اللوحة: الفنان النيجيري فيكتور أوبابيك
كانت القرية تخبو ألوانها الأخيرة في الغسق. وتستفرغ الأزقة الضيقة المصنوعة من الطين والحجر القديم أسراب الأطفال؛ ولم يتبقَّ من الشخوص النهارية سوى رائحة الدخان المتصاعد من المداخن فوق السطوح.
عند أطراف الضيعة، وفي قلب بيت صغير تحيط به أشجار زيتون عتيقة وهرمة، كان يوسف، ابن الثماني سنوات، يجلس على كرسي خشبي مرتفع جوار النافذة. كانت طريقة لعبه صامتة؛ إذ يفضل مراقبة النمل وهو يتسلق حافة الخشب على أن يركض خلف كرة مع بقية صبيان الحي. كان طفلاً يلاحظ كل شيء: النبرة التي تتغير بها ضحكة أمه حين تمر الخيول في الشارع، والطريقة التي يغلق بها أبوه الباب عندما يشح المحصول.
في تلك الليلة، لم يكن هناك صوت سوى أزيز المدفأة وطقطقة الأواني. كانت أمه، مريم، تنقل العشاء إلى الطاولة بحركات هادئة كغيمة تتراءى على استحياء. وكانت خصلات من شعرها الفاحم تتفلت من الخمار الخفيف كلما انحنت. كان يوسف يرقبها، ويلمح في عينيها ذلك التعب العذب الذي يتلوه دائماً عناق دافئ وقصة قصيرة قبل النوم.
تبدل كل شيء حين انفتح باب الدار بعنف غير معتاد. لم يدخل عمر كعادته كل مساء، يلقي بعباءته على الكرسي ويطلب الماء، بل دخل بخطوات ثقيلة تستشف منها شراً طوته الصدور.
وقف عند العتبة لبضع ثوانٍ، يتأمل زوجته وابنه. كانت عيناه محمرتين، تتنقلان من زاوية إلى أخرى كأنه يفتش عن شيء مفقود أو ينتظر ذريعة لينفجر. خيم السكون التام على المكان؛ حتى الريح في الخارج بدت وكأنها توقفت بغتة.
«ألم تجلبي الماء من البئر؟» سأل عمر بصوت حاد، خفيض لكنه مفعم بالوعيد.
رفعت مريم رأسها، ونظرت إليه بهدوء تشوبه الرهبة: «كانت البئر جافة اليوم يا عمر. انتظرت أن يبرد الجو لنذهب معاً إلى القناة.»
لم تكن هذه هي الإجابة التي يبحث عنها. خطا خطوة إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بصرخة دوت كالقصف، جعلت يوسف ينكمش على كرسيه. انقبضت يدا الطفل الصغيرتان على حافة الطاولة الخشبية، بينما جالت نظراته بين ملامح أبيه المجهدة وسعي أمه الحثيث للحفاظ على التماسك.
ارتفع الصوت شيئاً فشيئاً. لم تكن المرة الأولى التي يتشاجران فيها، لكن الليل كان يعيد لكل كلمة صداها الضخم. تمنى يوسف لو يغمض عينيه فيختفي، أو ينادي أمه ليركضا معاً خارج هذا السقف الخانق.
تفوّه أبوه بكلمات متضاربة، كلمات عن الفقر، وعن العار، وعن الشكوك التي تلتف حول عنقه كالأفاعي. ورَدّت مريم بصوت متوسل، تنفي وتبكي، وتضع يديها على صدرها كأنها تحمي قلبها من كلمات كانت أشد إيلاماً من الضربات.
وفجأة، لم يعد الشجار مجرد كلام. اندفع عمر نحوها، وانكسر إناء فخاري على الأرض، فنثر الماء والشظايا الصغيرة في كل مكان. صرخت مريم، لا طلباً للنجدة، بل خوفاً على يوسف الذي كان يرقب كل شيء بعينين متسعتين وساكنتين.
هرعت نحو الزاوية، باحثة عن ملجأ بدافع الغريزة، لكن عمر كان أسرع. سلّ من تحت عباءته خنجراً قديماً بصدأ يكسو حدته، وهو خنجر كان يوسف يراه دائماً معلقاً على الجدار، ويمسح أبوه الفولاذ عنه كل جمعة.
بالنسبة ليوسف، تجمد الزمن.
رأى الضوء الأصفر الضئيل لمصباح الزيت ينعكس على حديد الخنجر. رأى أمه ترفع يديها الصغيرتين لتدفع الخطر، ورأى عيني أبيه، اللتين لم تعودا تشبهان عيني الرجل الذي كان يحمله على كتفيه في الأعياد. كانت عيناه مليئتين بظلام كاحل، ظلام لا يعرف الرحمة.
هوت الضربة الأولى.
كانت صرخة مريم قصيرة، مكتومة، كأن الهواء فرّ بغتة من رئتيها. خانتها ساقاها فهوت على حافة السجادة البالية. لم يتوقف عمر؛ تتابعت الضربات بعمى وهستيريا. كان صوت المعدن وهو يصطدم بالجسد، وحشرجة الأنفاس المتلاحقة الممزوجة بالأنين، ترن في أذني يوسف كصاعقة تنبعث من داخل رأسه ذاته.
تلطخ الجدار الأبيض بأحمر قانٍ. رأى يوسف أمه تنظر إليه في لحظاتها الأخيرة، نظرة طويلة لم تدم سوى ثوانٍ معدودات، لكنها اختزلت كل الوداع، وكل الاعتذار لأنها تركته وحيداً في هذا العالم. ثم، انطفأت.
حل صمت مرعب. صمت أثقل من الجبال.
كان عمر يقف فوق الجسد، يتنفس بصعوبة، كأنه استيقظ للتو من كابوس طويل ليجد نفسه في كابوس أكبر. سقط الخنجر من يده المرتجفة، محدثاً رنيناً معدنياً تردد صداه في كل أركان الغرفة.
جال بسبابته وعينيه حول المكان ببطء، كأن حواسه تعود إلى السطح شيئاً فشيئاً. أدار رأسه نحو الكرسي الخشبي، واستقرت عيناه الملطختان بالذهول على يوسف.
كان الطفل لا يزال جالساً في مكانه. لم يصدر عنه أي صوت، لم يبكِ ولم يصرخ. كانت عيناه مسمرتين على جثمان أمه الساكن على الأرض، وعلى بقعة الدم التي تتسع ببطء حتى وصلت إلى حافة حذائه الصغير. وعندما التقت عيناه بعيني أبيه، لم تكن في عيني يوسف ذرة خوف، بل غياب تام للحياة، كأن الروح غادرت الجسد في اللحظة نفسها التي فارقت فيها روح أمه.
خطا عمر خطوة نحو ابنه، ممتداً بيده الملطخة: «يوسف…»
لكن الطفل لم يتحرك ولم يطرف له جفن. لم يهرب ولم يبتعد. كان ينظر إلى اليد المصبوغة بالقتام كأنها يد غريب. هذا الذهول المتصلب على وجه الصبي جعل القاتل يتراجع خطوة إلى الخلف؛ إذ خاف عمر من صمت ابنه أكثر مما خاف من الجريمة التي ارتكبها للتو.
ركض عمر خارجاً في حلكة الليل، تاركاً الباب مفتوحاً للريح العاتية التي دخلت وتلاعبت بمصباح الزيت حتى أطفأته، لتغرق الدار في ظلام دامس.
بقي يوسف وحيداً في العتمة. نزل عن الكرسي ببطء شديد وخطا خطوتين نحو أمه. جلس بجوارها على الأرض المبللة بالدماء وأمسك بيدها الباردة. أمال رأسه الصغير على كتفها واستمع إلى الصمت. لم يكن هناك نبض. لم يكن هناك نفس. لم تكن هناك سوى رائحة الصدأ والموت.
عندما بزغت شمس الصباح، وجد أهل القرية يوسف جالساً على عتبة البيت. كانت ملابسه ملطخة بالدم الجاف وعيناه مفتوحتين، شاخصتين في الفراغ.
وعندما دخلوا الدار واكتشفوا الفاجعة، ضجت القرية بالصراخ والنحيب. جاء الرجال والنساء وحاولوا تحريك يوسف، لكنه كان كالحجر المصمت. لم ينطق بكلمة واحدة. سألوه عما حدث، ومن كان الفاعل، وأين أبوه، لكن شفتيه المنطبقتين لم تتزحزحا.
