الرسالة

الرسالة

اللوحة: الفنانة الكازاخستانية يركيزان كامينتايفا

محمد جابر لطفي

تعدو الشمس وهي ذاهلة، تحاول أن تشق طريقها بين سحب داكنة لتلقى بآخر أضواءها على منضدة في مقهى شعبي صغير، يتوارى بين أزقة إحدى حارات القاهرة القديمة، يجلس عليها رجل في منتصف الثلاثينيات، لا يلفت النظر سوى بشروده الطويل وصمته.. كان يرفع فنجان قهوته، حتى وقعت عيناه على شابة تطل من نافذة في الطابق الثاني لبيت قديم يقع قبالة المقهى، كانت فاتنة على نحوٍ أربكه. تلاقت عيناهما للحظات، ثم اختفت خلف النافذة، وبعد قليلٍ عادت، وألقت شيئا في اتجاهه، كانت مجرد ورقة تسقط بالقرب من المقهى، تلفّت حوله، ثم التقطها وقرأ ما فيها. كانت رسالة مقتضبة من تلك الحسناء:

 “أراك كل يوم.. ربما لا تدرك كم أحب أن أراك، لا أدري لم اخترتك من بين كل هؤلاء الرجال، لكنك تروق لي، وأردت فقط أن تعرف”.

قرأها مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة وحين رفع رأسه نحو النافذة، لم يجدها.. منذ ذلك اليوم، لم تعد القهوة هي ما يجذبه إلى المقهى، بل النافذة وصاحبتها.

ظل يفكر فيها، وفي جرأتها، وفي السؤال الذي لم يجد له جوابًا: لماذا اختارته هو؟ 

قرر في النهاية أن يجيبها، لكن لم يعرف كيف. كان يخشى أهل بيتها، يخاف أن يعرّضها للأذى وفي اليوم التالي، جاء إلى المقهى وقلبه يسبقه شوقًا. وجدها تنظر إليه ثم ألقت إليه بورقة أخرى، قرأ ما فيها بنهم لا يشبع: “إن كنت تريد أن تجيبني، فسأدلي بسلة من قش، سأتظاهر بأن منديلًا سقط مني، وحين أطلب منك أن تضعه في السلة، ضع رسالتك معها”.

ابتسم رغم ارتباكه، وفي اليوم نفسه، فعلت ما وعدت به، سقط «منديلها»، فاقترب، ووضعه في السلة، ومعه رسالته، التقطت السلة، ثم اختفت.

انتظر ردها.. لكنه لم يأت.

مرّ يوم، ثم يومان، ثم عدة أيام أخرى. بدأ القلق يأكله. راودته فكرة أن يطرق باب البيت، لكنه تراجع. كان يخشى أن يكون ما نبت بينهما وهم جميل يمكن أن ينتهي بكارثة ومع ذلك، كان يأتي كل يوم في الموعد نفسه، ويجلس في المقهى نفسه، ويرفع عينيه إلى النافذة، حتى ظهرت ذات مساء. بدت شاحبة، وعيناها محمرتين من البكاء. ألقت إليه برسالة جديدة، نسى حذره والتقطها هذه المرة دون أن يتلفت حوله كما كان يفعل من قبل.

 وجد الرسالة مبلله بدموعها: «كنت أبكي وأنا أكتب إليك. أخشى أن أفقدك، وأن تذهب كما ذهب غيرك»

توقف عند الكلمة الأخير.. غيرك؟

اشتعلت في داخله غيرة لم يفهمها، هل كان في حياتها رجال آخرون؟ وهل هو مجرد حلقة جديدة لسلسلة من العشاق؟

كتب لها على الفور: لا تخافي، لا أحتمل بقائي في هذا العالم من دونك. لكن أخبريني.. ما اسمك؟ وهل تقبلين أن نلتقي بعيدًا عن هذا البيت؟ 

وألقى رسالته في السلة، ثم انتظر: يومًا.. يومين.. ثم أسبوعًا، حتى كاد يفقد الأمل، وفي مساءٍ ساكن، ظهرت.. كانت تبكي بحرقة وكأنها فقدت آخر امل لديها.

نظر إليها طويلًا، وشعر أن شيئًا مريعا قد اقترب.. ألقت الرسالة ليفتحها بيد مرتجفة ويقرأ ما دونته بها: “هذه رسالتي الأخيرة إليك. اسمي جميلة. لا تبحث عني. أرجوك. أنت لست كغيرك.. ولذا ستبقى كذكرى تعيش معي إلى آخر يوم في حياتي البائسة”.. ثم اختفت خلف ستائر النافذة. 

