اللوحة: بورتريه كارولينا بافلوفا للفنان الروسي فاسيلي فيودوروفيتش بينمان
ترجمة: صالح الرزوق
في القرن التاسع عشر، حين كانت آداب روسيا تضاهي ما كتب في أي مكان وفي أي زمان، لم يكن لديها كاتبة عظيمة – لا سافو، ولا أونو، ولا كوماتشي، ولا موراساكي شيكيبو، ولا مدام دي ستيل، ولا جورج صاند، ولا جين أوستن، ولا جورج إليوت – أو هكذا يمكن أن نقول عند استعراض أشهر أعمال تلك الحقبة. لكننا نعلم الآن أن هذا الكلام ليس دقيقا تماما.
فقد ولدت كارولينا بافلوفا باسم كارولينا كارلوفنا يانيش في ياروسلافل عام 1807، وتوفيت في دريسدن عام 1893 بعد أن عاشت خارج روسيا أربعة عقود. وهي لم تغادر وطنها بسبب قمع القيصر، بل بسبب الانتقادات اللاذعة التي طالت شعرها وحياتها الشخصية. حتى أنها ماتت وحيدة، بلا أصدقاء، ولا عائلة، ولا مال، ولا شهرة (لم تنشر أي صحيفة روسية نعيا لها)، ولكنها تفانت من أجل ما أسمته “حرفتها المقدسة”، التي أنتجت مجموعة من الأعمال الأدبية الرائعة، ومعظمها في الشعر.
في عام 1848، عندما انتهت بافلوفا من كتابة روايتها الوحيدة، “حياة مزدوجة”، لم تكن مكرسة للفن فحسب، بل كانت تستمتع أيضا بملذات أخرى عابرة كالحب والصداقة والاحترام، والتي ستفقدها لاحقا. وبالنظر إلى السخرية التي تهيمن على وصفها الرومانسي في هذا الكتاب الذي يدور حول فتاة شابة تملك كل شيء، يبدو أن كارولينا بافلوفا لم تتوقع الكثير من العالم سوى ما تقدمه موهبتها وشخصيتها. وكان موضوع الصراع بين الشعر والمجتمع حاضرا بقوة في أعمال كبار الشعراء الغنائيين الذين سبقوها، مثل ألكسندر بوشكين وميخائيل ليرمونتوف.
عادت بافلوفا إلى هذا الموضوع مرارا وتكرارا، وترجمت مشاعرها إلى أبيات شعرية ذات دقة كلاسيكية مجردة، وصفها منتقدوها بالبرود والقسوة والبعد عن ما يسمى مشاكل الحياة الحقيقية. حتى عندما حاز شعرها على بعض الإعجاب، كان ممزوجا بالسخرية منها شخصيا. وهكذا، احتوت رسالة من زميلها الشاعر ن. م. يازيكوف عام 1832 على تلميحات بأن ظاهرة الامرأة الشاعرة استثنائية، وهي تثير السخرية نوعا ما عند إلقاء شعرها، كما كان شائعا آنذاك. وهكذا نشأ صراع تجاوز صراع الشاعر مع المجتمع: وهو خلاف الشاعرة مع المجتمع، وفي نهاية المطاف، عبر عن صراع المرأة مع الشاعرة داخل بافلوفا نفسها.
***
عاشت بافلوفا في روسيا في عالم يخيم عليه الرجل، شأنها بذلك شأن كل نساء عصرها الروسيات. كان والدها، كارل يانيش، أستاذا للفيزياء والكيمياء في كلية الطب والجراحة في موسكو؛ وكان العديد من أساتذة الجامعات في روسيا، مثله، من أصل ألماني. كان يانيش يحب ابنته ويحرص على أن تتلقى تعليما ممتازا في المنزل – المكان الوحيد في روسيا الذي يمكن للمرأة فيه الحصول على تعليم عال (لم تكن جامعة موسكو مفتوحة رسميا للنساء حتى عام 1876، على الرغم من وجود العديد من الفصول الدراسية المخصصة للنساء بدءا من أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر).
كان حبها الرومانسي الأول للشاعر البولوني المرموق آدم ميتسكيفيتش، الذي درسها اللغة البولونية (إذ كانت تتقن الفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والسويدية والهولندية، بالإضافة إلى الروسية)، وقد انبهر بموهبتها الأدبية. في أواخر عشرينات القرن التاسع عشر، كانت كارولينا يانيش تحضر بالفعل التجمعات الأدبية الهامة في موسكو، وتترجم الشعر، وتكتب أعمالها الخاصة باللغتين الألمانية والفرنسية. وفي عام 1833، صدر كتابها الأول – وهو ترجمة لشعراء روس إلى الألمانية بعنوان “Das Nordlicht أضواء الشمال”.
