اللوحة: الفنانة الكندية جيل دوبوك
في زمن يضج بالكلام، يأتي شعر يهمس. لا يشرح ولا يبرر. يضع أمامك لقطة ويمضي. هذا هو الهايكو، وهذا ما تفعله المجموعة التسع التي بين أيدينا. هنا الكرز ليس شجرة فقط. هو تقويم وجودي، وساعة رملية نقيس بها عمرنا.
اللقطات الأولى: دورة حياة زهرة
تبدأ الحكاية بهدوء:
تحتَ الكرزِ
ظلّانِ على العشبِ
ريحٌ خفيفةٌ.
لا أسماء ولا قصص. ظلان فقط. وهذا الحذف هو سر الجمال. فبترك التفاصيل يصبح النص مرآة. قد يكونا عاشقين أو صديقين أو ذكرى من الطفولة. الريح الخفيفة تمر فتذكرنا أن كل شيء عابر.
ومع غروب الشمس يدخل التعب:
غروبُ الشمسِ
ظلالُ الكرزِ تتمدّدُ
على حصى النهرِ.
ظل الشجرة يتمدد كما يتمدد الحزن فينا آخر النهار. فعل “تتمدد” يمنح الطبيعة جسداً إنسانياً، لا أحد يتكلم عن الوجع، لكننا نراه على الحجارة.
ثم يأتي التطهير:
مطرٌ ربيعيٌّ
يغسلُ وجهَ الكرزِ
تتلألأُ القطراتُ.
المطر لا يسقي فقط. يغسل. واللمعان الأخير للقطرات هو قمة الجمال الياباني “مونو نو أواره” أي الإحساس بالزوال. نحن نحب الشيء لأنه سيسقط بعد لحظة.
وفي الليل:
ليلةٌ هادئةٌ
غيمٌ يتكدّسُ
رائحةُ الكرزِ.
هدوء في الخارج وتوتر في الداخل. وبعد أن رأينا الكرز صار لنا أن نشمه. الشاعر يبدل الحواس ليقول إن الذاكرة تسكن في الأنف كما تسكن في العين.
وتختم الدورة بمشهد الفناء:
فجرُ الربيعِ
بتلةُ كرزٍ
على حافرِ حصان.
الفجر بداية والبتلة نهاية. والمفارقة موجعة: أضعف شيء في الطبيعة يستقر على أقوى شيء. القوة تحمل الضعف وتمضي بلا سؤال.
اللقطات الثانية: الإنسان في مواجهة الزمن
هنا يتسع الإطار. يغيب الكرز ويحضر الإنسان.
الشمسُ تغيبُ
على عتبةِ الشيخوخةِ
أوراقُ الخريفِ.
ثلاث كلمات تختصر عمراً. غياب الشمس هو غياب العمر. “العتبة” لا عودة منها. وأوراق الخريف نحن. لا صراخ ولا رثاء. فقط حقيقة توضع أمامك كما هي.
في صمتِ الغابةِ
صدى خطواتٍ
يوقظُ العصافيرَ.
الإنسان غائب لكن أثره حاضر. خطوة واحدة تكفي لإيقاظ عالم كامل. النص يسألنا: ما الأثر الذي نتركه ونحن نمر؟
ضوءُ القمرِ
على صفحةِ البحيرةِ
قاربٌ بلا مجدافٍ.
صورة الاستسلام. لا إرادة ولا اتجاه. القارب محمول على الضوء وعلى الماء. حال كثيرين منا ننتظر يداً تقودنا.
ثلجٌ يتساقطُ
على كتفِ التمثالِ
صمتُ التاريخِ.
الخاتمة قاسية. الزمن لا يرحم حتى ما صنعناه للخلود. الثلج يغطي، والصمت يحكم. لا يبقى إلا ما كان طبيعياً.
ما الذي يجعل هذه النصوص جميلة؟
أولاً: اقتصاد اللغة. سبعة عشر مقطعاً في كل نص تقريباً. لا زوائد. الشاعر يحذف نفسه ويترك المشهد. وهذا الفراغ يملأه القارئ من تجربته.
ثانياً: اللحظة الآنية. لا قبل ولا بعد. كل نص ومضة. ريح، غروب، بتلة، خطوة، ثلجة. وهذا ما يمنحها نبضاً. فهي تحدث الآن.
ثالثاً: التنافر الصامت. هدوء مقابل غيم يتكدس. فجر مقابل بتلة ساقطة. صمت مقابل صدى. الحركة الصغيرة داخل السكون الكبير هي سر الهايكو.
ما أود قوله هنا:
أن هذه النصوص لا تطلب منك أن تصفق. تطلب منك أن تصمت بعدها. لأن الكلام بعدها يصبح ثقيلاً.
في ملاحقنا الثقافية، ومنصاتنا ذات الاهتمام بالشأن الإبداعي والثقافي، نحتاج هذا النوع من الشعر الذي لا يستهلك بسرعة. نحتاج نصاً نتركه على الطاولة ونعود إليه كلما مرت بنا ريح خفيفة، أو غابت شمس، أو سقطت منا ورقة.
لأننا في النهاية… كلنا بتلات على حافر الزمن.
النصوص مختارة من منصة حانة الشعراء.
