اللوحة: الفنان السوري وليد الآغا
تأتي قصيدة جبر بعداني وكأنها بيان شخصي عن “شرعية الشعر” نفسه. فمنذ المطلع “أَدِرِ القَوافِيَ لَا كُؤُوسَ الرَّاحِ” يضع الشاعر نفسه في مواجهة مباشرة مع سلطة التحريم، فيستبدل الخمر بالمفردة، والسكر بالمعنى. وهنا تتأسس المفارقة الكبرى التي يحملها النص: “شعر عن تحريم الشعر، وسكر بلغة تنكر السكر”.
الجدلية.. الحلال والحرام الشعري
القصيدة كلها تدور في فلك “المباح والمحظور”. يسأل: “مَنْ قَالَ: خَمْرُ الشِّعْرِ غَيْرُ مُبَاحِ؟” ثم يعلن “هَذَا الحَرَامُ المُسْتَحَبُّ أَحَلَّهُ قَلْبِي”.
بعداني لا يدافع عن الخمر، بل يدافع عن حق الشاعر في “السكر اللغوي”. الكلمات “سَكْرَى” و”مُخَلَّعَةً بِغَيْرِ وِشَاحِ” اعتراف صريح بأن جمالية النص تقوم على العُري الدلالي والتجاوز. وهذا موقف نقدي ذكي: الشاعر يحاكم نفسه قبل أن يحاكمه الآخرون، فيسبق التهمة باعتراف في منتهى الشفافية والذكاء..
الصورة.. بين العنف والعذوبة
من أبرز ما يميز القصيدة التزاوج بين حقلين متضادين: هما حقل الطبيعة الرقيق وحقل الحرب والدم.
– حقل العذوبة: “حَبَّاتُ طَلٍّ”، “زَهْرَةُ القَدَّاحِ”، “جَمْعَ مَنَاحِلٍ”، “سَنَابِلَ”
– حقل العنف: “جَمَاجِمِ التُّفَّاحِ”، “سِهَامُ الصَّائِدِ”، “خِصَامُ خَنَاجِرٍ”، “السِّكِّينَ”، “الذَّبَّاحِ”
هذا التصادم مقصود. الحب عند بعداني ليس غزلاً ناعماً، بل هو “فَخُّ جَمَالِكِ اللَّفَّاحِ” و “القَتْلُ بِالنَّظَرَاتِ”. حتى الدمعة تتحول إلى “سَجَاجِيدًا لِيَوْمِ صَلَاحِي”. الشاعر يقدس الألم ويحوّله إلى طقس. وهنا يلتقي بالصوفية دون أن يعلنها: “دِينُ الحُبِّ لِلْأَرْوَاحِ”.
اللغة.. عارية من الشُّرّاح
“خَرَجَتْ مِنَ القَامُوسِ عَارِيَةً فَلَا تَتَحَامَلِي أَبَدًا عَلَى الشُّرَّاحِ”. هذا البيت مفتاح لفهم مشروع بعداني اللغوي. هو يكتب بلغة فصيحة عالية، ويستخدم معجماً تراثياً “القداح، المناحل، الملاح” لكنه يطالب المتلقي بقراءة إيحائية لا معجمية.
الجناس والطباق حاضران: “غَدْوَةِ عَاشِقٍ وَرَوَاحِ”، “اللَّيْلُ أَجْهَضَ حَمْلَهُ بِصَبَاحِ”. والأقوى المفارقة: “مِثْلُ الغَرِيقِ بِشِبْرِ مَاءٍ… يَخْتَالُ… كَالسَّبَّاحِ”. هنا يختزل الشاعر حالة العشق إلى حركة عبثية بطولية.
نقاط القوة والتأمل
تتجلى في القصيدة عدة نقاط للقوة من أبرزها:
1. وحدة الموضوع: رغم طول النفس، فالقصيدة متماسكة حول فكرة واحدة: الشعر كبديل للخمر، والحب كدين.
2. الصوت الشعري: “أنا” مسيطرة وواثقة، لا تتوسل. حتى في الرحيل: “وَاللهِ لَا عَتْبٌ”.
3. النهاية المفتوحة: “الشّوقُ عَلَّمَنِي وَحَقْلُكِ مُجْدِبٌ أَنَّ السَّنَابِلَ نِيَّةُ الفَلَّاحِ”. ترفع القصيدة من الشخصي إلى الكلي. الحب/الكتابة نية قبل أن تكون حصاداً.
موضع تأمل
تتبدى مواضع التأمل في القصيدة من خلال الكثافة الصورية، إذ تكاد تخنق المعنى أحياناً. و كذلك توظيف الشاعر للتراث “الخليل، الألواح” قد يبدو مستهلكاً، لكن بعداني يعيد تدويره عبر سياق “دين الحب” فيمنحه دماً جديداً، وبعدًا دلاليا آخر.
ينهي الشاعر جبر بعداني قصيدته باستفهام عميق إذ
يقول: “فَأَنَا عَلَى الأَوْرَاقِ دُونَ نُبُوءَةٍ مَاذَا عَنِ المَكْتُوبِ فِي الأَلْوَاحِ؟!”
هذا السؤال خلاصة القصيدة. فالشاعر جبر بعداني لا يدعي النبوءة، لكنه يكتب كما لو كان يملي على الألواح. قصيدته دفاع عن “خمر الشعر” في زمن التقعيد، واعتراف بأن الشاعر محكوم بالجمال حتى لو كان “فَخّاً لَفَّاحاً”.
إنها قصيدة لا تطلب منك أن تفهمها، بل أن “تسكر” بها. وحينها فقط ستدرك لماذا “القَوافِيَ” أولى من “كُؤُوسَ الرَّاحِ”.
أَدِرِ القَوافِيَ لَا كُؤُوسَ الرَّاحِ
مَنْ قَالَ: خَمْرُ الشِّعْرِ غَيْرُ مُبَاحِ؟
وَاشْرَبْ بِصِحَّةِ أَيِّ شَيْءٍ فَالرّؤى
أَشْهَى بِطَعْمِ تَصَادُمِ الأَقْدَاحِ
مَا أَجْمَلَ الكَلِمَاتِ سَكْرَى عِنْدَمَا
تَأْتِي مُخَلَّعَةً بِغَيْرِ وِشَاحِ
وَكَأَنَّهَا حَبَّاتُ طَلٍّ أَنْشَبَتْ
أَظْفَارَهَا بِجَمَاجِمِ التُّفَّاحِ
فَإِذَا هَمَتْ غَزَلًا فَمِنْ شَرَفِ النَّدَى
أَنْ لَا يَمُرَّ بِخَاطِرِ المَدَّاحِ
هَذَا الحَرَامُ المُسْتَحَبُّ أَحَلَّهُ
قَلْبِي، فَدِينُ الحُبِّ لِلْأَرْوَاحِ
يَا شَاعِرَ الدُّنْيَا الأَخِيرَ وَلَا أَرَى
فِي الأَوَّلِينَ سِوَاكَ فَأْلَ أَقَاحِ
هَبْنِي… وَلَمْ تُكْمِلْ فَقُلْتُ مُوَاصِلًا
عَنْهَا بِصَمْتٍ بَالِغِ الإِفْصَاحِ
فَزَوَاجِلُ العَيْنَيْنِ لَا تُودي بِهَا
إِلَّا سِهَامُ الصَّائِدِ اللَّمَّاحِ
وَصَحِيفَتِي البَيْضَاءُ لَيْسَ يَشُوبُهَا
دَنَسٌ، فَسِرِّي فِي الهَوَى كَبُوَاحِي
طَيَّرْتُ مِنْ صَدْرِي الفَرَاشَ مُبَرِّئًا
نَفْسِي، فَوَجْهُكِ تَوْأَمُ المِصْبَاحِ
وَتَرَكْتُ نَبْضِيَ لِلْحَرِيقِ فَرُبَّمَا
أَجْتَازُ فَخَّ جَمَالِكِ اللَّفَّاحِ
لَسْتُ الخَلِيلَ وَلَا إِلَى أَبْنَائِهِ
أُنْمَى وَلَوْ بِرِوَايَةِ المُزَّاحِ
فَأَنَا عَلَى الأَوْرَاقِ دُونَ نُبُوءَةٍ
مَاذَا عَنِ المَكْتُوبِ فِي الأَلْوَاحِ؟!
