اللوحة: الفنانة الكندية لويز لافالي
تتناهى رائحة الإسمنت من الكُوى المخلوعة. يقف هناك، على أطراف شرفةٍ تنحشر في الفراغ كسنٍّ مخلوعة. المدينة تلخّص نفسها في كومة حصى رمادية تبتلع ظله. بأصابع مرتعشة، لا لسبب سوى فرط اليباس، يدسّ جذرًا غضًّا في جوف فخارٍ مشقّق، كأنما يحاكم الخراب بعبثيةٍ مضاعفة.
الأيام لا تمرّ؛ إنها تتقشّر ببطء، كجلدٍ يبلد تحت وطأة الفصول؛ صقيعٌ ينهش العظم، وقيظٌ يغلي في الحصى. كان يقطّر في النبتة ما تبقّى من شحوب روحه، نقطةً تلو نقطة، بانتظامٍ آلي يشبه العدّ التنازلي لشيءٍ لا يجيء. يتقدّم بوثوقٍ غامض، فيما يظل اليأس معلّقًا عند خطاه؛ عالقًا بين انكماش الذاكرة وتمدد الغبار.
حين تفتّحت البتلة، جاءت كطعنةٍ في عين العبث. انتشرت حولها غربةٌ حادّة في رئة الفراغ، وفي ذلك الوجود الفجائي المكلّل بالحمرة، تحوّلت الزهرة الوحيدة إلى مرآةٍ عارية تعكس صراع الإنسان الأبدي مع المجهول.
ظلّ يتأملها طويلًا. اقترب منها حتى صار وجهه يلامس ظلّها على التراب. سألها في سرّه:
– أأنتِ حياةٌ حقًّا؟
ارتجف شيءٌ في داخله، كأن السؤال لم يكن موجّهًا إليها وحدها.
– أم وهمٌ يتربّص بهذا الخراب، ليمنحه قناعًا آخر؟
صمت قليلًا. كانت البتلة تتحرك مع نسمةٍ واهنة، فيما بقيت الأبنية المهدّمة حولها غارقةً في سكونها.
قال:
– ما الذي يدفعكِ إلى البقاء هنا؟ أهو إصرارٌ على الحياة، أم عجزٌ عن الرحيل؟
ثم ابتسم ابتسامةً لم تكتمل.
– وربما لا تعرفين شيئًا عن كل هذا. ربما تنبتين وحسب، كما يفعل الذين لا يملكون تفسيرًا لوجودهم.
رفع عينيه نحو الأفق. كان الضوء يتسلل من بين الغيوم بلونٍ باهت، كفجرٍ لم يحسم أمره بعد.
– وهذا الضوء… أهو وعدٌ؟
سكت، ثم أردف:
– أم وجهٌ آخر للألم، أكثر لطفًا وأشدّ خداعًا؟
عاد ببصره إلى الزهرة. لم تجبه. كانت تكتفي بأن تفتح بتلاتها الصغيرة في قلب الرماد.
قال، كمن يسلّم سؤاله الأخير إلى الصمت:
– هل البقاء وسط الرماد إعجازٌ يستحقّ المكابدة، أم عقابٌ أُبقيَ لي كي أواصل حراسة الخراب؟
ظلّ واقفًا أمامها.
وللمرة الأولى، لم يبحث عن جواب.