميل أكثر إلى التحليل، بيد أنني لا أقلل من شأن أدب الرجال، ولا أرفع من قدر أدب النساء؛ إذ تسود آرائي دائماً الوسطية الذهبية. وشخصياً، لا أحبذ تقسيم الأدب على أساس الجنس، فالمسألة لا تعدو كونها اختلافاً في الفهم والإدراك من شخص لآخر، وأرى أن الرجال أقدر على فهم واستشعار القصائد التي يكتبها الرجال، لا سيما في مواضيع معينة؛ لأنهم يفكرون ويرون الأشياء بالطريقة ذاتها تماماً. وكذلك الحال بالنسبة للمرأة، فهي تفهم المرأة بشكل أعمق، ومن ثمَّ تكون أكثر قدرة على تذوق الشعر الأنثوي واستيعابه، لكن الأمر الجوهري يكمن في أن الأدب الرفيع يستشعره الجميع. 

وكما ترون، فإن الأدب الرصين والشعر عالي الجودة يأتيان عندي في مرتبة تعلو على الفروق بين الجنسين، رغم وجودها في عالم الأدب. ولعل تركيزي على الجودة ينبع تحديداً من كوني رئيساً لهيئة التحكيم الدولية؛ فعند إعادة قراءة الأعمال وتقييمها، لا أنظر إلى هوية كاتبها، بل أقرأ العمل ذاته، فإذا كان جديراً، نال مني أرفع الثناء. وأدرك أن هذا التناول يمثل نهجاً أكثر احترافية للمسألة، وهو نهج راسخ لا يتغير. فلا يهم من كتب، بل الأهم هو كيف كَتَب!

هناك جيل واعد من الكتاب الشباب الطموحين الذين يكافحون لإخراج أعمالهم إلى النور، ما النصيحة التي تقدمينها لهم؟

هذا سؤال مهم جدا، كيف تلفت الانتباه إلى عملك؟ من الضروري المشاركة في المسابقات الأدبية. كما أن الدراسة في الدورات الأدبية ستكون بداية جيدة لهم؛ بالإضافة إلى لقاء جهابذة الكلمة والمؤلفين المرموقين، وخوض النقاشات، وحضور الدورات التدريبية، وتبادل الآراء، وتلقي المراجعات النقدية لأعمالهم. وبحسب تقديري، فإن نقد أعمالهم يكتسب قيمة بالغة الأهمية؛ فمن خلال النقد يتعلمون كيف يكتبون بشكل أفضل. لكن الأمر الأكثر أهمية هو أن يدرك المرء ما إذا كان يمتلك جذوة الموهبة الحقيقية أم أن الأمر مجرد هواية لنظم القوافي؟ يجب على المرء أن يسعى جاداً لكتابة شعر رفيع؛ فالشعر الرفيع سيفرض حضوراً ويلفت الانتباه إليه دائماً.

وبالطبع، لا مكان لليأس، أنت بحاجة للدراسة والارتقاء بمستواك، والاطلاع على كتب العروض والشعر، وقراءة الكثير من الأدب الكلاسيكي، والعمل الدؤوب على قصائدك لتطويرها؛ والبحث عن أجود الكلمات، وأبهى الاستعارات، وأبلغ التراكيب اللغوية، وأعذب القوافي، مع مراعاة الجرس الموسيقي للأبيات، وتنحيتها عن أي ركاكة، كما ينبغي إعادة قراءة القصائد بعد فترة من الزمن لتنقيحها وإزالة ما شابها من غلاظة أو جفاء. هذه هي النصائح الأساسية، ولا أظنها سراً يخفى على أحد. ولا يسعني سوى أن أتمنى لكم المثابرة والصبر؛ فالقبول بين الناس سيشق للشعر الرفيع طريقه بنفسه.

