اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي
حينما كنّا صغارا، وعند طرح سؤال المهنة التي نحلم بها مستقبلا، انطوت غالبا أجوبة أفراد جيلي أساسا على تطلّعات أربع: طبيب، طيّار، مهندس، صحفيّ. كان دائما وازع الصّحافة ينافس ويجاري بقوّة الحضور الرّمزي الكبير للمهن الثّلاثة الأخرى وإمساكها بمخيال أبناء الطّبقات المتوسّطة والبورجوازية الصّغرى. غير، أنّه جرّاء التطوّرات النّاجمة عن تغوّل الرّقمي وكذا تبدّل أحوال العالم فكريا وإيديولوجيا بانتقاله من سياق صراع الأفكار والمنظومات إلى مرتع استهلاكي مجنون لأوليغارشيات مستذئبة، فقد تنازلت الصّحافة منذ فترة بعيدة عن بوديوم المنافسة وأضاعت بلا شكّ زخمها وبريقها وإشعاعها.
أيضا، يحيل العدد أربعة على تصنيفها التّاريخي المعهود منذ تبلور الدّولة الوطنية حسب مقوّماتها المؤسّساتية والدّستورية، باعتبارها سلطة رابعة إلى جانب التّشريعية والتّنفيذية والقضائية. هكذا، ظلّت الصّحافة أو ”صاحبة الجلالة” مثلما جرى لقبها المجازي، تجسّد بوصلة ومنارة استمرار القيم الإنسانية الجوهرية راسخة داخل المجتمع، عقبة كأداء وسلطة مضادّة تقاوم مختلف نوازع الانزياح نحو الملاذات الجهنّمية الغريزية والبهيمية كما الوضع البشري راهنا على جميع المستويات.
في سياق هذا المنظور، وارتباطا بأجواء القمع السّياسي السّائد حينها في المغرب ضمن أجواء حرب ضروس من طرف النّظام على النّخبة اليسارية التقدّمية، اختبرتُ أولى بواكير الوعي الصحفيّ من خلال الجريدة المكتوبة، لأنّ المرئيّ والمسموع كانا محتكرين بالمطلق من طرف أجهزة الدولة. يكفي التّذكير بمناسبة سياق هذا الحديث، أنّ وزير الدّاخلية ادريس البصري احتكر أيضا احتكارا وزارة الاعلام، بالتّالي لا حركة ولا سكينة سوى بإشراف أجهزة وزارته.
لم يكن من ملجأ للظّفر بغنيمة المعلومة البديلة، وتمثّل طبيعة الحسّ الإنسانيّ السّليم الذي يحترم الذّكاء، سوى مع جرائد الأحزاب التقدّمية خلال تلك الحقبة: الاتحاد الاشتراكي، العلم، بيان اليوم، أنوال، إضافة حقيقة إلى الغنى المضموني والثّراء المعلوماتي لجرائد عربية خلال الفترة ذاتها: الشّرق الأوسط (أذكر جيّدا حقبة إشراف عثمان العمير)، القبس، الحياة، الزّمان، القدس العربي (فترة عبد الباري عطوان).
شكّل المذياع الصغير، بحجم كفّ اليد، أوّل جسر قادني نحو أثير الإعلام المسموع، استلهمت عادة الاهتمام بالنّشرات الإخبارية من أحد أخوالي. لازالت عالقة بين تلابيب ذاكرتي، أصوات: محمد الجفان، مصطفى العلوي، لطيفة القاضي، إبراهيم الغربي، عبد الصادق بن عيسى..
تصوّرت خياليا عبر هذا المذياع وقائع مذبحة صبرا وشاتيلا، المقاومة الفلسطينية حركة فتح وغيرها، يوميات الحرب الأهلية اللّبنانية، يوميات الحرب العراقية-الإيرانية.. شرفة صغيرة، تتيح رغم كل شيء إمكانية إلقاء إطلالة على هذا العالم الشّاسع قصد الوقوف على حقائق أخرى كثيرة، غير التصوّر الأحادي الرّاسخ هنا دون كلل، صباحا ومساء، من لدن الأجهزة الأيديولوجية للدّولة.
