رحلة الفناء الأخير

رحلة الفناء الأخير

اللوحة: الفنان الباكستاني زهيب أحمد

تتقاطرُ الأزمنةُ من ثقوبِ الجدران،

الأصداءُ تتكوّمُ فوق العدم،

في الصومعةِ تلك

يتنفسُ الهباءُ صمتَهُ العميق…

نزعتُ عن روحِي

خِرقةَ الأسماءِ ووهمَ الجهات،

وتركتُ ظِلّي على أواخرِ 

ما تبقّى من الوقتِ

كفنًا يُحتَضَر.

خلعتُ خوفي خيطًا خيطًا،

ورميتُ طينَ أسئلتي

في جُبِّ الذُّهول.

لم يكُن هذا الصمتُ جدارًا يُحاصرُني،

كان نهرًا من ضياءٍ غائر،

سُلَّمًا أثيريًّا

أهبطُ فيه نحو قاعي،

أغوصُ في غيبي الشاسعِ اللانهائي.

يا شمسًا تُشرقُ في كلِّ جَلاء،

ويا سرًّا يتخفّى

في طيّاتِ كلِّ جمالٍ بهيّ،

كم طوّفتُ في قِفارِ التِّيهِ أقتفي أثرَك،

أبثُّ وجدي لصخرٍ أصمّ،

وأستنطقُ أجنحةَ الريح،

حتى همسَ في سرِّ سرّي نداؤك:

“كيف تطوفُ بالظِّلالِ

ومَن تطلبُهُ هو عينُ الطريق؟”

عندها… انكسرَت مرآةُ دَعواي،

وتلاشيتُ كذوبِ شمعةٍ تحتضنُ

جذوتَها الأخيرة.

احترقَت مسافاتي،

وانمحتِ الفواصلُ بين النبضِ والفضاء،

فما عُدتُ أدري:

أأنا العاشقُ أم المَعشوق؟

أأمشي في الهوى…

أم أنا وِجهةُ العشقِ وأصلُ الهوى؟

لمّا سكبتُني كاملًا منّي،

وتطهّرتُ من شائبةِ الـ”أنا”،

تجلّيتَ فيَّ…

فإذا بقطرتي محيطٌ لا ساحلَ له،

وإذا بموتي فيك

بَعثٌ سرمديٌّ لا ينتهي.

ثم… كما ينسلُّ الفجرُ من قلبِ الليلِ الطويل،

هدأَ الطوفانُ في داخلي،

ورَسا الفناءُ على شاطئِ البقاء،

وجدتُني أعودُ… لا كما كنتُ،

بل كموجةٍ تحملُ عنوانَ البحرِ كلِّه.

مشيتُ بين الناسِ

وفي خطواتي إيقاعُ محيطٍ لا يُرى،

نظرتُ في عيونِهم

فرأيتُ قَطراتٍ تبحثُ عن مصبِّها،

وعرفتُ أن الفناءَ لم يكُن نهايةَ الرحلة،

بل كان الاسمَ الأولَ

لبدايةٍ لا تُشبهُ شيئًا سِواها.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً