اللوحة: الفنانة الكورية الجنوبية يونغ بارك
الفصل الحادي عشر
كانت جلسات الاسترخاء الجماعية، على كلِّ ما ينطوي عليه مشهدُها من تناقضٍ خفيٍّ عميق، أكثرَ الساعاتِ احتمالًا ومواساةً في حياة ندى الراكضة داخل جدران المصحّة، ففي رِحاب تلك القاعة الشاحبة التي يغمرها ضوءٌ سديميٌّ خافت يحاكي بقايا مساءٍ خريفيٍّ حزين، كانت تشعر، لوهلةٍ نادرةٍ عزيزة، أن الصخبَ المستعر في جوف رأسها يخفتُ قليلًا، كمدينةٍ صاخبةٍ أنهكها الضجيجُ الطويل فأدركها التعبُ والسكوتُ أخيرًا.
تنسابُ الموسيقى بطيئةً وادعةً في الأرجاء، رخوةً كنسيمٍ سحريٍّ يمرّ فوق بحيرةٍ ساكنة.. بينما يعلو صوتُ المعالجة هادئًا، رخيمًا، مدرَّبًا بامتيازٍ على تصنيع الطمأنينة، وهي تصفُ للنزلاء بحارًا زرقاءَ لا حبسَ لمداها تتكسر أمواجُها برفقٍ على الرمال، وغاباتٍ غضةً مبتلّةً بقطرات المطر، وطيورًا بيضاءَ ناصعةً تحلّق في فضاءٍ حرٍّ فسيح لا تطاله يدُ الخوفِ أو القيد.
كانَ الجميعُ يغمضونَ أعينَهم امتثالًا لطوع الصوت، كأنهم يلجونَ معًا طقسًا من طقوس النجاة الجماعية، فيما كانت ندى تدركُ أن الأمرَ برمّته لا يعدو كونه مسرحًا هزيلا من مسارح السكينة المصطنعة، كلماتٌ محفوظة، وصورٌ جاهزةٌ معلّبة يجري استدعاؤها في اللحظة المناسبة، ليبدو الجميعُ أقلَّ انكسارًا وعطبًا مما هم عليه في واقع الأمر.
ومع ذلك، لم تكن ندى تسخر من تلك اللحظات العابرة كما اعتادت أن تسخر من الأشياء والمواقف التي تخذلها دائمًا، فقد كانت في أمسِّ الحاجة إليها، ولو بوصفها خدعةً سيكولوجيةً صغيرة تمنح روحَها المتعبة فرصةً قصيرة الأمد لتلتقط أنفاسَها اللاهثة.
وحين تُغمض عينيها في العتمة، لم تكن ترى ذلك البحرَ الساحر الذي تصفه المعالجة، ولا تفاصيل الغابة المبتلة، ولا الطيورَ المحلقة في الآفاق البعيدة، كانت ترى نفسَها فحسب.
ترى امرأةً خمسينية تمشي وحيدةً على شاطئٍ ممتدٍ لا نهاية له، حافيةَ القدمين، والرملُ الدافئ يبتلع آثارَ خطواتِها الوئيدة ببطءٍ ومواساة، كأنَّ الأرضَ برأفتِها الفطريةِ تحاولُ أن تمحو عنها أوزارَ الذاكرةِ الثقيلة. هناك، في ذلك الفضاء المتخيَّل النقي، لم يكن ثمة أحدٌ يسألها عن أسباب حزنها المتجذر، ولا يطالبها بتبريرٍ منطقيٍّ لانهيارها النفسي، ولا ينظر إلى كينونتها ككائنٍ معطوبٍ مشوه يحتاج إلى إعادة إصلاحٍ وتقويم في ورش البيروقراطية.
كانت تسير وحسب، خفيفةً كالهباء للمرة الأولى في مغتربها، بلا خوفٍ يترصدها من الكلمات، وبلا قلقٍ ينهشها من نظرات الآخرين الفضولية، وبلا ذلك الشعور المرير والمهين بأنها مطالبةٌ في كل محفلٍ بالدفاع المستميت عن حقّها الطبيعي في الشفاء.
غير أن تلك الهدنةَ الحالمة لم تكن تدومُ طويلًا، فما إن تخرج من عتبة القاعة، حتى يعود العالمُ الخارجيُّ إليها بكلكله وثقله القديم الضاري، الممراتُ الإسمنتية الباردة، الروائحُ الطبية النفاذة الحادّة، الوجوهُ الواجمة التي تحمل أتعابَها في صمتٍ مريب، والفراغُ الهائل المرعب الذي يبتلع الساعاتِ الزاحفة ببطءٍ قاتل. غدت المصحّةُ في عيني ندى أشبه بمحطةِ قطارٍ مهجورةٍ ضلّت فيها الأرواحُ الغريبة طريقَها، وكلُّ من يقبع فيها يجاهد بيأسٍ لكي يبدو متماسكًا صلبًا، بينما هو يتداعى وينهار من الداخل في صمتٍ مروع.
ومع كل هذا الركام، كانت هناك ساعةٌ وحيدةٌ يتيمة منحت جسدَها العليل سلامًا خالصًا يحاكي المعجزةَ الصغيرة، ساعةُ التدليك الكهربائي.
مُنذُ اللحظةِ الأولى التي ولجَتْ فيها جوفَ ذلكَ الكيسِ العلاجيِّ الفسيح، وانضمَّ الجِدارُ على جسدِها بالكامل مخلفًا رأسَها في العراءِ كزهرةٍ بريةٍ نجتْ بأعجوبةٍ من طوفانِ الغرق، شعرت ندى كأنها تُسلَّم أخيرًا، بعد طول ترحال، إلى يدٍ غيبيةٍ رحيمة حانية. بدأت الموجاتُ الكهربائية تتسلل برفقٍ عبر عضلاتها وأنسجتها المتعبة، ناعمةً مستكشفةً تارةً، وعنيفةً هادرةً تارةً أخرى، كأمواج بحرٍ استوائيٍّ دافئ يتكسر بعذوبة فوق جسدٍ عارٍ أنهكه البردُ والاغتراب طويلًا.
أغمضت عينيها آنذاك، واستشعرت أنها تغوص في لُجّة ماءٍ عميقٍ صافٍ لا خوف فيه ولا فزع. كان جسدُها المنهك، الذي حمل كلَّ أعبائها النفسية وجراحاتها السرية بصمتٍ صبورٍ لسنواتٍ طوال، يسترخي للمرة الأولى في حياته، كأنه يفرغ أحزانه القديمة وسمومه المتراكمة دفعةً واحدةً في جوف الكيس.
كل عضلةٍ متشنجةٍ فيها كانت تئنّ بقوة ثم تهدأ، وكل ألمٍ صغير مخبوءٍ تحت الجلد كان يذوب ويتلاشى ببطء، حتى خُيّل إليها في غمرة الذهول أن الحزنَ نفسه مادةٌ يمكن تدليكُها وإخراجُها من مسام الجسد.
تمنت من سويداء قلبها لو أن تلك الساعةَ الأثيرية لا تنقضي أبدًا، لو تبقى معلّقةً ومحفوظةً في لحظة الراحة النادرة والفريدة تلك، قبل أن تعود ذئابُ الحياة لمهاجمتها من جديد. لكنها، ككل الأشياء الجميلة، انتهت سريعًا، كأن الطمأنينةَ في هذا العالم ليست سوى زائرةٍ عابرةٍ متكبرة، لا تعرف طريقًا للبقاء والاستقرار.
وحين نهضت من جوف الكيس بعدها، شعرت بحزنٍ غامضٍ شفيف، ورددت في مونولوجها المكتوم:
“إن أكثرَ ما كنتُ أفتقده وأنشده في رحلتي العاصفة هذه، هو ذلك الشعورُ الفطريُّ البسيط بأن أحدًا ما، ولو لساعةٍ واحدةٍ يتيمة، يستطيع ويقبل أن يخفف عني ثقلَ هذا الألم الرهيب.”
حتى في الأمسيات القليلة التي كانت تُقام في ردهاتها حفلاتٌ صغيرة أو جلساتُ ترفيهٍ مصحوبة بالموسيقى الصاخبة، كانت ندى تحاول أن تقترب من تجمعات الآخرين، ذعرًا من أن يتحول انعزالُها المزمن إلى هاويةٍ سحيقة لا تعود قادرةً على الانعتاق منها أبدًا.
كانت تدلف القاعةَ الكبيرة بخطواتٍ مترددةٍ وجلة، كمن يتطفل على حياةٍ باذخةٍ لا تخصّه ولا يشبه أهلها. الضحكاتُ تتعالى هازئةً في الزوايا، الأحاديثُ تتشابك بخفةٍ وطيش، والمقاعدُ تكتمل بأجسادٍ متقاربةٍ صنعت من دون قصدٍ منها دوائرَ مغلقةً لا مكان لندى بينها ولا سبيل لاختراقها.
تقف متسمرةً للحظاتٍ قرب الباب، تحمل في أحشائها ذلك الارتباك الصامت الرهيب الذي لا يلحظه أحد، تشعر بيقينٍ جارح أن حضورَها زائدٌ عن الحاجة، وبأنها تشبه ظلًا باهتًا عبر المكان مصادفةً محضة دون أن تلتفت إليه عين. ليس ثمة عداءٌ علنيٌّ موجه ضدها، ولا قسوةٌ لفظية واضحة، لكن التجاهلَ البارد في تلك اللحظات كان أشدَّ وحشيةً وضراوة من الإهانة الصريحة نفسها، أن يدخل الإنسانُ مكانًا مزدحمًا بالبشر ثم يغادره من دون أن يترك أثرًا في عينٍ واحدة، أو دون أن ينتبه أحدٌ من الحضور لوجوده أو لغيابه، كان بمثابة جرحٍ غائرٍ خفيّ يمزّق بقسوةٍ كبرياءً دفينًا في ذاتها.
وكان يؤلمها ويوقظ حزنَها، على نحوٍ خاصٍ ومرير، أنها اعتادت هذا الهامش! ومن فرط ما خذلتها الأيامُ وسحقتها الخيبات، بدأت تتقنُ ببراعةٍ حزينة دورَ الكائن غير المرئي، تبتسمُ آليةً حين ينبغي لها أن تبتسم، وتهزّ رأسَها بالموافقة في الوقت المناسب، ثم تنسحبُ في هدوءٍ مطرقٍ يشبه الاعتذار الصامت، كأنَّ وجودَها الإنساني كله ليس سوى عبءٍ ثقيل على الأمكنة بما فيها.
صنم البطاقة الإلكترونية.. فصل من رواية قيد الإنجاز
