اللوحة: الفنانة الهولندية ماريا ويسترا
في القصة القصيرة «الحرب» للويجي بيرانديللو، تجلس سيدة في مقعد القطار إلى جوار زوجها الذي أخذ يواسيها، ثم يخبر ركاب العربة أن ابنهما الوحيد ذاهب إلى الحرب، وأنهما جاءا إلى روما لوداعه. تبكي الأم لأنها تشعر أنها صاحبة المأساة الأكبر في العالم، فيتبادل الركاب الحديث عن أبنائهم؛ تذكر امرأة أن ابنيها الاثنين في الجبهة، ويذكر آخر أن ابنه ذهب إلى الجبهة منذ بداية الحرب، وأصيب مرتين ثم عاد، يرد الزوج: «نحن أكثر بؤسًا؛ لأنه ابننا الوحيد». فيقول أحد الركاب إن الأبناء، بعد سن العشرين، يصبحون أبناء الوطن، وإن ابنه مات في الحرب، لكنه لن يبكيه، لأنه مات سعيدًا وهو يدافع عن وطنه. يبدأ الرجل في إقناع الآخرين، بل وإقناع نفسه، بأن موت الابن يمكن أن يكون مصدر فخر بدلًا من أن يكون مصدر حزن، تستمع إليه الأم، وتبدو كأنها اقتنعت، لكنها ترفع رأسها وتسأله: «ولكن… هل ابنك ميت حقًا؟»، يصمت الرجل، ثم ينفجر في البكاء.
لقد ذابت، في لحظة واحدة، كل الكلمات التي غطّى بها الحقيقة، وأصبحت عارية: ابنه مات.
وفي مسلسل «ستة أقدام تحت الأرض»، تعمل عائلة فيشر في تجهيز الموتى؛ ترمم الجثة، تخفي ما شوهه الموت، تضع الأذن الصناعية والعين الزجاجية، تعطرها وتغطيها بالمساحيق وتلبسها أجمل ثيابها، ثم تضعها في تابوت فخم. ويلبس أهلها ملابس رسمية، بوجوه متماسكة، كأن للحزن أيضًا بروتوكولًا ينبغي الالتزام به. كل شيء جميل ومرتب، حتى يصبح الموت نفسه غائبًا وراء هذا الترتيب.
لكن حين يموت الأب، يصبح الموت شخصيًا، فتكتشف العائلة أن المعرفة التقنية بالموت لا تمنح صاحبها مناعة عاطفية ضده، وأن معرفة كيفية التعامل مع موت الآخرين لا تعني مهارة في التعامل مع موت من نحب.
في جنازة الأب، يقف أفراد الأسرة أمام التابوت، وقبل هبوطه إلى الأرض، يكون التراب موضوعًا في وعاء صغير أنيق يشبه مِلّاحة الطعام؛ يأخذ كل منهم قليلًا منه وينثره فوق التابوت، في طقس وداع مرتب وأنيق، كأن حتى الحزن ينبغي أن يخضع لقواعد الذوق.
وحين جاء دور الابن «نيت»، سخر قائلًا: «ما هذا الذي يشبه نثر الملح على الفيشار؟» ثم قبض التراب بيده وأخذ يلقيه على التابوت، معلنًا أنه حزين ومفجوع، وأنه لا يريد أن يخفي حزنه خلف المراسم؛ يريد أن يقولها كما هي: أنا حزين لأن أبي مات، وأنا مفجوع، ويجب أن أُظهر ذلك.
ثم جاءت أمه، ففعلت مثله؛ ارتمت على التابوت وأخذت تبكي بحرقة.
في مجتمعنا العربي، تُكبَت المشاعر في أحيان كثيرة تحت وطأة ما يُسمى بالوقار والعيب والتربية. يُستنكر بكاء الرجل، بل وحتى الصبي، ويُربّى الذكر مبكرًا على أن إظهار ضعفه عيب. أما التلامس الحميم بين أفراد الأسرة فغالبًا ما يكون نادرًا؛ قد يكبر الأبناء دون أن يعتادوا حضن أبيهم أو التعبير له عن الحب، وحتى الزوجان يتحاشيان أمام أولادهما كثيرًا من مظاهر المودة البسيطة، كأن العاطفة نفسها شيء ينبغي إخفاؤه.
وهكذا لا نكتفي بكبت الحزن، بل نكبت أيضًا الفرح والحب والحنان؛ أي المشاعر الطبيعية التي تجعل الإنسان إنسانًا.
