اللوحة: الفنانة الأمريكية سالي هو
الشتاءُ قارسُ البردِ ينخرُ العظمَ، والطرقاتُ موحلةٌ بفعلِ المطرِ، والشمسُ مختبئةٌ خلف البيوتِ الرماديةِ. ولأن السعادةَ تعني صحةً جيدةً وذاكرةً سيئةً، فقد وهنت ذاكرتُه مثل قنديلٍ شحَّ من الزيت، تطاردُه ملامحُها المتدفقةُ عذوبةً، والخادشةُ مرايا القلبِ.
وحده والمطرُ في منتصفِ اليأس، والريحُ الشديدةُ تستهدفُه وتهزُّه بغلظةٍ، والليلُ يمنحُه دهشتَه الأخيرةَ؛ يدخلُ في عتماتٍ متحركةٍ، لا يدري أين يذهب؟ عيونُه تمسحُ “اللاشيء”، وأقدامُه تنغرسُ في الوحلِ واللامكان. كثيرُ السفرِ تتبعُه الأمكنةُ والحكاياتُ، وغيابُ حبيبتِه التي تزوجت غيرَه، وأطاحت بكلِّ المواثيقِ والعهودِ. أيُّ قسوةٍ تجعلُ العازفَ يمزقُ أوتارَ القوسِ ويعزفُ بأوتارِ قلبِه الموجوعِ؟ ولماذا رسائلُ العشقِ تخطئُ أصحابَها ولا تصلُهم؟
لم يتوقف عن قراءةِ “دفتر الشمسِ” كلَّ صباحٍ، حتى كان يومٌ التقى فيه بحبيبتِه صدفةً، أو هي الأقدارُ التي رتّبت لهذا اللقاءِ في القطارِ. كيف صدّق في الحكاياتِ موتَ العصافيرِ والأغنياتِ؟ عيناها تبتسمانِ في محاولةٍ يائسةٍ لكبحِ الدموعِ. الفرحُ إذا سعيتَ إليه راوغكَ، وإذا لم تسعَ إليه باغتكَ. كأنَّ القطارَ فرغَ من كلِّ الركابِ ولم يبقَ غيرُهما؛ لم تكن مجردَ امرأةٍ، بل كانت امرأةً وحقبةَ عمرٍ. عرفت منه أنه لم يتزوج بعدُ، أما هي فقد أصاب زواجَها الفشلُ. هي من اختارت، ولا ينبغي له أن يأسفَ على شطرٍ من حياتِها؛ ينبغي أن تعيشَ الوحدةَ والألمَ كما عاشَها. لن يعيدَها، ولن يكملَ معها، فقدمُه موغلةٌ في الأصفادِ، والكلامُ هرب من فمِه كالغزلانِ المذعورةِ.
تغادرُ القطارَ، تصحبُها الخيباتُ، وسط دهشتِه أمام غرائبيةِ الأقدارِ والصدفِ، يقلّبُ في دفاترِ الوجعِ والغيابِ.