انتشرت إشاعة داخل الحيّ كالنّار في الهشيم، مفادها وجود إمكانية سحرية ومجانية في غفلة من السّلطة وانعدام المعطيات التّكنولوجية، تتمثّل في تغطية اللاّقط الهوائيّ بغشاء بلاستيكيّ أسود كي تشاهد قنوات أخرى غير دار البريهي. فعلا، توشّحت سريعا بعض اللّواقط سوادا ثمّ تضاربت الحكايات بخصوص نجاح هذه الحيلة مثلما حدث داخل المنزل الملقّب ب”دار قنية” (الأرنب) لأنّ الأمّ تنجب سنويّا دون استراحة قصيرة ما بين ذكر وأنثى، فقد أكّد أحد الأبناء لمجموعة من الأصدقاء بانّهم فعلا رأوا للحظات قناة غير معهودة تتكلّم الإسبانية أو الإيطالية لكن بمجرّد اكتمال تحلّق الأسرة نحو الكنز العجيب حتّى اختفت الصّورة وتكرّرت المحاولات على نفس المشهد تقريبا، إلى أن اعتقلت السّلطة أخاهم لأسابيع فتخلّوا عن الفكرة والمحاولة تماما.
بجانب النّشرات الإخبارية، توطّدت علاقتي بالمذياع الصّغير من خلال إرهاف السّمع إلى التّمثيليات الإذاعية التي كانت تبثّ إن لم تخن الذّاكرة مساء كلّ يوم أحد على السّاعة التّاسعة، فأرتقي حينها بخيالي مع النّبرات الصّوتية ل: العربي الدغمي، أحمد البصري، حسن الجندي، حبيبة المذكوري، عبد الرزاق حكم، المحجوب الراجي، محمد العمراني، وغيرهم ثمّ تغريد الكلاسيكيات الغنائية العربية خلال جوف اللّيل؛ والعالم بأكمله قد خَلَدَ إلى صمت الأموات. منذئذ، لم يفارق المذياع الصغير أذني رغم كلّ التطوّر التّقني.
تعرفت صدفة على واجهة مغايرة تماما اسمها ”هنا لندن، هيئة الإذاعة البريطانية”. بعد دقّات مهيبة لجرس ساعة ”بيغ بن”، يصدح صوت جبّار للصّحفي معلنا بداية نشرة الأخبار. أجواء أثيرية مختلفة تهذّب الخيالات بامتياز وتسمو بالأذهان.
لم نمتلك في منزلنا راديو الترانزستور التّراثي الشّهير الذي يمتلك قدرة التقاط سماء لندن، لكنّه يصير وضعا مألوفا في المتناول عندما أشتغل مع بداية العطلة المدرسية في كشك المرحوم السّي عبد الجليل الشّهير ب ”الملوخية” (البامية) نتيجة شعوره بالغثيان والاشمئزاز بمجرد سماعه الكلمة فما بالك تناولها، رغم أنّها وجبة غذائية لذيذة.
وجدت عنده المبتغى، وعالما جديدا زاخرا ببورتريهات إنسانية لم أكن أعلم بوجودها قبل ذلك بحكم صغر سنّي وقلّة خبرتي الحياتية، لاسيما وأنّ الكشك انتمى إلى ساحة جامع الفنا القلب النّابض لمراكش خلال تلك الحقبة. امتلك جهاز ترانزستور كبير من النّوع الجيّد، فكنت أقضي اليوم خلال العمل وسمعي يلتقط حيثيات برامج ”هنا لندن”. أيضا، اكتشفتُ عالم الجرائد من بابها الواسع ومجلاّت أخرى غير مجلة ”العربي” الكويتية الغنيّة عن كل تعريف إبّان الحقبة الذّهبية للأستاذ أحمد زكي والموسوعية العلمية التي ميّزت مضامين أعدادها فترة إشرافه، ممّا جعلها تحظى بشعبية كبيرة عند القرّاء. لازلت، أستحضر سعادة التهام صفحات العدد الشّهري وإعارته إلى بعض أبناء وبنات جيران دربنا.
إذن، تلك الجريدة التي أعجز غالبا عن إمكانية اقتنائها نظرا لاستعصاء امتلاك ثمنها، تغدو أيّام الكشك متاحة بيسر وبحبوحة كلّ صباح بل وتحيط بي عناوين كثيرة. يأخذ ترتيب المحلّ وتهيئة المعروضات ساعات قليلة سوى في حالة الظّروف الطّارئة، لكن يلزمني الاستيقاظ باكرا وطيّ الخطى على دراجة عادية أو نارية نحو شركة التّوزيع بهدف أخذ العلبة الكارتونية التي تضمّ العناوين الجديدة بجانب حزمة الجرائد ثمّ العودة سريعا إلى الكشك بهدف توضيب وعرض العناوين وتنظيف المكان وإزالة الأغبرة، قبل بداية تقاطر الزّبناء والاهتمام بطلباتهم.