هَلْ كُنْتُ لَوْلَا أَنْ لِعَيْنَيْكِ اهْتَدَتْ
سُفُنِي أَخُوضُ البَحْرَ كَالمَلَّاحِ؟!
فِي الْعِشْقِ يَنْقَلِبُ المُحَالُ حَقِيقَةً
مَا بَيْنَ غَدْوَةِ عَاشِقٍ وَرَوَاحِ
مِثْلُ الغَرِيقِ بِشِبْرِ مَاءٍ فَجْأَةً
يَخْتَالُ بَيْنَ يَدَيْكِ كَالسَّبَّاحِ
لَا تَظْلِمِي السِّكِّينَ إِنَّ دَمِي الَّذِي
أَهْرَقْتِ سَالَ بِطَرْفِكِ الذَّبَّاحِ
وَدَعِي البُكَاءَ فَكُلُّ دَمْعٍ طَاهِرٌ
عِنْدِي وَلَوْ مِنْ مُقْلَةِ التِّمْسَاحِ
إِنَّ المَنَادِيلَ التِي أَرْويتِها
صَارَتْ سَجَاجِيدًا لِيَوْمِ صَلَاحِي
وَمَعَ السُّجُودِ إِذَا بَكَيْتُ تَمَازَجَتْ
عَبَرَاتُنَا وَجْدًا بِغَيْرِ نُوَاحِ
فَالقَتْلُ بِالنَّظَرَاتِ لَيْسَ جَرِيمَةً
وَالطَّرْفُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ سَفَّاحِ
فِي مَوْسِمِ النَّارَنْجِ تَرْجُفُ أَضْلُعِي
لَهْفًا كَأَنَّكِ زَهْرَةُ القَدَّاحِ
أَوْ أَنَّ فِي جَنْبَيَّ جَمْعَ مَنَاحِلٍ
عَادَتْ مُحَمَّلَةً حُبُوبَ لِقَاحِ
جِنِّيَّةٌ هَذِي القَصِيدَةُ بالمُدى
رَقَصَتْ بِرَأْسِي رَقْصَةَ الأَشْبَاحِ
خَرَجَتْ مِنَ القَامُوسِ عَارِيَةً فَلَا
تَتَحَامَلِي أَبَدًا عَلَى الشُّرَّاحِ
فَطَغَى عَلَى جَسَدِي خِصَامُ خَنَاجِرٍ
فِيمَا عَلَى رَأْسِي شِجَارُ رِمَاحِ
فِي الحُبِّ يَكْذِبُ مَنْ يَقُولُ مَعَارِكِي
مَحْسُومَةٌ مَضْمُونَةُ الأَرْبَاحِ
فَالفُلْكُ لَا تَدْرِي أَمَوْجٌ جَارِفٌ
حَمَلَ البَلِيَّةَ أَمْ هُبُوبُ رِيَاحِ؟!
مَازِلْتُ فِي اللَّاوَعْيِ لَكِنِّي إِذَا
جَاءَ الحَدِيثُ عَلَى لِسَانِكِ صَاحِ
وَاللهِ لَا عَتْبٌ وَلَكِنْ عَبْرَتِي
خُنِقَتْ فَلَسْتُ بِنَادِبٍ نَوَّاحِ
وَرَحَلْتِ تَارِكَةً فَرَاغًا قَاتِلًا
فَاللَّيْلُ أَجْهَضَ حَمْلَهُ بِصَبَاحِ
وَأَنَا كَأَنْقَاضِ المَدَائِنِ لَمْ تَرُقْ
لِلْقَاطِنِينَ فَكَيْفَ بِالسُّوَّاحِ؟!
ذَهَبُوا وَبَابِي بِانْتِظَارِ رُجُوعِهِمْ
لَمْ يَنْتَبِهْ لِتَآكُلِ المِفْتَاحِ
فَالشّوقُ عَلَّمَنِي وَحَقْلُكِ مُجْدِبٌ
أَنَّ السَّنَابِلَ نِيَّةُ الفَلَّاحِ..
