أساور أمي.. حين يصير للذاكرة صوت – قراءة نقدية في نص للكاتبة جميلة وهبان

أساور أمي.. حين يصير للذاكرة صوت – قراءة نقدية في نص للكاتبة جميلة وهبان

اللوحة: الفنان السوري محمد غنوم

نص ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ “أدب التفاصيل الصغيرة” من نوع النصوص العميقة التي تحتفي بالتفاصيل الصغيرة، وتقوم على تحويل جزئية يومية مهملة إلى مفتاح وجودي.

أولاً- بنية النص وثيمة الأمان

النص لا يحكي قصة بالمعنى التقليدي للحدث والعقدة والحل، بل يبني حالة شعورية واحدة ومكثفة هي باختصار: “الأمان كصوت”.

الكاتبة لم تقل “أمي كانت تمنحني الأمان” وهي الجملة المباشرة المستهلكة، بل نقلت الأمان من كونه معنى مجرداً إلى علامة سمعية ملموسة: رنة الأساور. هذا هو نجاح النص الأول والأهم. هو تحويل انتقل بنا وبفنيات النص من التجريد إلى التشخيص.

البنية الزمنية للنص ثلاثية وواضحة:

1. زمن الطفولة: حيث الصوت هو العالم كله “سقف عالمي الصغير”.

2. زمن الكبر والتباعد: “تبدلت ملامح البيت” – وهي جملة ذكية تختصر اغتراباً كاملاً.

3. زمن الاستدعاء اللاإرادي: لحظة سماع صوت مشابه في الحاضر، فيعود الزمن كله.

هذه البنية الدائرية هي ما يمنح النص إيقاعه الحزين الهادئ. إذ يبدأ بالصوت وينتهي بالصوت.

ثانياً- جماليات النص.. أين تكمن قوته؟

1. اقتصاد الرمز وذكاء الاختيار:

الأساور ليست اختياراً عشوائياً. هي رمز يمني / عربي أصيل، مرتبط بالأنوثة والأمومة والبيت. لو قالت “صوت خطوات أمي” لكان أقل خصوصية. الأساور لها رنين معدني، متكرر، لطيف، يمكن تمييزه عن بعد. اختيار موفق جداً، يعكس عمق الرؤية، ويخدم – في الآن ذاته – الفكرة.

2. حاسة السمع بدل البصر:

معظم كتابات الأمومة تعتمد على البصر: وجه أمي، عينا أمي، يد أمي. وهبان تذهب إلى حاسة منسية في الكتابة العربية وهي حاسة السمع. وهي الحاسة الأكثر أهمية لمعرفة كل ما يحيط بنا، قال الله تعالى “إنما يستجيب الذين يسمعون”، ثم إننا كثيرا ما نحب الأشياء با السمع، ويكون تأثير الصوت أسبق إلى أعماقنا من المشاهدة ألم يقل الشاعر العربي: “والأذن تعشق قبل العين أحيانا”.. 

وهذا ما يمنح النص فرادته. “لم تكن أمي بحاجة أن تناديني، فقد كانت أساورها تناديني بطريقة أخرى.” هذه من أجمل جمل النص وأكثرها شاعرية وكثافة.

3. اللغة الوجدانية الصافية:

اللغة بسيطة، غير متكلفة، بلا استعراض بلاغي ثقيل. وهذا يلائم تماماً صوت الطفلة التي تروي. الجمل قصيرة، متقطعة أحياناً، تشبه التنهد: “هل هذه أمي؟ هل ستأتي الآن؟ هل ما زالت تلك الرنة تعني أن كل شيء بخير؟” هذا التقطيع يصنع إيقاعاً داخلياً يشبه نبض الذاكرة.

ثالثاً- مآخذ نقدية.. ما الذي يمكن أن يرتقي بالنص؟

رغم جمال النص وصدقه، وهو نص صالح للنشر ويستحق الانتشار، إلا أن مقاربة نقدية حصيفة تُلزم بالإشارة إلى هنات يمكن تجاوزها في تجارب قادمة:

1. تكرار المفردات والترادف العاطفي:

تتكرر كلمات “صوت، رنة، أساور، أمي، بخير، بيت” بكثافة عالية. التكرار مقصود لخلق اللازمة، لكنه في بعض المواضع يصبح إلحاحاً. جملة “صوتها حين يناديني، رائحتها حين تملأ المكان، ويدها حين تمسح على قلبي” جميلة لكنها تقليدية ومكررة في أدبيات الأم، وتخرج عن حاسة السمع التي هي مركز تفرد النص وتعيده إلى الكليشيه البصري/ اللمسي المعتاد.

2. الخاتمة المفتوحة التي تكاد تكون مغلقة:

النهاية: “وأن العالم بخير” هي نهاية متوقعة وآمنة. القارئ كان ينتظرها. النص القوي قد يحتاج إلى مفارقة أخيرة أو التفاتة غير متوقعة. مثلاً، أن تكتشف الطفلة أن العالم لم يعد بخير بدون تلك الرنة، أو أن الرنة بقيت والبيت لم يبق. النهاية الحالية جميلة لكنها مريحة أكثر من اللازم، لا تترك وخزة.

ما أود قوله هنا والآن:

أن نص “أساور أمي” هو نص وجداني صادق، مكتمل الأركان، ينجو من فخ النحيب المفتعل الذي تقع فيه كثير من كتابات الأمومة، لأنه يبني حنينه على تفصيل حسي ذكي.

قوته ليست في لغته العالية، بل في صدقه العالي. وهو يمثل اتجاهاً مهماً في الكتابة النسوية اليمنية الجديدة التي لا تكتب عن المرأة كقضية، بل كذاكرة وكجسد وكصوت في البيت.

– نص يستحق القراءة، لأنه يُذكِّر كل واحد منا برنة أساوره الخاصة، أياً كان شكلها.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد