د. حامد فضل الله

كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على كرامته وهويته في مواجهة الاغتراب والعنصرية والانكسارات المتلاحقة؟
تنسج الكاتبة سعاد الراعي عالمها السردي من تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان، وتلامس قضايا يعيشها كثير من المهاجرين والمنفيين في عالمنا المعاصر.
فبطلتها “ندى” ليست شخصية فردية فحسب، بل تمثل شريحة واسعة من البشر الذي يحملون أوطانهم في ذاكرتهم، ويبحثون عن الاعتراف بإنسانيتهم قبل أي شيء أخر.
وتقوم الرواية على لغة ذات نفس شعري واضح، تتكئ على الصورة والاستعارة والاِيقاع، فتمنح السرد بعدًا وجدانيًا ينسجم مع طبيعة التجربة التي تعيشها البطلة.
كما يلاحظ القارئ حرص الكاتبة على جعل الألم الاِنساني محورًا للرواية، لا بوصفه غاية، وإنما طريقًا الى المقاومة والأمل والاِنبعاث.
ويبرز في العمل اهتمام واضح بقضايا الاندماج والاغتراب، وما قد يتعرض له الاِنسان من صور الاِقصاء والعنصرية الى جانب نقد بعض الممارسات البيروقراطية التي تُفقد المؤسسات رسالتها الاِنسانية، وهي موضوعات تمنح الرواية بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود الحكاية الفردية، مع بقاء أي عمل إبداعي مفتوحًا على تعدد القراءات واختلاف التأويلات.
ولعل من المهم ان يُترك للنص حقه في مخاطبة قارئه مباشرة، فبينما يفضل بعض القراء أن يطلعوا مسبقًا على ملامح رؤية الكاتبة وقضاياها، يختار آخرون أن يخوضوا تجربة القراءة من دون وسائط، تاركين للنص وحده مهمة الكشف عن دلالاته وبناء معانيه. ومن هنا فإن هذه الصفحات ليست سوى إضاءة أولى، لا تغني عن متعة الاكتشاف التي تمنحها الرواية لقارئها.
وقد يلمس القارئ عناية الكاتبة بالتوكيد على بعض القضايا الإنسانية، من خلال العودة إليها في أكثر من موضع، بما يعكس إصرار النص على ترسيخ قيم الكرامة والعدالة والتسامح.
أن هذه الرواية تنتمي الى ذلك اللون من السرد الذي يجعل الاِنسان محور اهتمامه الأول، ويؤمن بأن الأدب لا يكتفي بسرد الواقع، بل يسعى أيضًا الى مساءلته وإضاءة جوانبه المعتمة.
ولهذا فأن ” قبل أن يذبل القلب” ليست مجرد حكاية عن الغربة، بل هي دعوة الى إعادة التفكير في معنى الانتماء، وفي مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه الآخر، أيا كان أصله أو هُويته.
وأحسب أن القارئ سيجد بين صفحات هذا العمل تجربة تستحق التأمل، لأنها تنطلق من وجع إنساني صادق، وتطمح الى أن تفتح نافذة على الأمل، مؤكدة أن القلب، مهما أثقلته الجراح، يبقى قادرًا على مقاومة الذبول متى تمسك بكرامته واِنسانيته.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أحيى الكاتبة سعاد الراعي على هذا الجهد الاِبداعي، الذي يجمع بين صدق التجربة ودفء الاِحساس، ويطرح قضايا الاِنسان بلغة مشحونة بالعاطفة والتأمل. لقد استطاعت أن تنسج عملًا يلامس الوجدان ويثير الأسئلة، ويمنح القارئ فرصة للتفكير في قضايا الغربة والانتماء والكرامة الاِنسانية، وهي بذلك تضيف الى تجربتها الأدبية عملًا جديرًا بالقراءة والتقدير، ومتمنيًا لها دوام الاِبداع والتألق.
رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك.. من رواية قيد الإنجاز
حامد فضل الله، طبيب اختصاص، كاتب وقاص سوداني، ناشط في مجال حقوق الاِنسان، تتركز أبحاثه في قضايا الهجرة والاندماج في المجتمع الألماني وحقوق الاِنسان. ويعيش منذ فترة طويلة في برلين.