كانت قراءة الجريدة بالنّسبة لعموم المثقّفين طقسا يوميا لا يمكن قط التّنازل عنه، أو إمكانية ممارسة مقتضيات اليومي بروح منطلقة قبل لقاء الجريدة ومحاورتها لفترة معيّنة على ترانيم رشفات فنجان قهوة، فقد جسّدت مرجعية لاغنى عنها ثقافيا وإيديولوجيا، نتيجة مؤهّلات صحفيّ ذلك الزمان ونبل أخلاقيات المهنة إضافة الى حضور هاجس المشروع المجتمعيّ الدّيمقراطيّ والتقدميّ ممّا يضفي معنى وأملا وجوديين على العمل الصّحفي. تنمو الجريدة وتسمو وتتعضد حينما يسمو الأمل ويسود نشدان مجتمع إنسانيّ حقّا.
شتاء 1993 كتبتُ ونشرتُ أوّل مقالة عنوانها ”بيان في الذات ” (جريدة بيان اليوم الثقافي. 22- 02 -1993)، دشّنت لمساري منذئذ غاية اللّحظة. استلهمتُ صحبة ثلاثة أصدقاء آخرين بعد مشاهدتنا للفيلم الأمريكي ”حلقة الشّعراء المفقودين” (إنتاج سنة 1989)، المبادرة إلى محاولة بلورة نفس المضمون على أرض الوقع فأسّسنا حلقة فكرية على منوال نفس التّسمية ثمّ صمّمت رفقة صديق ثان بعد تراجع وانسحاب الصّديقين الآخرين، على كتابة وإصدار مقالات في شكل بيانات باسم ”حلقة الشعراء المفقودين”، أستعيد بهذا الصّدد ذكرى مقالات ”بيان في السؤال”، ”بيان في الاحتمال الجسدي”، ”بيان في الشعر”، ”بيان في الحصر الأنطولوجي”..، عموما احتاج هذا المسعى إلى طريق طويل.
مثّل النّشر في الجريدة خلال حقبة تسيّد الصّحافة المكتوبة ضمن سياق تصارع الأفكار والايديولوجيات والمفاهيم، شعورا بانتشاء غير قابل للوصف بالكلمات. أرسل المقالة عبر البريد وجهة عنوان الجريدة، فتنطلق هواجس تطلّعي كل صباح نحو أمل خروجها إلى العلن واكتشافها من طرف القارئ. قد تطول المدّة أو تقصر؟ قد يُحتفى بها أو تهمل دون مبرّر يذكر؟ أحيانا أشعر بكلّ معاني الانشراح والتوثّب والتّحفيز، وأحيانا أخرى أعضّ على أصابعي وأتمنّى لو تخلّصت من إلحاح هذا الصّوت الدّاخلي الذي استوطن دواخلي منذ الطفولة ورافقني طيلة حياتي، والانعراج نحو سبيل ثان. تجاذبات قطبية على مستوى المشاعر، موصولة بدرجات انفتاح أبواب النّشر من عدمه ويسرها أو استعصائها في خضمّ ترسّخ منظومة سوسيو-ثقافية موازية للعمل الصّحفي الشفّاف تكمن في الحزبية الضيّقة، خضوع الثّقافي للسّياسي، العلاقات الضيّقة، الولاءات الشّخصية، الشّللية، الشّيخ والمريد، إلخ، مقتضيات بعيدة كل البعد عن عذرية هويّة الكتابة وترفّعها المطلق عن الشّوائب الصّغيرة. أمراض مزمنة تراكمت على نفس ينابيع الرّجعية وأنصار التخلّف والانحطاط، التيّار المضاد عضويا وبنيويا لسلطة الصّحافة، مما أضحى عائقا كبيرا أمام بلوغ الوجهة المطلوبة لترسيخ الحداثة المجتمعية والدّولة الديمقراطية المؤسّساتية، ثمّ فجأة هبّ إعصار الرّقمنة حسب أفق غير عقلاني فأتى على ما تبقى من تراث صحفي قابل للاقتداء إنسانيا وقيميا.
قد يخطر على الأذهان من الوهلة الأولى، بأنّ نعت الأدب بكونه رقميا ربّما يعدّ قدْحا سلبيا بصيغة من الصّيغ في رمزية الأدب مقارنة بوضعيته الكلاسيكية المرسّخة مؤسّساتيا، الذي بنى مجده الخالد انطلاقا من أوراش الخيال والعزلة والرّيشة وأدغال صحاري الورقة البيضاء. معايير جوهرية بخصوص إرساء ابداع إنساني.
ربط الرّقمية بالأدب نتيجة انتقال مجاله المعاصر من حيثيات مغامرات الصّفحة البيضاء عبر محاورة الرّيشة، إلى مساحة الافتراضي المرقْمَنِ الخاضع لمنطق الخوارزميات، أعتبرها مجرّد وصفة وظيفية وإجرائية تندرج مبدئيا ضمن سياق مختلف التّوصيفات السّابقة التي أبانت عن قدرة بقائها من عدمه في إطار مجاراة قوانين الصراع البيولوجية ومآلات حتميات التّاريخ، مثلما جرى الأمر مع باقي المداخل التّعريفية الكبرى على شاكلة: أدب شعبي، أدب الهامش، أدب الصّالونات، أدب الشّباب، أدب العبث، الأغنية الشّبابية، الشّعر الحرّ، قصيدة النّثر، إلخ. هكذا، تتشكّل منظومة تقويمات، مستندة على معيار نموذج راسخ مكتمل الهويّة، ويلزم على التّصنيف الثّاني إثبات جدارته بهدف تحقيق حضوره صوب غاية أن يحظى بالاعتراف أو التّراجع والتّواري وربّما الاندثار.
طبعا ارتبط هذا الأدب، بإرساء المنظومة الرّقمية التي بدأت إرهاصاتها مع بداية الألفية الميلادية الثّالثة، ثم أخذ مجرى التطوّر منحى سريعا ونوعيا غاية الوضع الذي بلغته الإنسانية حاليا وانخراطها ضمن أفق الذّكاء الاصطناعي وحلول الأنظمة الحاسوبية ثمّ احتمال الاستقلال النّهائي للذّكاء البشري. مستقبل مريب جدا يضمر تحوّلات جذرية تقوّض لامحالة هوّية الانسان، الذي أبدع مجمل روافد الحضارة عبر مدخل الكتابة ومراكمة التّراث المكتوب، في إطار إشراقات الخيال والعزلة والرّيشة وأدغال صحاري الورقة البيضاء.
لا أحد يعلم على وجه التّحديد طبيعة مصيرنا، وكيف سيكون المشهد في صيغته النّهائية؟ تشير جلّ المعطيات الحالية إلى حتمية تواري المنظومة التّقليدية التي أنتجت أدبا وفق المعنى التّقليدي، تشبّعت به رفقة أفراد جيلي وتمثّلت نصوصه داخل المؤسّسات التعليمية والتّربوية، وتشكّلت رؤاي نحو الوجود من ثمّة معنى الحياة والأشخاص والأشياء بناء على مضامين تلك الصوص.
منذئذ تحدّدت منظوراتي وترسّخت غاية الآن رغم مختلف الانقلابات السّيبرانية، بحيث لازلت أحتفظ بمساحة معتبرة صوب هاته المنظومة وأتعامل معها بتحفّظ. طبعا، بحكم ضرورات السّياق، أستثمر بعض جوانب المعطيات الأداتية العملية للرّقمي، الذي يساعدني على مواصلة تعاقدي الضّمني مع مفهوم الأدب حسب صيغته القديمة، بمعنى لازالت جلّ مرجعياتي المفهومية على مستوى المكوّنات الجمالية فيما يخصّ الكتابة والقراءة والتذوّق والتّأويل، ضمن الإطار النّظري السابق عن الرّقمنة.
أيضا لازلت شغوفا بالكتاب والقراءة في شكلهما التّراثي، بحيث لا أذكر بأنّي قرأت كتابا واحدا على النّت سواء عبر بوّابة حاسوب أو هاتف ذكيّ، فسرعان ما أضجر ويكتنفني الملل وأفتقد صديقي الصّدوق الكتاب الورقي الذي ترسّخت علاقتي به منذ أربعة عقود، وأنا تلميذ في بداية سلك الاعدادي متأثّرا حقيقة بأختي وكذا أحد زملاء المدرسة، ثمّ الإسراع وجهة رفوف مجلّدات خزانة دار الباشا الكلاوي قصد تهيئ بعض الموضوعات الانشائية حول أعلام الأدب العربي. ترسّخت العلاقة في خضمّ زخم تجربة الخزانة المتنقلة داخل الفصل الدّراسي باقتراح من أحد المدرّسين، وبامتياز حينما وجدت سبيلا إلى الظّفر ببطاقة خزانة الكتب العمومية التّابعة آنذاك لمرافق بلدية مراكش من أجل استعارة كتابين لمدّة خمسة عشر يوما مما أتاح فرصة الاطّلاع على عناوين كثيرة، دون التّغافل عن معلمة سوق الكتاب في ساحة باب دكالة، وأخيرا فضل خزانة كليّة الآداب والعلوم الإنسانية التّابعة لجامعة القاضي عيّاض، إبّان مرحلة دراستي الجامعية.