قُبض على عمر بعد أيام عند أطراف الجبال المجاورة؛ سلم نفسه دون مقاومة، وهو يهذي بكلمات غير مفهومة عن أعيُن تلاحقه. أُخذ يوسف ليعيش في بيت خالته في قرية مجاورة. بيت جديد، ووجوه جديدة، لكن ما انكسر في تلك الليلة كان يستحيل ترميمه.
مرت السنون وأصبح يوسف شاباً في الثانية والعشرين من عمره. كان طوله وملامحه يشبهان أباه، لكن عينيه كانتا تحتضنان غيمة أبدية لا تنقشع.
لم يتحدث يوسف قط عن تلك الليلة. عاش في عزلة تامة، يعمل في ورشة للنجارة وحفر الخشب، وهي مهنة تتطلب الصمت والتركيز العميق. كان يطرق الخشب وينشره لساعات، كأنه يحاول دفن الأصوات القديمة تحت صرير المناشير.
كلما نظر في المرآة، رأى وجه الرجل الذي قتل أمه. لم يكن الخوف الأكبر في حياته هو الظلام، ولا الذكريات، بل حقيقة أنه يحمل في جيناته ملامح القاتل. كان يخشى أن تتحرك يداه يوماً بدافع اندفاعي، تنفصلان عن العقل، تماماً كما حدث لأبيه. لهذا السبب، كان يجهد نفسه ليكون أكثر الناس هدوءاً على وجه الأرض، هدوءاً يتاخم البرود.
في يوم خريفي، وردته رسالة من السجن المركزي بالمدينة. كان أبوه يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب مرض أنهك جسده لعقود، وكان يطلب رؤيته للمرة الأولى والأخيرة قبل أن يموت.
وقف يوسف أمام البوابة الحديدية العالية للسجن. كانت السماء تهطل رذاذاً خفيفاً، ورائحة المطر تذكره بتلك الليلة القديمة. دخل الغرفة المعتمة وجلس خلف حاجز زجاجي سميك.
أُدخل عمر. كان رجلاً عجوزاً، محني الظهر، اشتعل رأسه شيباً وغارت ملامحه جراء المرض. لم يعد ذلك الرجل المخيف الذي انتزع الحياة من أمه. رفع الشيخ عينيه الغائمتين ونظر إلى يوسف عبر الزجاج، واضعاً يديه المرتجفتين على الطاولة.
«يوسف…» قال العجوز بصوت مبحوح ومتحشرج. «سامحني… لم أكن أنا… كان الشيطان…»
نظر يوسف إلى العجوز القابع أمامه. لم يشعر بغضب عارم، ولا برغبة في الانتقام. كل ما شعر به هو فراغ هائل، فراغ حُفر قبل أربعة عشر عاماً.
رفع يوسف يده ووضعها على الحاجز الزجاجي، في المقابل تماماً ليد أبيه المرتجفة.
نظر في عيني القاتل وقال بوضوح وهدوء، ناطقاً بأولى كلماته عن تلك الليلة منذ كان طفلاً:
«أنا لم أنسَ يا أبي. لقد رأيت كل شيء. رأيت عينيك ورأيت عينيها. في تلك الليلة، لم تقتل أمي فحسب… بل قتلت الطفل الذي كان يمكن أن أكونه.»
نهض يوسف ببطء عن الكرسي وأعطى ظهره للعجوز، الذي أخذ يجهش بالبكاء بصوت خافت ومكسور.
خرج إلى الشارع، واستقبله المطر المتساقط من السماء. مسح وجهه بالماء البارد، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعر بشيء ينفرج في صدره. لم يكن قد تعافى من الجرح، لكنه فهم أخيراً أنه ليس أباه، وأن الظل الذي عاش فيه طوال حياته لم يكن ظله، بل مجرد طيف ليلة لم تستطع أن تلوث روحه الحقيقية. ابتسم ببطء ومشى تحت المطر، تاركاً الليل والماضي خلف ظهره إلى الأبد.
