اللوحة: الفنان العراقي عبد القادر الرسام
كلمة الحمام هي اسم فاعل للفعل حمم يَحُمُّ فهو حَمَّام، كَسَخُنَ يَسْخُنُ فهو سَخَّان. انتشرت الحمامات في بغداد الأزل بشكل كبير وواسع حتى شملت جميع الحارات والمحلات، وأشهر تلك الحمامات منذ القدم وإلى فترة قريبة هي:
1- حمام أيوب 1713م في جانب الكرخ
2- حمام السيد يحيى 1400م في جانب الرصافة في سوق الغزل
3- حمام مرتضى القرن 18م في الكاظمية
4- حمام رؤوف 1880م في محلة المربعة
5- حمام المالح القرن19م في محلة القره غول
وهناك أسماء أخرى لحمامات انتشرت في أرجاء مختلفة من بغداد، أهمها في جانب الكرخ – حمام شامي وحمام الجسر بالقرب من مشهد بنات الحسن وحمام الجعيفر، وفي جانب الرصافة – حمام حيدر قرب سوق الشورجة وحمام كنجه علي مقابل سوق الصفافير وحمام كجو في باب الآغا ويونس في الميدان وعيفان والباشا قرب سوق الهرج والكهية والراعي في باب الشيخ وحمام القاضي بجانب المحكمة الشرعية في شارع النهر، وهو حمام يؤمه التجار ويشتهر بنظافته، وحمامات أخرى، ومنها ما تم استبدال اسمه كحمام الملك غازي وسمي بحمام الجمهورية.
للعراقيين مزاج معين في اختياراتهم، فلكل واحد منهم حمامه الخاص ومقهاه المفضل وصحيفته الخاصة وزعيمه الخاص الذي يستبدله مع تبدل الأوضاع، وكما يكون لكل منهم حمامه الخاص فيتعين كذلك اختيار مدلكجيه الخاص والذي لا يرغب باستبداله.
والحمامات على نوعين: حمامات خاصة للرجال وأخرى للنساء، وقد يصادف أن يكون الحمام للرجال وللنساء أيضاً، ويخصص وقت الصباح للنساء ووقت المساء للرجال.
يطلق على تلك الحمامات (حمامات السوك)، ولكل واحد منها مراسيم وأدوات خاصة. وحمام الرجال يتكون من مدخل يتصدره صاحب الحمام ويجلس على تخت خاص به وأمامه منضدة عليها صينية يضع فيها النقود، وبجانبه وحوله مجموعة من التخوت لجلوس الزبائن بعد الانتهاء من الاستحمام وتلقي عبارات (نعيماً آغاتي) فيرد عليهم: “أنعم الله عليكم وشكراً”، وبعدها يرتشف استكان الشاي أو الدارسين، وقد تسبق ذلك أحياناً أكلة كباب عراقي. وفي جانب آخر من المدخل يوجد المنزع، ويقوم الزبون بخلع جميع ملابسه ويسلمها إلى شخص يقوم بمهمة استلامها وتسليمه ثلاثة مناشف: الأولى تسمى (البشطمال) يلفها حول جسمه من منطقة الخصر، والثانية يغطي بها ظهره وصدره، والثالثة يغطي بها رأسه تسمى (الكطيفية)، ثم يذهب إلى فناء الحمام التي تغطى أرضيته بالقار، ويتوسطه حوض بداخله ماء ساخن، وتحيط بالحوض دكة عريضة من الآجر يستلقي عليها من أجل التعرق. وبعد أن يستنزف كمية من العرق يتوجه إلى (المدلكجي) وبدوره يأخذ بتدليكه بكيس من الصوف الخشن ويحاول أن يجمع من جسمه أكبر كمية من الفتالات ويريها له. وبهذه المناسبة تحضرني نكتة مصرية، وهي أن حضر أحد الصعايدة إلى مثل هذه الحمامات وأخذ المدلكجي يدلك جسمه ويخرج منه كميات كبيرة من الأوساخ والفتالات، وبعد محاولات عديدة من التدليك ظهرت الفانيلة التي كان الصعيدي يرتديها.
وعند انتهاء الزبون من كل تلك المراسيم يرجع إلى مكان المنزع ويسلم المناشف ويستلم ملابسه ويذهب لدفع أجرة الاستحمام والتي لا تتعدى بضعة فلوس مع البخاشيش. وتحضرني هنا نكتة يتداولها العراقيون من مجموعة نكات تتعلق بالحمامات والاستحمام، والنكتة قوامها هو أن أحد رجال الشرطة دخل الحمام بملابسه الرسمية لغرض الاستحمام، وتوجه إلى المنزع وخلع تلك الملابس، وعند الانتهاء من الاستحمام ذهب إلى المنزع فلم يجد سوى السدارة والنطاق والبسطال، فلم يكذب خبراً فارتدى تلك الأشياء وذهب إلى المحمجي واستعد أمامه، وبعد أن أدى التحية العسكرية قال له: (بالله عليك آني هيجي دخلت الحمام). والمثل يقول إن (الدخول إلى الحمام ليس مثل خروجه).
هذا هو حال حمامات الرجال، والأمر مختلف في حمامات النساء، فتتميز تلك الحمامات بالضجيج والهرج، وأدواته تختلف أيضاً، ومن مستلزماته وعددها (الركية)، وهي حاوية من المعدن تشبه الركية ولها غطاء، توضع بداخلها صابونة ركي وطين خاوة ومشط خشبي وكيس التدليك الخشن والليفة، وبعضهن يجلبن أدوات الزينة كالسبداج والخطاط والحمرة والديرم لطلاء الشفاه، وهو من لحاء بعض الأخشاب ويعطي للشفاه لوناً بنياً غامقاً. ومن المستلزمات الأخرى التي تتطلبها سلة الحمام والبقاء فيه لمدة طويلة: قدر الدولمة والفواكه، وبالأخص النومي والبرتقال، ولا تنس أن تجلب معها القباقيب الخشبية لكي تنطبق عليها كلمات الأغنية التي تقول: (اسمع رنة قبقابج). ويزداد الضجيج وتتعالى الأصوات عند جلب عروس للحمام، فتأخذ النسوة التي تصاحب العروس بإطلاق الزغاريد والأغاني والصفقات والدبكات حتى تصل أصواتهن إلى خارج الحمام، ومن هذه الحالة أطلق على كل صخب أو كلام عالٍ صفة “حمام النسوان”. وهنا أعيد بذاكرتي إلى عام 1952، وعندما كنت في الصف الخامس الأدبي في ثانوية بعقوبة، وكان مدرس الاجتماعيات آنذاك المرحوم الفنان الشهير شاكر حسن آل سعيد، وقد صادف أن انطلق الطلاب يتحدثون بصوت عالٍ بوجوده، وعندما كان منشغلاً بمناقشة أحد الطلبة، فما كان منه إلا أن يقول: (هاي شنو خوما انتو بحمام النسوان)، فردت عليه الطالبة نوار حلمي، وكانت تتصف بالجرأة والشجاعة الأدبية: (أستاذ، انت وين شايف حمام النسوان؟)، فأجابها شاكر حسن وبضحكته المتميزة والتي تقترب من زقزقة العصافير أو تغريد البلابل: (آني من جنت ازغير أمي توديني لحمام النسوان). رحمك الله أيها الفنان الهادئ المحبوب من جميع طلاب الصف، لدماثة أخلاقه ومظهره وهندامه المتواضع، فقد كان يرتدي في ذلك الوقت بنطلون الجينز وفانيلة (تي شيرت) يتصدرها دبوس لحمامة السلام، وهو الشعار الذي صممه الفنان العالمي الإيطالي (بيكاسو). وبالمناسبة، إن بعقوبة في تلك الفترة لا توجد فيها ثانوية للبنات، ففي صفنا كانت هناك ثمانية طالبات يجلسن في الصف الأمامي، وإن هذه الحالة فرضت على الطلبة أن يتحلوا بالأدب والأخلاق الحميدة والتأنق بالمظهر والملبس، وإظهار التفوق بالأدب والشعر والرسم والفنون الأخرى، عسى ولعل إحداهن تنجذب إلى المتميز، ولكن العرف والعادات تحول دون تحقيق ذلك. وقد كانت ستة منهن يرتدين العباءة. وقد خرق أحد طلاب صفنا تلك الالتزامات، وكتب رسالة إلى ابنة مدير المعارف ودسها في أحد كتبها، وكانت تلك الطالبة سافرة وذات بشرة بيضاء وتمتلك مسحة من الجمال. وقد شكت الطالبة الأمر لأبيها، وطلب التحقيق بالأمر، وبعد سين وجيم واستدعاء جميع طلبة الصف وأخذ نماذج من خطهم، انكشف أمر ذلك الطالب، وهو من قرية الهويدر، ونطلق عليه (بالأبرش)، وهي صفة معروفة عند العراقيين، فكان جزاء هيامه ولوعته أن تم فصله من المدرسة فصلاً نهائياً، وسقط صريع الحب العذري.
نعود إلى موضوع الحمامات، فقد كانت تلك الحمامات تُحمى بواسطة فضلات الحيوانات ومنها روث الحمير، ويوضع بمكان يسمى (الكولخان)، وهي كلمة تركية ومعناها مكان الحرق، ويُستفاد من رماد النار في البناء بعد خلطه بالنورة (والمثل العراقي يقول: الصيت للنورة والفعل للزرنيخ)، والمادة التي تتكون من ذلك الخليط هي بمثابة السمنت في الوقت الحالي. ويُستفاد من الكولخان وحرارته العالية بشوي الشلغم شتاء، ويطلق عليه شلغم الطمه، وهو ألذ من شلغم السلق، ويدور البائع به في الحارات وتحت المطر وهو ينادي بأعلى صوته: (شلغم مايع – مايع الشلغم).
إن الاستحمام وارتياد تلك الحمامات يُحس الإنسان فيها براحة نفسية، وهي تعبير عن المستوى العالي للجسد والشعور بنظافة مثالية، وإن البقاء فيها لفترة أطول تدفع المرء إلى التأمل والإحساس براحة البال والشعور بالارتخاء والانسجام مع الآخرين. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: (النظافة من الإيمان).
إن من المفيد جداً، وخاصة في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها البلد، أن يُستحدث حمام شعبي خاص لغسل عقول وأدران السادة والسيدات الذين ملأوا الدنيا بضجيجهم وراحوا يشغلون الناس بنقاشاتهم وصراعاتهم، مما انعكس على واقع حياتهم وجعلهم يلعنون اليوم الأسود الذي أوصلهم إلى مثل هذا الحال. لقد ملّت الناس من تلك الصراعات والدعوات المريبة وغير الصادقة، والتي تدعو أحياناً لعقد المؤتمرات والاجتماعات بين تلك الأطراف المتصارعة، والتي أدت إلى خراب البصرة وبغداد، وجعلت الفرد العراقي لا يعرف (راسه من ساسه) وإلى أية جهة يتجه. فخلال كل تصريح يطلقه أصحاب الشأن وأولو الأمر تنطلق سيل من العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة والأسلحة الكاتمة للأرواح، ويسبح المئات من أبناء الوطن في حمامات دم، ولسان حال ذويهم يردد: بأي ذنب قتلوا؟ ازدادت حمى الدعوة إلى عقد الاجتماعات بين الأطراف المتصارعة، والتي تفتقر إلى أبسط مقومات تلك الاجتماعات والمتمثلة بحسن النية، فكل من يريد أن يجتمع بالطرف الآخر يرفع شعار (بالوجه خلقة باسمة وبالكوفة عبوة ناسفة). فما فائدة تلك الدعوات التي تدعو إلى عقد اجتماعات رباعية وخماسية ومائدة مستديرة وبيضوية، وخمسة زائد واحد وناقص اثنين، إذا لم تتوفر حسن النية وصفاء السريرة، ووضع مصلحة الشعب أمام الأعين بدلاً من وضع صورة الدولار والعقار وهجمان الدار؟ وعليه أجد من المناسب والضروري أن يطلب من كل السادة والسيدات، والذين لا يتجاوز عددهم أكثر من ألفين مقارنة بعدد أبناء الشعب من الملايين التي أتعبتها طول الانتظار وترديدهم: (يا قريب الفرج يا عالي بالدرج).
إن غسل عقول السادة والسيدات المثيرين للنكبات والملمات، وتنظيفها تماماً من الدرنات، يخلق عالماً مستقراً ووطناً ينعم بالخير الوفير والعيش الرغيد. وتحضرني بهذه المناسبة مقولة رددها الحاج خليل إبراهيم، وهو من رواد مقهى (حسن عجمي) في الحيدرخانة، وقد ذكرها قبل خراب البصرة وبغداد بالتمام: (آغاتي، كانت الناس أيام زمان تدخل للحمام لتنظيف أجسامهم، أما اليوم فلن تستطيع كل حمامات الدنيا تنظيف نفس توسخت بالحرام وتلطخت أيديها بالدماء). فإلى حمام شعبي خاص أدعو لغسل عقول من جعل من الحرام حلالاً وهدفه لغف المال بلا خوف أو سؤال.