في كانون الأول 1836، تزوجت من نيكولاي بافلوف، وهو شخصية ثانوية في عالم الأدب وسرعان ما خفت بريق موهبته. كتب صديق بافلوف، ب. ن. تشيتشيرين، في مذكراته أن بافلوف اعترف بأنه تزوج كارولينا طمعا في مالها، وهو ما وصفه تشيتشيرين بأنه “خطأ اجتماعي شائع، وينظر إليه بتسامح”.
في أيام الخميس، في منزلهم في موسكو بين عامي 1839 و1844، كان كبار الشخصيات في ذلك الوقت يحضرون الصالون الأدبي الذي يقيمه آل بافلوف. كان الشعراء يقرؤون بصوت عال من أحدث أعمالهم، وكان أنصار الفلسفتين الاجتماعيتين السائدتين آنذاك، السلافيون والغربيون، يجتمعون لإجراء مناقشات صاخبة وقد بلغ العداء بينهما حدا لا يسمح بالتقارب الاجتماعي. كان لآل بافلوف ابن يدعى إيبوليت، وهو يتذكر كيف كانت والدته غالبا ما تنسحب من منزلها الكبير الصاخب لتؤلف قصائدها وترردها بصوت مرتفع، وهي تجوب غرفتها جيئة وذهابا، تكرر الكلمات والعبارات وتعيد ترتيبها وتعديلها.
كانت بافلوفا شخصية غريبة، سواء لكونها “ألمانية” أو لأنها شاعرة، فقد كرست حياتها لفنها. وموضوععا المتكرر في علاقاتها مع جميع معاصريها المشهورين كان هو حاجتها، من خلال صداقتهم، إلى تأكيد نظرتها لنفسها كشاعرة. وفي قصائدها المهداة إليهم، تكرر باستمرار ما كتبته إلى يفغيني باراتينسكي عام 1842: “لقد سميتني شاعرة، / وأعجبت بشعري العفوي؛ / وأنا، وقد أضاءني نورك، / آمنت حينها بنفسي”.
لكن تضافرت ظروف حياتها لتقويض هذا الاعتقاد. فإذا كان بافلوف قد تزوج كارولينا طمعا في مالها، فقد بدأ سريعا في تبديده على المقامرة، أحيانا بمعدل يتراوح بين 10,000 و15,000 روبل في الليلة الواحدة. لاحظ أصدقاؤه أنه مع ازدياد شهرتها الأدبية وتراجع شهرته، تزداد غيرته. وورد على لسان أحدهم: “قريبا ستقرأ قصائدها أكثر من قصصه القصيرة. يبدو أنه يخشى ذلك”. أنشأ بافلوف منزلا منفصلا مع ابنة عم زوجته الأصغر سنا، والتي استضافتها كارولينا وساعدت في إعالتها.
***
تفاقمت عزلة بافلوفا بشكل كبير لأنه، على الرغم من قائمة معارفها الطويلة من الرجال المشهورين، كان معظم معاصريها من الرجال يكنون لها كراهية شديدة، ويفسرون كبرياءها المتردد على أنه غطرسة، وحبها للشعر على أنه تمثيل مسرحي. وكما كتب أحد الباحثين السوفييت: “إن الإشارات الساخرة إلى كارولينا يانيش لا تقل عن الإشارات المشجعة، بل ربما تفوقها، وهذه الأخيرة في نبرتها… تتضمن دائما مسحة من السخرية والاستهزاء. ويبدو أن عدد الأبيات الساخرة الموجهة إلى يانيش لا يقل عن عدد الأبيات المليئة بالثناء والنشوة”. بالنسبة للكثيرين، بدا ادعاء بافلوفا بأنها تعيش فقط من أجل فنها أمرا شنيعا بالنسبة لأي امرأة – أو في أحسن الأحوال شيئا يستحق الاشمئزاز.
