شاعر فقد بصره لأنه تغزل بمحبوبته

شاعر فقد بصره لأنه تغزل بمحبوبته

اللوحة: الفنان الكوري يونغسونغ كيم

إنه المؤمّل بن أميل المحاربي، شاعر كوفي مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وكانت شهرته في الدولة العباسية أكثر؛ لأنه كان من الجند المرتزقة معهم، انقطع إلى خدمة الخليفة المهدي في حياة أبيه أبي جعفر المنصور وبعده، وله قصة طريفة معهما:

يروى إن المؤمل مدح الأمير المهدي ببلاد فارس، فأعجب المهدي بشعره وأمر له بجائزة ضخمة قيمتها عشرون ألف درهم، ووصل الخبر إلى الخليفة أبي جعفر المنصور في بغداد، وكان المنصور معروفاً بحرصه الشديد، فاستكثر المبلغ وغضب من ابنه المهدي، وأرسل بريداً يأمر فيه بوضع حرس على جسر النهروان في مدخل بغداد لاستيقاف القوافل والقبض على الشاعر، فضبطوه وأدخلوه على المنصور وهو يرتعد خوفا، فسأله المنصور: أنت المؤمل؟ قال: نعم. فقال: أتيت غلاماً غراً (يقصد المهدي) فخدعته ومدحته ببيت لا يساوي مئة درهم وأخذت عشرين ألفاً؟ ثم أمره المنصور أن ينشده ما قال، فأنشد المؤمل:

هو المهديّ إلاّ أنّ فيه

مشابه صورة القمر المنير

تشابه ذا وذا فهما إذا ما

أنارا يشكلان على البصير

فهذا في الضياء سراج عدلٍ

وهذا في الظلام سراج نور

فلمّا سمعه المنصور استحسنه، وسكن غضبه وتبسم، لكنه صادر العشرين ألف درهم، وأعطى المؤمل منها أربعة آلاف فقط. 

أما عن حادثة فقدانه البصر، وهي قصة قصيدته التي اخترناها اليوم، فهي إنما تدل على تمثل الحكمة العربية التي تقول: «احذر لسانك أن تقول فتبتلى.. إن البلاء مُوكّل بالمنطق».

أحبَّ المؤمل امرأة من أهل الحيرة تدعى (هند)، ونظم فيها رائعته التي مطلعها: شَفَّ المُؤَمَّلَ يَوْمَ الحِيرَةِ النَّظَرُ … لَيْتَ المُؤَمَّلَ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ بَصَرُ، ويُذكر أنه لم تمر سوى فترة قصيرة على قوله هذا البيت وتمنيه ألا يُخلق له بصر، حتى أصابه العمى فعلياً وفقد بصره في أواخر حياته وتوفي عام 805م (190 هـ). ويقال إنه رأى في منامه رجلا أدخل أصبعيه في عينيه، وقال: هذا ما تمنيت، فأصبح أعمى! فإليكم القصيدة التي يقال إنه بسببها فقد البصر:

شَـفَّ المـُؤَمَّـلَ يـَوْمَ الحِـيـرَةِ النَـظَرُ 

لَيــتَ المـُؤَمَّـلَ لَمْ يـُخـلَقْ لَهُ بـَصَـرُ

صِـفْ لِلأَحِـبَّةِ مـَا لَاقِـيـتَ مِـنْ سَهَـرٍ 

إِنَّ الأَحِـبَّةَ لَا يـَدْرُونَ مـَا السَّهَرُ

إِنْ كُـنْتِ جَـاهِلَةً بـِالحُـبِّ فَانْطَلِقِي 

إِلَى القُـبُـورِ فَفِي مَنْ حَلَّهَا العِبَرُ

أَمْــسَـيـتِ أَحْـسَنَ خَـلْقِ اللَّهِ كُلِّهِـمْ 

فـَخـَبِّرِيــنَـا أَشَـمْسٌ أَنْـتِ أَمْ قَـمَـرُ

إِذَا مَــرِضْـنَـا أَتَـيـْنـَاكُمْ نُـزُورُكُـمْ 

وَتُــذْنِــبـُونَ فـَنَـأْتِـيكُـمْ فـَنَعْتَذِرُ

لَا تَـحْـسَـبـِنِّي غَـنِيّاً عَـنْ مَـحَبَّتِكُمْ

إِنِّـي إِلَيْــكِ وَإِنْ أَيـْسَـرْتُ مُـفْتَقِرُ

إِنَّ الحَـبِـيبَ يـُرِيدُ السَّيْرَ فِي صَفَرٍ

لَيـتَ الشـُّهُـورَ هَـوَى مِنْ بَيْنِهَا صَفَرُ

يَكْفِي المُحِبِّينَ فِي الدُّنْيَا عَذَابُهُمْ 

وَاللَّهِ لَا عَـذَّبَـتْـهُـمْ بـَعْدَهـَا سَـقَرُ

لَمَّـا رَمَـتْ مُـهْـجَـتِـي قَالَتْ لِجَارَتِهَا

إِنِّــي قَـتَـلْتُ قَـتِـيلاً مـَا لَهُ خَـطَرُ

قَـتَـلْتُ شَـاعِـرَ هَـذَا الحَـيِّ مِـنْ مُـضَرٍ

وَاللَّهُ يـَعْلَمُ مَـا تَـرْضَى بـِذَا مُضَرُ

شَـكَوْتُ مَا بِي إِلَى هِنْدٍ فَمَا اكْتَرَثَتْ

مَـا قَـلْبُهـَا أَحَـدِيدٌ أَنْـتِ أَمْ حَـجَـرُ

وَإِنَّـمـَا أَقْـصَـدَتْ قَـلْبـِي بـِمُـقْلَتِهـَا

مَـا كَـانَ قَوْسٌ وَلَا سَـهْمٌ وَلَا وَتَرُ

إِنِّــي قُــتِـلْتُ بـِلَا جُـرْمٍ وَقَـاتِـلَتِي 

يـَا قَـوْمُ جَـارِيَةٌ فِـي طَـرْفِهَا حَوَرُ

أَحْـــبَـــبْـــتُ مِــنْ حُــبِّهَــا ذَوِي إِحَـنٍ

بـَيـْنِـي وَبـَيـْنَهـُمُ النِّـيرَانُ تَسْتَعِرُ

إِنِّـي لَأَصْـفَـحُ عَـنْـهَا حِـينَ تَظْلِمُنِي

وَكَـيـْفَ مِـنْ نَـفْـسِـهِ الإِنْسَانُ يَنْتَصِرُ

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد