اللوحة: الفنان البرازيلي لينكولن ماغالهايس
كنت أجري بعض التحليلات الطبية في أحد المعامل الشهيرة، وسمعت الموظفين يتحدثون عن بعض الأطباء، وامتد الحديث حتى دفعني الفضول إلى أن أسأل أحدهم: ما نسبة الأطباء الذين يتلقون أموالًا مقابل التحاليل التي تأتي من عياداتهم؟ هل هم الثلث مثلًا؟ فأجابني: أغلبهم، وربما يزيدون على تسعين بالمئة.
لم أتعامل مع الرقم باعتباره إحصاءً علميًا، لكنه ظل عالقًا في ذهني؛ لأنني كنت أسمع للمرة الأولى، بهذه الصراحة، عن علاقة مالية خفية بين الطبيب والمعمل.
ثم ذهبت إلى أحد أطباء القلب للمتابعة، فوجدته يغيّر عددًا من الأدوية التي أتناولها. اشتريت الأدوية الجديدة من الصيدلية الموجودة أسفل العيادة، إذ من الطبيعي أن تحرص الصيدلية على توفير الأدوية التي يصفها الطبيب. لكن كثرة التغييرات أثارت شكي، خصوصًا أن حالتي لم تكن قد شهدت تطورًا يبرر طفرة مفاجئة في العلاج. فبحثت وسألت بعض المتخصصين عن الفروق بين الأدوية التي أوقفها الطبيب وتلك التي استبدلها بها، فاكتشفت أن المادة الفعالة واحدة، وأن الفارق الأساسي هو اسم الشركة المنتجة.
ومع ذلك التزمت بتعليمات الطبيب، وتناولت الدواء الجديد، ولم تسر الأمور على نحو مختلف؛ لا تحسنًا استثنائيًا ولا تدهورًا مفاجئًا. لكن السؤال بقي.
ثم سألت واستقصيت، فعلمت أن هناك أطباء يتلقون مقابلًا ماليًا عن الوصفات التي تذهب إلى صيدليات معينة. وقال لي أحد الصيادلة ضاحكًا إن هذه المعاملة أصبحت عرفًا شائعًا في سوق الطب والعلاج.
أعجبني استخدامه كلمة «سوق».
فالطب، وغيره من الأنشطة الإنسانية، ينحرف شيئًا فشيئًا حين تتحول المهنة من رسالة لها قواعدها الأخلاقية إلى سوق تحكمه العمولة، والمصلحة، والقدرة على استثمار الموقع المهني.
وهنا لا أتحدث عن كل طبيب، ولا أزعم أن كل تغيير في الدواء سببه عمولة، ولا أن كل دواء من شركة معينة أقل جودة من غيره. القضية التي تستوقفني أوسع من ذلك: ماذا يحدث للقيمة الأخلاقية للمهنة حين تدخل المصلحة المالية الخفية إلى القرار الذي يفترض أن يحكمه الضمير وحده؟
***
اصطحبت أحد أفراد الأسرة إلى طبيب كبير بسبب الاشتباه في أحد أمراض المناعة، وفوجئت بأن العيادة تحتوي على غرفتين؛ إحداهما للطبيب، والأخرى لمركز تحاليل.
بعد الكشف الدقيق، أوصى الطبيب بعدد كبير من التحاليل، وكانت كلها تبدو ضرورية، وأخبرته أنني مشترك في مشروع للرعاية الصحية تابع لنقابتي.
فقال لي: لا بأس، ولكن المعمل الموجود هنا يعرفني جيدًا، ويجري الاختبارات بطريقة تجعلني أعالج المرض بدقة أكبر، ولو طلبت إعادة الاختبار فسوف يعيده.
كان كلامه يعني، على الأقل من وجهة نظره، أن الثقة في المعمل جزء من دقة التشخيص.
لم أجادله، خصوصًا أن أمراض المناعة ليست مجالًا سهلًا للمغامرة، وخضعت لنصيحته.
لكن الموقف أضاف سؤالًا جديدًا إلى الأسئلة القديمة: أين تنتهي الثقة المهنية، وأين تبدأ المصلحة المتبادلة؟
***
وفي لقاء عائلي، جرى حديث بيني وبين شاب يعمل في إحدى شركات الأدوية. تطرق الحديث إلى أساليب الترويج للأدوية، وما يُقدَّم لبعض الأطباء من ولائم ومغريات وحوافز للتوصية بأدوية الشركة.
انزعج الشاب بشدة، وظل يدافع عن هذه الممارسات. كان يكرر حجة تبدو منطقية للوهلة الأولى: الطبيب يوصي بالدواء، لكنه دواء صحيح، ومادته الفعالة معروفة، وقد جُرّب، والشركة محترمة، والمريض لم يتضرر.
قلت له: ولكن هل هذا هو السؤال؟ هل الطبيب طبيب فقط، أم أصبح طرفًا في عملية بيع؟
لقد حصل على أجره كاملًا مقابل الكشف على المريض، وتشخيصه، ووصف العلاج. فما الذي يدفعه إلى أن تكون له مصلحة مالية أخرى في اسم الشركة أو الصيدلية أو المعمل؟
حتى لو كان الدواء صحيحًا، وحتى لو لم يتضرر المريض مباشرة، فإن وجود مصلحة مالية خفية في القرار الطبي يخلق تعارضًا في المصالح، ويشوّش استقلال القرار.
ثم سألته: إذا كتب الطبيب دواءً وهو يعلم أن وراء هذا الاسم شركةً تربطه بها مصلحة مالية، فهل يمكن أن نقول إن القرار الطبي أصبح نقيًا تمامًا من المؤثرات؟
كان الحوار ساخنًا، وكان يدافع باستماتة عن مهنته، ويكرر الجملة نفسها: «ولكن المريض لم يتضرر».
فقلت له: «ربما لم يتضرر المريض هذه المرة، ولكن القيم تضررت».
وهنا، في رأيي، تبدأ القضية الحقيقية.
فالقيم لا تُقاس فقط بالنتيجة المباشرة. قد تمر معاملة بلا ضحية ظاهرة، لكنها تفتح بابًا في الضمير. وما يبدو اليوم استثناءً صغيرًا قد يتحول غدًا إلى عرف، ثم يصبح العرف قاعدة، ثم يصبح الاعتراض عليه هو الشيء الغريب.
وحين رأيته يتألم من الحوار، قال لي: ولكن معظم وظائف الصيادلة من هذا النوع، فماذا يفعلون؟
قلت له: لا تنزعج، فالقصة أصبحت أوسع من الصيدلة والطب. نحن أمام عدوى اجتماعية لا تخص مهنة واحدة؛ عدوى تحويل الوظيفة والمهنة والعلاقة الإنسانية إلى سلسلة من العمولات والوساطات والمصالح المتبادلة.
وهذا يشبه، في جانب منه، الصراع القديم حول العمل في البنوك والربا والمعاملات المالية. ظل الناس يتجادلون طويلًا حول الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام، وبين الضرورة والاختيار، حتى أصبح من الصعب على الإنسان أن يعيش في المجتمع الحديث دون أن تمر حياته، بصورة أو بأخرى، عبر المؤسسات المصرفية.
ومهما اختلفنا في التفاصيل، تبقى هناك حقيقة مهمة: الإشكالات الأخلاقية الكبرى لا يستطيع الفرد وحده أن يحلها.
الحكومات، والنخب، وأصحاب الرأي والقرار، هم الذين يملكون القدرة على وضع القواعد التي تمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الوظيفة والمصلحة الشخصية.
أما نحن، فربما لا نملك إلا الوعي. وأقل ما يمكن أن يفعله الوعي ألا يجعلنا نعتبر الأمر الشاذ من طبائع الأمور.
***
ولأن القضية أكبر من الطب، تذكرت قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى الخلافة.
يُروى أنه لم يرَ أن انشغاله بأمر المسلمين يعفيه من السعي إلى رزق أهله، فكان يخرج إلى السوق ويتاجر. فرآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستنكر أن ينشغل خليفة المسلمين بتجارته، وسأله كيف يتفرغ لأمر الناس وهو يذهب إلى السوق.
فأجابه أبو بكر بمعنى واضح: فمن أين أطعم عيالي؟
عندها اجتمع الصحابة، ورأوا أن يُفرض له من بيت المال ما يكفيه ويكفي أهله، حتى يتفرغ للخلافة.
تتعدد روايات هذه القصة في تفاصيلها، لكن معناها الأخلاقي لافت: أن يتفرغ صاحب المنصب لخدمة الناس، وأن يكون المال الذي يحصل عليه بسبب منصبه معلوم المصدر والقدر، لا بابًا مفتوحًا للمنافع الشخصية.
وتذكر الروايات أيضًا أن أبا بكر رضي الله عنه، في آخر حياته، أوصى برد ما زاد في ماله بسبب ولايته إلى بيت المال.
وهنا يصبح المنصب شيئًا مختلفًا تمامًا عن الغنيمة.
المنصب مسؤولية تفرض على صاحبها حقًا للناس، لا حقًا في أموالهم.
وهذه الفكرة تقترب بصورة لافتة من مفهوم حديث نعرفه اليوم باسم الذمة المالية وتعارض المصالح؛ أن يعلن صاحب الوظيفة العامة ما يملكه من أموال وعقارات ومصالح، حتى يمكن تفسير أي زيادة تطرأ على ثروته لاحقًا.
فليست المشكلة أن يزداد مال المسؤول؛ فقد تكون الزيادة مشروعة ومبررة.
المشكلة أن يتحول المنصب إلى طريق لثروة لا يستطيع صاحبها تفسيرها.
وكأن السؤال الذي كان حاضرًا في ذهن أبي بكر: «من أين أطعم عيالي؟» ينبغي أن يقابله في الدولة الحديثة سؤال آخر: «ومن أين جاءك هذا المال؟»
وفي الحالتين يحضر المبدأ نفسه: المال العام ليس مالًا شخصيًا، والمنصب لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر ثراء غامض.
***
ومن أبلغ ما يكشف حساسية الإسلام المبكرة تجاه المال المرتبط بالوظيفة، قصة ابن اللتبية، وكان عاملًا على الصدقة، فلما عاد قال: «هذا لكم، وهذا أُهدي لي».
ولم يكتفِ النبي ﷺ بمعالجة الأمر باعتباره خطأً شخصيًا، بل سارع إلى تنبيه الناس إلى خطورة المبدأ نفسه، فأمر بالنداء ليجتمع الناس بالمسجد، ولم يذكر اسم الرجل، وقال: «أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟».
لم تكن المشكلة في الهدية وحدها، بل في الصفة التي جعلتها تصل إليه. هل كان سيحصل عليها لو لم يكن موظفًا في هذا الموقع؟
وهنا تظهر الفكرة التي نعرفها اليوم باسم تعارض المصالح: أن تتحول الصفة الوظيفية إلى باب لمنفعة شخصية لم يكن صاحبها ليحصل عليها لولا منصبه.
لقد أدرك النبي ﷺ خطورة الأمر مبكرًا؛ فبدل أن ينتظر تحول الاستثناء إلى عرف، سارع إلى إغلاق الباب من جذره. وهذه الفكرة هي نفسها التي تحاول القوانين الحديثة أن تحميها من خلال قواعد تعارض المصالح والإفصاح عن الذمة المالية؛ لأن حماية النزاهة لا تبدأ بعد اكتشاف الجريمة، وإنما تبدأ بمحاولة منع المنطقة الرمادية التي تسمح للمصلحة الخاصة بأن تختلط بالمصلحة العامة.
***
ولذلك أعود إلى الطبيب.
الطبيب الذي أقسم قسم أبقراط طبيب، وليس تاجرًا ولا سمسارًا.
ولا يعني هذا أن الطبيب لا يجوز له أن يكسب المال؛ بل من حقه أن يحصل على أجر عادل مقابل علمه ووقته وجهده.
لكن هناك فرقًا أخلاقيًا كبيرًا بين أن تكسب من مهنتك، وأن تكسب من النفوذ الذي تمنحك إياه مهنتك.
الطبيب له أجره من المريض. والصيدلي له ربحه من بيع الدواء. والمعمل له أجره من التحليل.
لكن حين تتشابك هذه الدوائر بحيث يصبح الطبيب مستفيدًا ماليًا من اختيار الصيدلية أو المعمل أو الشركة، فإن المهنة تبدأ في فقدان حدودها.
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بمقدار العمولة، ولا بسعر الدواء، ولا حتى بكون المريض قد تضرر بالفعل.
المسألة أعمق.
المسألة أن القرار الذي يفترض أن يصدر من الضمير أصبح له سعر آخر في السوق.
وحين يحدث ذلك مرة، يمكن تبريره. وحين يتكرر، يصبح عرفًا. وحين يصبح عرفًا، يتوقف الناس عن رؤيته.
وعندها تبدأ أخطر مراحل الفساد: أن يصبح الفساد نفسه عاديًا.
القيم لا تتجزأ؛ فإذا قبلنا أن تدخل المصلحة الخفية إلى مهنة يفترض أن يحكمها الضمير، فلن تبقى المشكلة في الطب وحده. ستنتقل العدوى إلى المحاماة، والهندسة، والتعليم، والقضاء، والإدارة، وكل مهنة تقوم أصلًا على الثقة.
وعندها يصبح المجتمع كله سوقًا كبيرًا، ويصبح كل صاحب موقع يبحث عن العمولة المناسبة، وكل صاحب خدمة يبحث عن الوسيط المناسب، وكل صاحب مصلحة يبحث عن الباب الذي يمكن أن يدخل منه.
لا تسقط القيم دفعة واحدة. إنها تسيح.
تذوب قطرة بعد قطرة، مع كل تبرير صغير، وكل منفعة «لا تضر أحدًا»، وكل باب نقول عنه: لا بأس، فالناس جميعًا يفعلون ذلك.
حتى يأتي يوم لا نعود فيه نسأل: هل هذا صحيح؟
بل نسأل فقط: كم يدفع؟