الأدب والشعر تراجع تأثيرهما عالمياً

كيف تقيمين الوضع الراهن للحركة الأدبية العالمية؟

إن الحركة الأدبية العالمية تمور بالحراك والنشاط. ويقول البعض إن الأدب والفن في حالة تراجع، بيد أنني لا أشاطرهم هذا الرأي. نعم، لقد تغير الأدب والثقافة والفن، وسوف يستمر هذا التغيير؛ لكنه ليس تراجعاً، بل هو مجرد اختلاف. فالبشر، والعالم، والقيم، والرؤى، والأذواق، والآراء، كلها قد تغيرت. لكن هذا التغير جعل الحركة الأدبية العالمية أرحب أفقاً وأشد تنوعاً، وهذا يعني أنها باتت أكثر ثراءً؛ حيث أخذت تبرز أجناس أدبية، وأنماط، وتقنيات جديدة، وغيرها.

ومع ذلك، لم يُلغِ أحدٌ الأدب الكلاسيكي؛ فقد كان، ولا يزال، وسيبقى، كل ما في الأمر أن البالغين بحاجة أن يتعلموا كيف يتكيفون مع العصر الجديد، والحركة الأدبية العالمية اليوم تمر بمرحلة جيدة ومبشرة للغاية، وعلى موجة من التطور؛ فالأدب والفن يزدهران بشكل ملحوظ، ويحظيان بإقبال كبير من الشعوب، وحتى إن ألقت النزاعات الدولية والأجواء المشحونة بظلالها، فلن يستطيع البشر العيش دون أدب، ودون شعر، ودون فن، ودون غناء. ومن هنا تنبع المهرجانات، والمسابقات، والمنتديات، واللقاءات، والأمسيات، والحفلات الموسيقية، وحفلات تدشين الكتب، والتخيلات الأدبية، والخطط الجديدة، والآمال المتجددة. لذا، فإن كل شيء يمضي نحو السمو والارتقاء، كما ينبغي له أن يكون؛ وهذا أمر يبعث في نفسي السعادة.

باعتبارك عضوا في العديد من الاتحادات الأدبية الدولية، ومشاركا في مهرجانات شعرية عالمية، كيف ترين حضور الأدب، وبخاصة الشعر، في المحافل الدولية؟

هنا مكمن التعقيد في المسألة بحسب تقديري. فبالنظر إليها من زاوية عالمية، نجد أن الأدب، والشعر على وجه الخصوص، قد تراجعا عملياً إلى المقاعد الخلفية، وباتا يفتقران إلى التأثير على المسرح العالمي اليوم.

لقد حدث «انزياح تكتوني» في معايير تقييم الروائع الأدبية؛ والجميع يعلم أن سطوة المال هي ما يحكم العالم الآن، وليس الأدب، أو الشعر، أو الفن، أو الثقافة، أو الأخلاق، وما إلى ذلك. ولهذا السبب، ضعف تأثير الأدب على المجتمع الدولي. ومع ذلك، يحدوني الأمل في حدوث تحول ارتدادي يعيد للأدب والفن والثقافة والجوانب الإيجابية الأخرى ألقها؛ وأرى أن هذه الأوقات العصيبة ستنجلي، ليعود الشعر مجدداً ويلهمنا بمستقبل إيجابي، طيب، يسوده السلام والجمال. وإنني لأومن بهذا إيماناً راسخاً.

نلتِ العديد من جوائز وشهادات التقدير والأوسمة. هل تعتقدين أن التكريمات والجوائز نقطة تحوّل في مسار الكاتب، أم أنها مجرد محطة عابرة؟

هل هي نقطة تحول حاسمة ونهائية في مسيرة الكتابة؟ كلا، على الإطلاق! فشأني شأن أي إنسان، وشأن كل كاتب، وشاعر، وشخصية أدبية، وسفير للسلام؛ هناك دائماً ما أصبو وأسعى لتحقيقه. فما زال هنالك الكثير جداً مما لم أخطّه بعد، والكثير مما لم أنجزه أو أنشره بعد، وأمامي مئات المسارات والآفاق الجديدة، لكنني أعاني شحّاً شديداً في الوقت؛ إذ أتمنى لو كان في اليوم اثنتان وسبعون ساعة على الأقل، ومع ذلك، ربما لم يكن هذا الوقت ليكفيني لأتمّ كل ما خططت له، لذا، فإن مستقبلاً مشرقاً ينتظر مسيرتي الإبداعية.