وجاء من إي. إي. بانايف، المحرر النافذ والكاتب والناشر ذي النفوذ المحدود، الصورة الأكثر سلبية عنها. وكان يزعم أنه يشعر “بالخجل” في حضورها. يقول:
كانت أمامي سيدة طويلة القامة، نحيلة للغاية، صارمة ومهيبة المظهر… في وقفتها، في نظرتها، شيء من التكلف البلاغي. توقفت بين عمودين رخاميين، وبكبرياء أمالت رأسها قليلا عند انحنائي، ثم مدت يدها إلي بجلال إمبراطورة مسرحية… في غضون خمس دقائق، علمت من السيدة بافلوف أنها حظيت باهتمام كبير من ألكسندر فون هومبولت وغوته، وأن الأخير كتب لها بعض الأبيات في دفترها… ثم أُحضرت الدفتر بصفحاته الثمينة… في غضون ربع ساعة، كانت كارولينا كارلوفنا تلقي علي بعض الأبيات التي ترجمتها من الألمانية والإنجليزية.
ربما اعتقدت بافلوفا، من خلال تسليط الضوء على أعمالها والترويج لها في دائرة أديب ذي نفوذ، أنها تتصرف وفقا للمعايير المهنية المعتادة، لكن هذا الأسلوب في الشعر اعتبر غريبا على امرأة. ويروي بانايف أيضا أن بافلوفا عاملت زوجها بفظاظة (وهو أمر متوقع، نظرا لأن نيكولاي كان يبدد ثروتها في المقامرة آنذاك). ويبدو أن بانايف مسؤول أيضا عن الافتراءات السطحية التي طالت شعر بافلوفا، والتي نتجت بطبيعة الحال عن كراهيته لها شخصيا. ذات مرة، عندما بدأ تيموفي غرانوفسكي يشيد بشعرها، صحح له بانايف الأمر بقراءة محاكاة ساخرة لبافلوفا، ومنذ ذلك الحين، أو هكذا يزعم، لم يعد لغرانوفسكي أي صلة بها.
إن قصيدة بانايف، كغيرها من “محاكاته الساخرة”، هي في الواقع هجاء موجه لشخص بافلوفا، وليست محاولة لتقليد خصائص شعرها. أما القصيدة الأخرى الأكثر صدقا، وهي بعنوان “خيبة أملي”، للشاعر والناقد اليساري نيكولاي نيكراسوف، فتعرب عن أسفه لاحتمال أن ترغب النساء في التخلي عن أعمالهن المنزلية البسيطة كالطبخ وتجهيز المخللات لصالح الفلسفة والأدب. ولا يسع المرء إلا أن يأسف لأن نيكراسوف، الذي غالبا ما عبر في شعره عن تعاطف فضولي مع “النساء الساقطات” (كما كان يطلق على بائعات الهوى في ذلك الوقت)، لم يكن قادرا على إظهار التعاطف نفسه مع نساء طبقته.
حتى أصدقاء بافلوفا الأدباء كتبوا، إن لم يكن مقالات ومذكرات، رسائل خاصة تدينها كامرأة. كان السلافيون يقدرون بافلوفا كشاعرة ليس فقط لمضمون بعض قصائدها القومية، بل أيضا لنشرها الشعر الروسي في الخارج من خلال ترجماتها. مع ذلك، عندما أخذت بافلوفا زمام المبادرة وبدأت إجراءات اعتقال زوجها بعد أن رهن ممتلكاتها سرا، انقلب عليها حتى أقرب أصدقائها. ولم تكن لتتوقع أن سمعة بافلوف كليبرالي ستؤدي إلى تفتيش مكتبته، التي احتوت على بعض الكتب الممنوعة؛ ونتيجة لهذا الاكتشاف، سجن وحكم عليه بالنفي لمدة عشرة أشهر في بيرم. ثم عفت عنه لاحقا السلطات وعاد ليعيش مع ابنة عم زوجته، لكن أصدقاءهما لم يسامحوا بافلوفا قط.
***
خلال الأشهر 1853، لم تكتب بافلوفا شيئا. غادرت إلى سانت بطرسبرغ، حيث توفي والدها في وباء الكوليرا. سعيا منها لتجنب العدوى، وغادرت دون حضور جنازته، مما أثار فضيحة جديدة بسبب معاملتها للميت. في أيار 1853، استقرت في دوربات مع ابنها ووالدتها. وفي خضم محنتها، التقت بطالب قانون يدعى بوريس أوتين، يصغرها بخمسة وعشرين عاما، والذي أصبح حب حياتها الأعمق. كسر صمتها الشعري الطويل في كانون الثاني 1854 بقصيدة احتفت بلقائهما وبالعلاقة المتكافئة النادرة التي كانت بافلوفا بحاجة إليها مع الرجال.
في شباط 1854، عاد ابن بافلوفا، إيبوليت، إلى روسيا ليعيش مع والده ويلتحق بالجامعة في العام التالي. استقرت بافلوفا في دريسدن عام 1858 وبقيت هناك بقية حياتها – منفية عن اللغة التي كتبت بها، وعن التقاليد الشعرية التي واصلتها ببراعة، وعن البلد والمدينة التي أحبتها، محتقرة من قبل الشخصيات البارزة التي عرفتها عن كثب، والذين كانوا في أفضل حالاتهم نظراءها الأدبيين.
واصلت بافلوفا الكتابة. تذكرنا بجورج صاند، التي كانت تعمل ثماني ساعات يوميا رغم الاضطرابات العاطفية التي كانت تعيشها. زارها إيفان أكساكوف، أحد أصدقائها من بين الأدباء السابقين، عام 1860 في دريسدن، حيث كانت تعيش بميزانية محدودة للغاية. اختار أكساكوف أن يفسر ما قد يكون رفضا للاستسلام لظروف حياتها القاسية تفسيرا سلبيا. فقال:
كانت، بالطبع، في غاية السعادة لرؤيتي، ولكن في غضون عشر دقائق، بل أقل، بدأت تلقي علي قصائدها… إنه موضوع نفسي مثير للاهتمام، يستحق الدراسة. يبدو أن الكارثة التي حلت بها، تلك المصيبة الحقيقية التي عاشتها، انفصالها عن ابنها، وفقدانها لمكانتها في المجتمع، واسمها وثروتها، وفقرها، واضطرارها للعيش من عملها – كل هذا، كما يبدو، كفيل بهز أي إنسان هزة عنيفة، وترك آثار عميقة عليه… لكن لا شيء من هذا القبيل، فهي كما هي دائما، لم تتغير على الإطلاق إلا أنها كبرت في السن، وكل ما حدث لها استغلته مادة في شعرها.
في المنفى، بدأت بافلوفا تنظر إلى الحياة على أنها نوع من التحدي للبقاء. وكما كتبت إلى أولغا كيريفا من دريسدن في 22 تموز 1860، حين كانت وحيدة وتواجه صعوبات مالية: “أنا منشغلة بالتفكير في تجربة مثيرة للاهتمام؛ أرغب في معرفة ما إذا كان كل ما يصيبني سيقويني، وما إذا كنت سأصمد أم لا”. ولكن حتى في المنفى، استطاعت بافلوفا، التي لم تكن يوما منغلقة على الحياة، أن تكون آخر صداقة أدبية عظيمة لها مع رجل لم يعاملها كوحش، بل كشخصية محترمة ومساوية – أليكسي كونستانتينوفيتش تولستوي، الشاعر والكاتب المسرحي والفكاهي. التقيا في دريسدن عام 1860، وقامت بترجمة أشعاره ومسرحياته إلى الألمانية ليلاقي استحسانا خارج وطنه. وكما تظهر رسائله، فقد ساعدته أيضا في ترجمة النصوص الروسية الأصلية. بدوره، حصل لها على راتب تقاعدي من الحكومة الروسية، وتواصل معها بحرارة واهتمام حتى وفاته عام 1875. عاشت بافلوفا بعده ثمانية عشر عاما، وماتت بحالة أسوأ من المنبوذين – ماتت منسية تماما.
***
لنكن أكثر من منصفين، يمكننا القول إن حياة بافلوفا وفنها أسيء فهمه بشدة من قبل معاصريها لأنها ظاهرة فريدة من نوعها في روسيا. كتب الباحث البارز ب. يا. بوخشتاب مؤكدا أن القرن الأول من الشعر الروسي الجديد، من عام 1740 إلى 1840 تقريبا، لم ينتج أي كاتبة بارزة. الشاعرة المعاصرة الوحيدة البارزة لبافلوفا، وهي الكونتيسة إيفدوكيا روستوبتشينا، كانت مختلفة عن بافلوفا تماما بمقدار اختلاف المدينتين اللتين عاشتا فيهما، سانت بطرسبرغ وموسكو. شعر روستوبتشينا، إلى جانب كونه أقل إثارة للاهتمام من الناحية الأسلوبية من شعر بافلوفا، يقرأ أشبه بسرد لحياتها الأكثر نجاحا.
ويعتبر هذا النوع من الشعر، الأكثر حميمية وقربا من الحياة اليومية (“أنا مجرد امرأة… مستعدة للفخر بهذا”، كما كتبت روستوبتشينا في قصيدتها الغنائية “الإغراء”)، ولا يزال مناسبا للكاتبات على وجه العموم. أما شعر بافلوفا نفسه – الذي يتسم بضبط النفس، وتفضيلها للتأمل الغنائي أو الرثاء – فقد اعتبره معاصروها، كما اعتبره الشاعر الروسي الحديث فلاديسلاف خوداسيفيتش، “غير أنثوي على الإطلاق”. لا يمكن وصف قصائد بافلوفا الغنائية، مثل سلسلة القصائد المستوحاة من حبها لبوريس أوتين، بالبرودة أو التجريد، ولكن حتى عندما تعكس قصائدها مشاعر شخصية، فإن هذا الشعور يكون مكثفا وعاما في آن واحد، كما هو الحال في معظم الشعر الاحترافي.
نشرت رواية “حياة مزدوجة” عام 1848، حين كانت بافلوفا في أوج شهرتها كشاعرة ومترجمة، وأصبح حدثا أدبيا استقطب اهتمام جميع المجلات الأدبية الروسية الهامة. نشر فصل من الرواية قبل صدوره بعام، وكان الجميع ينتظرون العمل كاملا بشغف. لم يزعج أحدا أنها مزيج من النثر والشعر؛ فقد فهم النقاد الغاية من هذا البناء وأشادوا بجودة الشعر إشادة بالغة. حتى أن الناقد المجهول في مجلة “المعاصر ” وصف عمل بافلوفا الجديد بأنه “أصيل في شكله، ومتميز للغاية في مضمونه”. وفي إحدى الإشادات الفريدة التي توجه للشاعرات، ذكر أن الشعر كان حادا ونابضا بالحياة لدرجة أنه “يصعب تمييز لمسة المرأة الرقيقة فيه”.
رواية “حياة مزدوجة”، المؤلفة من عشرة فصول، تحكي قصة فتاة شابة تدعى سيسيلي فون ليندنبورن، التي نراها محاصرة في حياة وزواج لا معنى لهما من قبل أقرب الناس إليها: والدتها حسنة النية، وصديقتها المقربة أولغا، ووالدة أولغا، وهي امرأة معروفة بالرياء الاجتماعي. في الفصل الأخير، يتزوج ديمتري، خطيب سيسيلي، منها طمعا في مالها. وتبدع بافلوفا في وصف هذا النوع من الرجال ضعيفي الإرادة، الذين يدفعهم أصدقاؤهم ليتعهدوا بخيانة زوجاتهم حتى قبل عقد القران. وكما يقول أحد العزاب: “من سيرغب في الزواج إذا كانت نعمة الزواج تتطلب التخلي عن الخمر والأوقات الممتعة؟”
كحال معظم الروايات الروسية العظيمة في عصرها، تدور أحداث هذه الرواية في عالم الطبقة الأرستقراطية. وتتفوق بافلوفا في تصوير تضاريس العلاقات الاجتماعية: فمن يجلس بجوار من، ومن يسير مع من، يحدد سنوات كاملة من حياة الشخصية. يرمز تفتح الزهرة أو انغلاق قفل سوار مرصع بالجواهر إلى حياة مستقبلية محطمة أو محاطة بدائرة.
تحصر بافلوفا، منطقيا، بطلتها في عالم النساء، محصورة ومحمية في بيوتها أو عرباتها التي تدور بين البيوت أو الكنائس. وفي اللحظات النادرة التي تصعد فيها سيسيلي إلى شرفة أو تمتطي حصانا، تشعر بنشوة عابرة وبالسيطرة على مصيرها. تقول: “لقد استسلمت لمتعة ركوب الخيل، لجاذبية هذه القوة الحية، هذه الإرادة شبه الحرة التي حملتها بعيدا والتي كانت هي من تقودها”.
