اللوحة: الفنان الجورجي مارتين أشيخاتويف
لا تنام…
تظل مضاءة
بمصابيح الغياب،
كأن الليل حين مر من هنا
ترك فيها بعض أرقه،
فالطريق الذي حفظته صغيراً
كبر في غيابي،
وصار يخبئ أبوابه
وراء أبواب أخرى.
هنا
كان ظل أبي
أطول من المساء،
وكانت يده
تدلني على الطريق
بإيماءة.
وهنا
كانت أمي
تجمع النهار من على عتبة البيت،
تنفض عنه غبار التعب،
وتترك لي في المساء
رائحة خبز
تمتزج بعطرها.
كم كان العالم قريباً
حين كنا صغاراً…
كان يكفي
أن نركض خلف كرة من قماش
لنشعر أن الأرض
كلها ملعب.
وكان يكفي
أن تسقط قطرة مطر
كي نرفع وجوهنا للسماء
ونصدق
أن الغيم يعرف أسماءنا.
الآن
أمشي وحدي.
لا أحد يركض معي،
ولا الكرة القديمة
تنتظر عند الزاوية،
ولا السماء
تبدو قريبة كما كانت.
حتى الأشجار
التي كانت تعرف أسرارنا
كبرت كثيراً،
وصارت تخفي تحت جذوعها
ما لا تريد الذاكرة
أن تقوله.
في هذا الرصيف
ضحكة سقطت ذات مساء،
وما زالت
تتدحرج بين الحجارة.
وفي ذلك الرصيف
خطوة صديق
تأخرت عن موعدها
حتى الآن.
وهناك
نافذة أغلقت عينيها
قبل أن نعرف
لماذا كان الضوء
يخرج منها كل ليلة.
أرصفة الذاكرة
لا تحفظ الأشياء كما حدثت،
إنها تعيد تلوين الظلال
بحسب وجعنا.
تجعل الراحل
أقرب من الجالس،
والبعيد
أقرب من اليد،
واللحظة القصيرة
أطول من العمر.
لذلك
كلما عدت إلى الأمس
وجدته مختلفاً.
البيت أصغر،
والشارع أضيق،
لكن قلبي
كان أوسع.
أفتش في الجدران
عن مسمار صدئ
علقت عليه طفولتي،
وفي الأبواب
عن كف قديمة
كانت تفتح لي ألف باب.
أفتش في الغبار
عن أسماء
محاها المطر،
وعن وجوه
لم يبق منها
إلا الضوء.
يا للذاكرة…
ما أدهى أن تكون
مخزناً للأشياء
ومقبرة أيضاً.
كل ما ننساه
لا يموت.
يتحول إلى حجر
في قاع الروح،
ثم يأتي يوم
نمر فيه على رصيف عابر
فنسمع وقعه
في داخلنا.
أحياناً
أتوقف بلا سبب.
أشعر أن أحداً
ناداني باسمي القديم،
ذلك الاسم
الذي كانت تنطقه أمي
حين كنت أعود متأخراً.
ألتفت…
لا أحد.
فقط
ريح صغيرة
تمر بين خدوش الرصيف
تحمل معها
رائحة بيت بعيد.
أواصل السير.
لا أبحث عن شيء
بل أبحث عني
حين كنت هناك.
عن الطفل الذي أجهل وجوده الآن،
عن الصديق
الذي تركته خلفي
دون أن أودعه.
عن خطواتٍ ضاعت في المدى،
لكننا لا نعود كما كنا.
نحن الذين تغيرنا.
صرنا نعرف
أن بعض الطرق
لا تؤدي إلى مكان،
بل إلى زمن.
وأن بعض الأبواب
لا تفتح بالمفاتيح،
بل بالحنين.
وأن بعض الراحلين
لا يغادرون…
يغيرون فقط
مكان إقاماتهم
من البيت
إلى القلب.
في آخر الرصيف
مصباح وحيد.
أقفُ تحته،
أرى وجهي
على زجاج الليل،
فلا أعرف
هل هذا أنا
أم ذلك الطفل
الذي كبر كي يصل
إلى هذه اللحظة.
تعبتُ من هذا الركض الطويل،
تعبتُ وأنا أطاردُ ظلي…
فجأة
أسمع خطوات خلفي.
ألتفت…
يمر رجل يشبهني،
يحمل في يده
مساءً قديماً،
ويمشي مسرعاً
كأنه يخشى
أن تفوته طفولته.
أتركه يعبر.
لا أناديه.
فأنا أعرف الآن
أن الذاكرة
لا تستعاد.
إنها تمشي معنا،
على الرصيف نفسه،
بقدمين متعبتين،
وقلبٍ لا ينام.
وكلما ابتعدنا
عن البيوت الأولى،
اقتربت منا
أكثر.
حتى إذا بلغنا
آخر العمر…
سنكتشف
أن الطريق الطويل
لم يكن سوى
رصيف واحد،
وأننا
منذ الخطوة الأولى
كنا نمشي
نحو أنفسنا.