لم يحتمل هذه المرة نهض من كرسيه، وركض إلى بيتها صعد الدرج القديم، وطرق الباب بعنف دونما جواب، طرق مرة أخرى ومرات حتى فُتح باب الشقة المقابلة ببطء ليجد امرأة عجوز تقف أمامه وتسأله عما يريد، قال وهو يلهث:  جميلة.. أريد جميلة. أريد أن أقابل أباها أو أمها.

حدقت فيه العجوز طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت: كنت أظن أنني سأموت قبل أن أسمع هذا الطلب.

تبدت في وجهه الحيرة ماذا تعنين؟

قالت: جدتي أخبرتني، وأنا طفلة، أن رجلًا مثلك فعل الشيء نفسه تمامًا.

تجمد في مكانه.. رجل مثلي؟

أومأت برأسها موافقة ثم أضافت: قالت لي جدتي إن جارتهم الشابة، جميلة، دخلت غرفتها ذات يوم منذ عشرات السنين.. ولم تخرج.

شعر ببرودة تسري في جسده.

تابعت العجوز: بحث أهلها عنها سنوات طويلة، ثم تعبوا وأقاموا لها قبرًا بلا جثة. قال بعض الناس إن عفريتًا اختطفها وتزوجها، وقال آخرون إنها هربت مع عشيق لها. لكن الحقيقة أن أحدًا لم يعرف أين ذهبت.

همس: وشقتها؟

 – ظلت خالية منذ عشرات السنين.

نظر إليها وكأن لسانه فقد القدرة عن الكلام. مرت لحظات ثقيلة حتى استطاع أن يسألها: هل أستطيع أن أرى شرفتها؟

أجابته: نعم بالطبع، وأخرجت له مفتاحًا عتيقا يسرى به الصدأ.

 ظل المفتاح مع جدتي، ثم ورثته أمي، ثم ورثته أنا. نحن أصحاب المنزل، ولم يسكنه أحد منذ ذلك الحين.

دخلت العجوز معه إلى الغرفة كان الغبار يغطي كل شيء، ثم خرجا إلى الشرفة.. تحت ضوء المساء الباهت، رأى الرجل المكان الذي كانت تقف فيه الشابة كل يوم اقترب خطوة ثم أخرى وعند زاوية الشرفة، رأى شيئًا ملقى تحت طبقة كثيفة من التراب.. كانت مجرد سلة من قش، انحنى والتقطها.كان قلبه يخفق بعنف وجد في داخلها ورقة قديمة، صفراء، تكاد تتفتت بين أصابعه.. فتحها وقرأ ما فيها، كانت الرسالة الأولى، نفس الكلمات، نفس الاعتراف، لكن أسفل الورقة كان هناك تاريخ قديم يعود إلى عشرات السنين.

ظل يحدق فيها غير مصدق، ثم رفع عينيه إلى العجوز.. قالت وهي تراقبه: ماذا وجدت؟ لم يجب! كانت عيناه قد امتلأتا بالدموع محاولا أن يفهم.. هل كانت جميلة تراه من النافذة؟ هل كانت تلقي الرسائل إليه وحده أم إلى كل رجل جلس في ذلك المكان من المقهى، وشاء قدره أن يرفع عينيه إلى تلك النافذة، ليسمع النداء نفسه.. ويعيش قصة الحب نفسها.. ثم يذهب بلا عودة من الحارة كما اختفت جميلة. نظر إلى الورقة مرة أخيرة، رأى سطرا أخيرا يرتعش: “ستبقى كذكرى تعيش معي إلى آخر يوم في حياتي البائسة”.. نبت في ذهنه سؤال، لم يكن هذا السطر في الرسالة الأولى! هل أحبتني جميلة؟ هل أحبتني أنا وحدي؟

رفع الرجل رأسه نحو النافذة الخالية، لمح وجه جميلة تبتسم لبرهة، خلف الزجاج، ثم أغلقت الستارة، وفي اليوم التالي، أصبح مقعده في المقهى فارغًا ينتظر رجلا جديدا، أما سلة القش فقد زال عنها تراب السنين، وعادت إلى مكانها في الشرفة، وبداخلها الرسالة الأولى لكن دون السطر الأخير!

اترك رد