مع ذلك، في أكثر الأماكن عزلة، في غرفة نومها، تجد سيسيلي نفسها أقل تقييدا. هنا، نرى وسوسات عقلها متحررة من القيود (على حد تعبير بافلوفا). يتبع كل فصل نفس البنية، مع بعض الاختلافات الطفيفة: يوم حول غرور المجتمع وقسوته، يليه ليلة من الأحلام. يبدأ كل فصل نثرا وينتهي شعرا، حيث يعبر الشعر عن نوع من الحوار الداخلي ليعكس الحياة المزدوجة التي تعيشها سيسيلي. وغالبا ما تكون المقاطع التي تربط بينهما نثرا له إيقاع، وتصف حالة من النعاس، بين الواقع والحلم. ثمة روابط أخرى أيضا: فهي تحلم بأشخاص تسمع عنهم في غرفة الجلوس نهارا، وتفكر في يقظتها فيما رأته في أحلامها. أخيرا، ثمة علاقة عكسية بين الأحلام واليقظة من الناحية العاطفية؛ فكلما بدت حياة سيسيلي الواقعية أفضل مع اقتراب زواجها، ازداد الألم الذي تعبر عنه في أحلامها الشعرية.
تعبر بافلوفا في رواياتها، بجرأة لا تقل عن أي من كتاب القرن التاسع عشر الذكور الذين عاصروا حقبتها، عن ميولها وقيمها في الحياة بوضوح. وهكذا، يصبح موقف الرواية من الشعر مقياسا لمجتمعها. فعندما يعاني شاعر ويسخر منه، يدان المجتمع. حتى سيسيلي لم تجرؤ على إطلاق العنان لإبداعها إلا في الأحلام؛ ففي يقظتها، كانت تعلم “أن هناك شاعرات أيضا، لكن هذا كان يصور لها دائما على أنه أمر مثير للشفقة، وغير طبيعي، كمرض كارثي وخطير”. تصف بافلوفا الرجال وهم يتظاهرون بالحرص نفسه الذي تتظاهر به النساء في المجتمع (فهم متساوون في الغرور)؛ لكن رجالها يتسمون بفظاظة خاصة تخلو منها نساؤها، وبعض نسائها يتمتعن بفضائل جذابة لا يمتلكها رجالها في أحسن الأحوال إلا ظاهريا – “تلك الجرأة الأنثوية العنيفة التي هي أبعد ما تكون عن الشجاعة الرجولية”.
تتمتع بافلوفا برومانسية مميزة لعصرها، ممزوجة بحس ساخر للواقع. يذكر لنا مرارا وتكرارا أن حب سيسيلي لديمتري حبٌ نبيل، حتى وإن لم يكن ديمتري نفسه كذلك. ويضفي مرض سيسيلي الغامض مزيدا من الجمال على مظهرها الدنيوي، ويقربها في الوقت نفسه من العالم الآخر الذي تحلم به. تبدأ الرواية في الربيع، حين تحلم سيسيلي بالحب، وتنتهي في الخريف، حين تتزوج. ويلمح بقوة إلى قدوم الشتاء.
تكمن قوة هذه الرواية، كما هو الحال في رؤية بافلوفا للحياة، في دمج هذين المفهومين الرومانسيين ضمن محاور واقعية واضحة. فاللمسات الساخرة العديدة في “حياة مزدوجة” – بدءا من اللمسات اللغوية البحتة، كاستخدام كلمة ” راضية” ، وصولا إلى الاستعارات الأوسع، كالتشبيه بين الزواج وأم تدفع ابنتها من النافذة إلى الرصيف – تمنع القارئ من الانغماس في تفاصيل حياة الأرستقراطيين الأثرياء. وبالمثل، فرغم أننا نتمنى نهاية أسعد لسيسيلي، إلا أن بافلوفا تتركها، وتتركنا معها، وهي تحمل سلاحا واحدا ضد الحياة لتنجو من الدمار: الوعي. إن الوعي المزدوج بأن هذه هي طبيعة الأمور، وأنها لا ينبغي أن تكون كذلك، والجودة العالية لأسلوب بافلوفا السردي والشعري، يشكلان بحد ذاتهما احتجاجا قويا على مصير المرأة.
والجملة الأولى من الفصل الأول (“لكن هل هم أغنياء؟”) هي أفضل جملة افتتاحية في أي رواية روسية. في اللغة الروسية، لا يتطلب الأمر سوى كلمتين: “أ بوغاتي “أ غني”؟”
الترجمة فقرة من كتاب “حياة مزدوجة ” لكارولينا بافلوفا، ترجمة باربرا هيلدت (منشورات جامعة كولومبيا)، وهو جزء من سلسلة المكتبة الروسية – تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي
باربرا هيلدتBarbara Heldt أستاذة فخرية في اللغة الروسية في جامعة بريتيش كولومبيا. ومن مؤلفاتها كتاب “كوزما بروتكوف: فن المحاكاة الساخرة” (1973) وكتاب “الكمال الرهيب: المرأة والأدب الروسي” (1987).
