أنفاقُ الحنين.. حين يُستحالُ الغيابُ معطفاً للهزيمة

أنفاقُ الحنين.. حين يُستحالُ الغيابُ معطفاً للهزيمة

اللوحة: الفنانة الأسترالية فانيسا ستيفانوفا

في غمرةِ هذا التيهِ الإنسانيِّ الكبير، يطغى على ألسنةِ الكثيرين حديثُ “الغربةِ”، ليس كواقعٍ مكانيٍّ فحسب، بل كحالةٍ ذهنيةٍ استمرأها البعضُ حتى غدت مأوىً لأوجاعِهم. إنَّ تحويلَ الغيابِ عن الأهلِ والديارِ إلى “مشجبٍ” تُعلقُ عليهِ إخفاقاتُ الذاتِ وتراخي الهمم، لهو أخطرُ صورِ استلابِ الإرادة. إن الغربةَ ليست قدراً يُقعدُ المرءَ عن المجد، وليست مبرراً يُشرعنُ الانكسار، بل هي ساحةُ اختبارٍ كبرى، تتمايزُ فيها المعادنُ وتنجلي فيها الحقائق.

وهمُ المسافة: الغربةُ ليست صكَّ اعتزال

إنَّ من يظنُّ أنَّ البُعدَ عن الأوطانِ يمنحهُ رخصةً لتركِ الحبلِ على الغاربِ في مراجعةِ الذاتِ وتطويرِ المسار، قد وقعَ في فخِّ التبريرِ الرخيص. إنَّ الغربةَ –على قسوتِها– مدرسةٌ للفروسيةِ النفسية؛ فهي تُجردُ المرءَ من دعاماتِ الأُنسِ المعتادة، لتضعه وجهاً لوجهٍ أمام جوهره. القويُّ هو من يستعذبُ مرارةَ الاغترابِ ليحولها إلى وقودٍ للارتقاء، بينما الضعيفُ هو من يتخذُ منها “مشجباً” يلقي عليه أعباءَ تشتتِه، ملقياً باللومِ على الجغرافيا في كلِّ خيبةٍ يواجهُها.

إنَّ حقيقةَ الانتماءِ لا تقاسُ بطولِ المسافةِ عن ترابِ الوطن، بل بمدى حضورِ القيمِ والمبادئِ في سلوكِ المرءِ أينما حطَّ به الرحال. إنَّ الغربةَ لا تساوي “مشجباً” يبررُ التحللَ من الواجباتِ الإنسانيةِ أو الأخلاقية؛ بل هي اختبارٌ لقدرةِ المرءِ على حملِ هويتِه كرايةٍ لا تنكسرُ مهما عصفت رياحُ التغيير. إنَّ من يعلقُ تقصيرَه على شماعةِ الغربة، إنما يعترفُ ضمنياً بأنَّ جوهرَه كان هشاً، وأنَّه لم يجد في نفسِه من القوةِ ما يجعلهُ سيداً لظروفِه، لا عبداً لها.

التناغمُ في قلبِ الاغتراب: فنُّ الثبات

المجتمعُ في حقيقتهِ ليس مكاناً نتواجدُ فيه، بل هو نسيجٌ من العلاقاتِ والأفكارِ التي نبنيها حولنا. والمتزنُ هو من يعيدُ بناءَ وطنِه الصغيرِ في أروقةِ غربتِه؛ فيحملُ عاداتِه النبيلة، ويرتقي بأخلاقهِ لتكونَ سفيرةً له في أرضٍ لا تعرفُه. إنَّ “مشجبَ الغربة” الذي يتكئُ عليه المتخاذلون ليس سوى غطاءٍ لخواءٍ داخلي، فالإنسانُ الكريمُ كريمٌ في حلِّه وترحالِه، والأصيلُ أصيلٌ حتى لو غُربل في أصقاعِ الأرض.

لا تنتظر من الغربةِ أن تمنحَك العذرَ؛ فالمعالي لا تُنالُ إلا بمن كسرَ القيودَ التي فرضَتها عليه الظروف. إنَّ الصراعَ بين الرغبةِ في الانتماءِ للماضي والواقعِ الذي تفرضه الغربةُ هو صراعٌ يوميّ، لكنَّ المنتصرَ فيه هو من يعلمُ أنَّ الوطنَ ليس رقعةً نغادرها، بل هو الميثاقُ الذي نحملهُ في صدورنا، والنهجُ الذي نسيرُ عليه.

جوهرُ المواجهة: حين تسقطُ الشماعات

إنَّ الوقوفَ أمام مرآةِ الحقيقةِ دونَ “مشجبٍ” نتكئُ عليه، هو فعلُ شجاعةٍ لا يتقنُه إلا الأحرار. أن تقولَ لنفسِك: “أنا مسؤولٌ عن نجاحي وإخفاقي، والمسافةُ لا تلغى بصمتي”، هو الخطوةُ الأولى نحو الخروجِ من نفقِ الغربةِ المظلمِ إلى رحابةِ الإنجاز. لا تكن ممن يبحثونَ عن الأعذارِ في ثنايا الغربة، بل كن ممن يصنعونَ من الغربةِ منطلقاً لإثباتِ الذاتِ وتثبيتِ الأقدام.

“إنَّ الغربةَ ليست شجرةً لنعلقَ عليها خيباتِنا، بل هي جبلٌ صلدٌ يُنحتُ فيه الرجالُ أسماءَهم، فإمّا أن تكونَ نحّاتاً يبني صرحَ وجودِه، أو متفرجاً يذوبُ في أوهامِ التبرير.”

ختاماً: الارتقاءُ فوق الظروف

لا تسمحوا لنداءِ الحنينِ أن يغدوَ معولاً للهدم، ولا تجعلوا من بُعدِ المكانِ مبرراً لضياعِ الميزانِ القيمي. إنَّ الأوفياءَ لذواتِهم ولأوطانِهم، يظلون في أوجِ اغترابِهم أكثرَ ثباتاً ممن يتربعونَ في عقرِ الدار. الغربةُ سجنٌ لمن يراها مبرراً، وساحةُ فروسيةٍ لمن يراها تحدياً، فليكنْ وعيُكم هو الحصنَ الذي لا تخرقُه مسافات، ولتكنْ عزيمتُكم هي المشجبَ الحقيقيَّ الذي تعلقونَ عليه إنجازاتِكم لا إخفاقاتِكم.

رأي واحد على “أنفاقُ الحنين.. حين يُستحالُ الغيابُ معطفاً للهزيمة

  1. تحياتنا وتقديرنا لكم ولفكركم وتنويركم الرائع الرائد دائما وابدا مفكرنا الرائع الرائد العزيز الغالي………

اترك رد