مشروع الرابطة الأدبية الدولية

لقد أسست مشروعا أدبيا وثقافيا مهما يتمثل في الجمعية الأدبية الدولية «Creative Tribune» هل يمكنك تسليط الضوء على رؤية هذا المشروع وأهدافه؟

إن رابطتنا؛ الرابطة الأدبية الدولية “المنبر الإبداعي” هي منظمة مستقلة، غير سياسية، وتطوعية تجمع بين أعضائها، وهي مؤسسة غير ربحية ولا تهدف إلى تحقيق مكاسب مادية. وترتكز أنشطة الرابطة على مبادئ العمل التطوعي، والمساواة، والشرعية القانونية. وتمتلك الرابطة ختماً رسمياً، وأوراقاً خطية مروّسة تحمل اسمها وبياناتها، وشعارات، وميثاقاً (نظاماً أساسياً)، وموقعاً إلكترونياً رسمياً، ومجلساً للرئاسة، ومجموعات على منصات التواصل الاجتماعي. والباب فيها مفتوح لانتساب أعضاء جدد من أي دولة في العالم.

ويتمثل الغرض الرئيسي للرابطة في توحيد جهود شتى مجالات الإبداع والأدب والفن، والمهتمين، ورواد الأعمال، والهيئات المعنية على كافة مستويات النخبة المثقفة والمبدعة، فضلاً عن الاتحادات والأكاديميات والروابط والمجموعات الإبداعية، والمستثمرين، وغيرها من المنظمات والهياكل ذات الصلة؛ وذلك لخلق مناخ ملائم لنمو الأدب والفن والأنشطة الثقافية على الصعيد الدولي.

وتتلخص أهداف الرابطة في توطيد العلاقات على أسس أدبية وفنية وثقافية؛ وتوسيع آفاقها وتطويرها عبر تبادل القيم الثقافية الجديدة؛ وصون الأدب والفن الكلاسيكي واحترامه؛ والتفاعل مع هيئات النشر والطباعة والتعليم؛ وعقد الاستشارات وتنظيم المسابقات؛ والارتقاء بالمستوى الفني الرفيع للأعمال وبشتى صنوف الإبداع؛ وتعزيز تشكيل الوعي الثقافي والأدبي ورفع مستواه من خلال المسابقات (بما فيها الرقمية عبر الإنترنت)، والدورات التدريبية، والمقالات العلمية، والتحفيز. وعلاوة على الحوافز الأخرى، يجوز منح أعضاء الرابطة لقب عضو شرفي في الرابطة، وهو لقب يقترحه الرئيس ويصادق عليه مجلس الرئاسة.

ولسوء الحظ، لا نحظى بدعم مالي من الدول؛ ولهذا السبب نوجه الدعوة للرعاة المهتمين بالعلاقات الثقافية وتطويرها بين البلدان للمشاركة والتعاون. وحين يتوفر الرعاة، ستُترجم بالتأكيد مشاريع جديدة ورائعة على أرض الواقع، وتعمل الرابطة بنجاح منذ سنوات عديدة، ولها حضورها الطاغي وشعبيتها الواسعة دولياً؛ إذ تجمع مشاريعنا التنافسية المواهب من شتى أرجاء المعمورة، لتذيب الفواصل والحدود بين الدول والقارات، وفي كل عام، تستقطب مسابقاتنا الأدبية متعددة اللغات، مثل مسابقة «والت ويتمان» السنوية ثنائية اللغة، ومسابقة «فريدريش شيلر» الأدبية متعددة اللغات (بثلاث لغات)، حشوداً من المشاركين من جميع أنحاء العالم، لتشكل مجتمعاً دولياً بحق. وقد نالت مسابقات رابطة (ILACT) اعترافاً دولياً بوصفها واحدة من أكثر المنصات المرموقة لاستعراض المهارات الاحترافية؛ فالمرتبة الفائزة في مسابقاتنا الأدبية تحظى بتقدير رفيع من قِبل الخبراء، وتفتح الآفاق أمام المشهد المهني العالمي، ونحن نرسخ معايير دولية من خلال إشراك نخبة من كبار الخبراء في العالم في عمليات التقييم والتحكيم.

إن المشاركة في مشاريع بهذا الحجم تمثل حافزاً قوياً للنمو المهني والإبداعي المشهود له عالمياً. وتسير رابطتنا بدقة متناهية وفقاً لنظامها الأساسي؛ وهو متاح، إلى جانب معلومات أخرى حول أعمال الرابطة، عبر موقعها الرسمي (ILACT). وكذلك عبر صفحتنا على فيسبوك.

كيف تنظرين إلى المرحلة المقبلة من تجربتك، وما المشروع الذي ترغبين أن يترك أثرًا طويل المدى في المشهد الثقافي؟

إن المرحلة القادمة من مسيرتي الإبداعية لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ فبوسعي أن أحلم بأشياء كثيرة، لكن المعتاد أن الأحلام لا تتحقق كلها، أو على الأقل ليس بأكملها، وبعضها قد لا يتحقق أبداً، كما أنه ليس من العادة الكشف عن الخطط الإبداعية مسبقاً. وبطبيعة الحال، تزدحم مخيلتي بالكثير من الأفكار، والمشاريع، والرؤى؛ لكن الوقت لا يتسع لكل شيء، نظراً لانشغالي الدائم بأعمال الرابطة. ورغم ذلك، فإن بعض المشاريع الأخرى ترتبط بالرابطة أيضاً؛ وهذا يعني أن رابطتنا (ILACT) تتطور بنجاح وسوف تواصل مسيرة نموها مستقبلاً عبر مشاريع جديدة. ويحدوني الأمل في أن تظل أنشطة الرابطة إرثاً راسخاً طويل الأمد في المشهد الثقافي، وعلاوة على ذلك، فإن الخطط الإبداعية الشخصية كثيرة، وأنا أعمل على ترجمتها وتطبيقها تدريجياً كلما غدت جاهزة للتنفيذ.

كلمة منك توجهينها لقراء موقع حانة الشعراء.

أود أولاً أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير لهيئة تحرير «حانة الشعراء»، ومحررتها المتميزة حنان عبد القادر؛ على اهتمامهم البالغ بأعمال رابطتنا وبمسيرتي الإبداعية. إنه لشرف عظيم لي أن أُقَدَّم في بلدكم الرائع، الضارب بجذوره في أعماق التاريخ والسحر، وأن ألتقي بقراء جدد تغمرني السعادة الغامرة بلقائهم.

وإلى قراء «حانة الشعراء»، وليس لهم فقط، بل لجميع الناس، أود في المقام الأول أن أتمنى السلام والازدهار. لقد أصبح عالمنا هشا وغير مستقر. في هذا الوقت العصيب، ينصرف معظم الناس عن عالم الأدب والثقافة والفن وكل شيء جميل يجب أن يملأ روح الإنسان. لقد انشغلنا عن الخلق والبناء والإبداع. ويجب بذل جهود كبيرة لإيجاد وقت للتطور الروحي. ولكن في التطور الروحي، من خلال الثقافة والأدب والفن، يمكننا الحفاظ على الشيء الأكثر قيمة للأجيال القادمة – السلام!


قصائد مترجمة للشاعرة: الطريق الأبيض – الحب دائمًا على حق – لا تحتفظ بالضغائن

الدكتورة ناتالي بيسو؛ شاعرة ألمانية، وروائية، وكاتبة مقال، ومؤلفة أغاني، وناقدة. قامة شرفية في الأدب والفنون العالمية، ودكتورة في العلوم، وعضو في أربع أكاديميات، ومؤسِسة ورئيسة الرابطة الأدبية الدولية “المنبر الإبداعي” (ILATT / ILACT)، والرئيسة عابرة القارات للجنة جائزة النبلاء الحائزين على جوائز رفيعة. حائزة على العديد من الأوسمة والجوائز الدولية، بما فيها تلك التي تُمنح تحت رعاية منظمة اليونسكو.

اترك رد