صدرت عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، المجموعة القصصية الجديدة «راعية» للكاتب والشاعر عبد اللطيف مبارك، الواقعة في 202 صفحة وتضم بين دفتيها تشكيلة سردية تُحاكي هموم الإنسان وتحولاته النفسية والاجتماعية.
تتنقل نصوص المجموعة بين دراما الواقع وفانتازيا الرمزية؛ حيث يُقدم مبارك حكايات تُسلط الضوء على الهشاشة البشرية، والذاكرة المنكوبة، وصراع الروح مع الزمن، مستعرضًا نماذج من ألم التهميش وحسرة النهايات.
تنطلق قصص المجموعة لتغوص في أعماق عوالم مختلفة، تتنوع بين البؤس والشجن والصمود، ومن أبرزها:
• «ليلى العندليب».. من سجاد الحرير إلى كرتون الرصيف: تستعرض القصة المأساوية الصادمة لمطربة الأوبرا الشهيرة «ليلى»، التي دانت لها مسارح القاهرة وعواصم العالم، قبل أن تبدأ بوادر الانكسار بفقدان صوتها وانفضاض الجماهير عنها. تتبدد ثروتها بين زواج فاشل وقضايا ضرائب، لتنتهي بها الحال مطرودة في الشارع، تفترش الكرتون تحت كوبري قصر النيل وتتسول بالعملات المعدنية، حتى ترحل في ليلة شتاء قارسة كجثة مجهولة الهوية.
• «عازف الريح».. حين تُغزل الحرية بالعيون: سرد لمأساة الشاب «عبد الرحمن» المصاب بقطع في الحبل الشوكي إثر حادث سير، والذي يتجاوز أسوار الشلل بالاستعانة بتقنيات تتبع حركة العين. يتحول الشاب المقعد إلى كاتب شهير يتسلل بأفكاره إلى الملايين عبر شبكة الإنترنت، مثبتًا أن السجن الحقيقي ليس في الجسد بل في الصمت.
• «مملكة الألوان الباهتة».. الياسمين في وجه الرمادي: قصة رمزية سياسية تدور في «مدينة المرايا»، حيث يُطاح بحاكم يغرس الشعر بذور الياسمين على يد قائد حرس لا يرى في الألوان سوى الفوضى. ورغم سجن الحاكم وقتله في الظلام، ينبت الياسمين من تحت أقدام موكبه، ليعيد للأهالي ألوانهم المفقودة وثورتهم ضد الرمادية.
• «ملحمة الصمود».. مئة يوم تحت نار السويس: توثيق أدبي للمقاومة الشعبية في السويس إبان حصار أكتوبر 1973؛ حيث يتلاحم مدنيو حي الأربعين بزجاجات المولوتوف والبندقيات القديمة أمام دبابات العدو. تعكس القصة تضامن الأهالي في تقاسم قطرات الماء وشحذ الهمم في أوقات انقطاع الكهرباء والقصف.
• «ميزان من قش» و«زر لخفض الصوت»: تتطرق المجموعة إلى القضايا الأخلاقية والنفسية؛ ففي «ميزان من قش» تنكشف كواليس التلاعب بالقضاء وحياكة التهم للضعفاء لحماية رجال الأعمال، بينما تسفر «زر لخفض الصوت» العالم الداخلي لفيض المثيرات الحسية لـ «زين»، الطفل الذي يعاني من التوحد ويرى العالم بوعي مختلف لا يرحم ضجيجه.
يعكس البناء اللغوي للمجموعة خلفية عبد اللطيف مبارك الشعرية؛ إذ امتازت الجمل القصصية بالتكثيف الجمالي والمجاز دون أن يفقد السرد تدفقه التشويقي. واستطاع الكاتب أن يجعل من “الهامش الاجتماعي” بؤرة رئيسية لأحداثه، مفسحًا المجال للشخصيات المهمشة لتسرد حكاياتها وتدافع عن حضورها الإنساني.
تتميز مجموعة «راعية» بأسلوب لغوي رصين يجمع بين الصورة الشعرية والواقعية المباشرة، متخذة من الإنسانية خيطًا رئيسًا ينظم كافة شخوصها المتألمة والمكافحة.
وتتمحور الرؤية الفلسفية للمجموعة حول مفهوم “الصمود” بوجوهه المختلفة؛ سواء كان صمودًا ضد المرض والإعاقة، أو ضد التهميش والفقر، أو ضد المحو السياسي والتاريخي. تنجح المجموعة في تقديم بورتريت متكامل للهشاشة البشرية، دون الانزلاق إلى النحيب الاجتماعي، بل بالتأكيد على قوة الروح في ترك أثرها رغم قسوة الظروف.
يُعد عبد اللطيف مبارك من الأصوات الأدبية البارزة التي انطلقت منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ جمع في تجريبه بين القصيدة والقصة والكتابة الغنائية والمسرحية
وتُمثل «راعية» إضافة حقيقية لأدب القصة القصيرة، حيث نجح الكاتب في تقديم وثيقة أدبية تجمع بين الإمتاع الجمالي والعمق الفكري، لتؤكد أن السرد يظل ملاذًا أصيلاً لتوثيق الذاكرة وحماية الإنسانية من طغيان النسيان.