عبد الله البردوني المكفوف الذي أبصرنا

عبد الله البردوني المكفوف الذي أبصرنا

اللوحة: البردوني بريشة الفنان العراقي علي المعمار

بمناسبة ذكرى رحيله في 30 أغسطس

كان عبد الله البردوني أعمى، ولكننا نحن الذين كنا عُمياً. 

أعمى العينين، مبصر الحضارات. جلس في ركنه بصنعاء القديمة، لا يرى الجدران، لكنه بنى لنا وطناً من الكلمات لا تهدمه المدافع.

لم يكن شاعراً فقط. كان “مرآة انكسرت في وجه التاريخ فتطايرت شظاياها قصائد.” 

إذا تكلم الشعر سالت من فمه قناديل. يقول: “أبو تمام وعروبة اليوم”، فنهتز.. لأن رجلاً لا يرى الخرائط، رسم لنا خريطة العروبة المذبوحة على طاولة الاستشراق.

عبقريته الشعرية أنه جعل من العمى بصراً

لا يصف ما تراه العين، بل ما تخفيه الروح. لا يكتب عن النخلة، يكتب عن الجذر الذي تشبث في الصخر ألف عام. لا يرثي المدن، يرثي الذاكرة التي نسيت كيف تبكيها. 

شعره ليس أبياتًا.. هو “زلزال لغوي”. يقلب الفصحى على رأسها حتى تعترف أنها يمنية الأصل. يأخذ التراث فيحرق أطرافه، ثم يقدمه لنا خبزاً ساخناً نأكله بدموعنا.

نثر البردوني سكين جراح

في “رحلة في الشعر اليمني القديم” و”الثقافة والثورة” لم يكن ينقد.. كان يُشَرّح. 

يفكك الجمود باسم الحقيقة، ويعرّي التخلف باسم الدين. ويحدد الثابت ويشير إلى المتحول، كان يغضب، فيكتب. ويكتب، فنشفى. 

نثره ليس مقالات.. هو صراخ مفكر محبوس في جسد ضرير، يريد أن يلمس وجه أمته بأصابعه ليتأكد أنها ما زالت حية.

أما فكره.. فتلك طامة كبرى.. البردوني لم يكن يفكر، كان “يتنبأ.” 

في السبعينات كتب عن “التتار الجدد” و”تجار الحروب” و”مقاولي الهزيمة”، فجاءت التسعينات والألفينات لتصدق نبوءته حرفاً حرفاً. 

كان يرى بعقله ما لا نراه بأعيننا المفتوحة. يقول: الخطر ليس في الخارج، الخطر فينا.. في كهوفنا، في تعصبنا، في موتنا البطيء ونحن أحياء.. فكره وجع. لأنه مرآة لا تجامل.

البردوني مفكرٌ يسير على عكازين من ضوء

لو أن الفكر ثوباً، لكان البردوني هو الخياط الذي مزقه ثم خاطه من جديد بخيطٍ من نار.. ولو أن العقل آلة، لكان هو المهندس الذي فككها أمامنا قطعةً قطعة، وقال: “انظروا.. هنا الصدأ”.

عبدا لله البردوني لم يكن مفكراً.. المفكرون يكتبون ليفهموا العالم. أما هو فكان يكتب ليجعل العالم يخجل من نفسه.

مفكرٌ في زمن الخطباء

في زمنٍ صار فيه الفكر منبراً للتصفيق، كان البردوني غرفة تحقيق. لا يلقي مواعظ. يستجوب. 

يستجوب التاريخ: لماذا انتصرنا في بدر وهُزمنا في كل أيامنا؟ 

يستجوب الدين: لماذا صار الدين سجناً بعد أن كان تحريراً؟ 

يستجوبنا نحن: لماذا نلبس عباءة الأجداد ونحن عراة من الحاضر؟

كان مزعجاً لأنه صادق.. يقول في “الثقافة والثورة”: الثقافة ليست كتباً نرتبها في المكتبة. الثقافة سلوك يومي. فإذا كان شيخك يفتي بالزهد ويمتلك عمارات، وإذا كان مثقفك يلعن الاستبداد ويصافحه في الكواليس.. فاعلم أننا لا نعيش أزمة فكر. نعيش أزمة نفاق.

مفكرٌ يرى بالذاكرة

البردوني لم يكن يفكر بعقله فقط. كان يفكر بذاكرة اليمن كلها؛ ذاكرة سبأ التي جف ماؤها، وذاكرة المعينيين الذين نقشوا على الحجر، وذاكرة القاتل والمقتول في الجبل. لذلك لم يكن خطابه نظرياً. كان تشريحاً. 

في “رحلة في الشعر اليمني القديم” لم يدرس القصائد.. فكك الجينات؛ قال: انظروا، هذا الشعر القديم كان ثورة. كان صوت المهمش ضد الكاهن. فماذا فعلنا نحن؟ حولناه إلى أناشيد مدرسية.

كان يرى أن تخلفنا ليس لأننا نسينا الماضي، بل لأننا جمدناه. وضعناه في متحف، وعلقنا على بابه لافتة: “ممنوع اللمس”. فجاء البردوني وكسر الزجاج وقال: هذا الماضي ليس للعرض. هذا سلاح.

مفكرٌ نبوءته وجع

أخطر ما في فكر البردوني أنه لم يكن يتنبأ بالمستقبل.. كان يفضح الحاضر.

قبل أن يأتي “تجار الدين” و”تجار الحروب” و”مثقفو الشاشات”، كتب عنهم. سماهم: “مقاولو الهزيمة”. 

قال: سيأتي يوم يبيعون فيه أوطانهم بالتقسيط، ويشترون ضمائرهم بالجملة. فجاء اليوم، واشترينا التذاكر بأيدينا.

كان يؤمن بقاعدة واحدة: الهزيمة لا تبدأ بالدبابة. تبدأ حين يموت السؤال في رأسك. ولذلك كان يحرضنا على السؤال حتى لو جرحنا. يسأل: لماذا نقدس النص ولا نفهمه؟ لماذا نكره المختلف ونسميه فتنة؟ لماذا صار الخوف وطناً نسكنه جميعاً؟

مفكرٌ بقلب شاعر

ما الذي يجعل فكر البردوني لا يُنسى؟ 

أنه لم يكن جافاً. 

كان يفكر وهو يبكي. ويحلل وهو يصرخ. ويستنتج وهو ينشد. لا يفصل بين العقل والقلب. يقول لك نظرية.. ثم يطعنك ببيت شعر. يقول: “إن أمةً ينام شعراؤها على الرصيف، ويصحو لصوصها على الكراسي، هي أمة كتبت شهادة وفاتها بيدها”.

هذا ليس تحليلاً سياسياً. هذا تشريح بالكلمات.

إرث الرجل الذي لم يرَ

رحل البردوني جسداً، لكنه ترك لنا عكازين؛ العكاز الأول: عقله. لنمشي به في صحراء الأسئلة. العكاز الثاني: ضميره. لنتكئ عليه حين يميل بنا الخوف.

كان أعمى.. فأبصر عيوبنا كلها. وكان فقيراً.. فأورثنا أغنى مكتبة وجع في التاريخ الحديث. وكان وحيداً في غرفته بصنعاء.. فصار صوت ملايين في المنافي.

أيها البردوني.. 

كيف لرجل لم يرَ وجه أمه، أن يرى وجه اليمن كاملاً؟ 

كيف لمن لم يقرأ كتاباً بعينه، أن يكتب مكتبة بأصابعه؟ 

كيف لمن أطفأوا شمسه، أن يصبح هو شمسنا التي نهتدي بها في ليالي الانكسار؟

أنت لست شاعر اليمن. 

أنت ” ذاكرة اليمن التي رفضت أن تموت.” 

وأنت لست ضريراً. 

أنت البصيرة الوحيدة التي بقيت لنا في زمن العور.

رحم الله شاعرنا البردوني وأسكنه فسيح جناته، فلقد كان فينا المفكر العبقري المرجو، وكان فسحة الأمل. 

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً