اللوحة: الفنان السوري بشير بشير
في رثاء جمال ناجي
رَحَلْتَ وَفِي كَفَّيْكَ حِبْرٌ وَدَفْتَرْ
وَفِي عَيْنِ حَرْفِكَ لِلْحَيَارَى مُفَسَّرْ
تَرَكْتَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كُنْتَ صُغْتَهَا
يَتِيمَاتِ حَرْفٍ بَعْدَ عَيْنِكَ تَزْهَرْ
فَيَا جَمَالَ نَاجِي تَرَجَّلَ حَرْفُهْ
وَلَكِنَّ فِكْرَكَ فِي القُلُوبِ مُؤَثَّرْ
كَتَبْتَ لِعَمَّانَ الَّتِي أَنْتَ رُوحُهَا
وَلِلْقُدْسِ جُرْحٌ فِي السُّطُورِ مُعَبَّرْ
مَضَيْتَ وَمَا زَالَ الطَّرِيقُ مُعَلِّمَا
بِأَنَّ الرِّوَائِيَّ الحُرَّ لَا يَتَقَهْقَرْ
وَكَمْ سِرْتَ فِي دَرْبِ الحِكَايَةِ صَابِرَا
تُوَاسِي جِرَاحَ النَّاسِ لَا تَتَذَمَّرْ
جَعَلْتَ مِنَ المَنْسِيِّ بَطَلَ قِصَّةٍ
وَمَنْ لَا يَرَاهُ النَّاسُ عِنْدَكَ يُنْظَرْ
حَمَلْتَ هُمُومَ الوَحْدَاتِ وَنَبْضَهَا
وَفِي كُلِّ زُقٍّ مِنْهُ هَمٌّ مُسَعَّرْ
رَأَيْنَاكَ بَيْنَ النَّاسِ طَلْقًا مُبَشِّرَا
وَوَجْهُكَ مِثْلُ الصُّبْحِ حِينَ يُسْفِرْ
فَلَا الدَّهْرُ أَنْسَاكَ وَلَا المَوْتُ غَيَّبَ
سَنَاكَ فَأَنْتَ النُّورُ لَا يَتَكَدَّرْ
كَتَبْتَ فَمَا خَادَعْتَ يَوْمًا قَارِئَا
وَلَا بِعْتَ حَرْفًا لِلَّذِي هُوَ أَحْقَرْ
وَقَفْتَ مَعَ المَظْلُومِ حَتَّى نَصَرْتَهُ
بِحَرْفٍ كَسَيْفِ الحَقِّ لَا يَتَكَسَّرْ
سَلِ الحِبْرَ عَنْكَ فَكَمْ سَهِرْتَ لِأَجْلِهِ
وَكَمْ ذَابَ فِي كَفَّيْكَ ثُمَّ تَصَوَّرْ
أَرَاكَ عَلَى رَفِّ المَكَاتِبِ جَالِسَا
تُحَدِّثُنَا وَالصَّمْتُ أَبْلَغُ وَأَكْثَرْ
رَحَلْتَ وَفِي عَمَّانَ أَلْفُ حِكَايَةٍ
تُنَادِيكَ يَا مَنْ فِيهِ عِزٌّ وَمَفْخَرْ
فَيَا صَاحِبَ القَلْبِ الكَبِيرِ تَحِيَّةً
مِنَ الحَرْفِ تَبْقَى مَا بَقِيتَ وَتَكْبُرْ
سَتَبْقَى كِتَابَاتُكَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ
مَنَارًا لِمَنْ يَهْوَى الحَقِيقَةَ يُبْصِرْ
وَنَبْقَى عَلَى عَهْدِ الرِّوَايَةِ بَعْدَكُمْ
أُوْفِيَاءَ لَا نَنْسَى العُهُودَ وَنَذْكُرْ
نَمُوتُ وَيَبْقَى الحَرْفُ حَيًّا مُخَلَّدَا
وَذِكْرُكَ يَا جَمَّالُ عِطْرٌ وَعَنْبَرْ
فَنَمْ فِي جِنَانِ الخُلْدِ رَمْزًا مُكَرَّمَا
فَمِثْلُكَ فِي دُنْيَا الأَدِيبِ لَيَنْدُرْ
