اللوحة: الفنانة الإيرانية إلهام اعتمادي
استيقظ رجل ذات صباح فاكتشف أن السقف فوقه منخفض بثلاثة سنتيمترات عن الأمس. لم يكن الأمر وهماً، وضع يده، قاس، تأكد. السقف يقترب. لم يخبر أحداً، لأن الناس لا تحب من يخبرها أن السقف يقترب، سيقولون له اشتر سلماً أقصر أو نم على بطنك. فقرر أن يتعايش مع المسافة الجديدة، ثنى رقبته قليلاً، ومضى إلى عمله.
في الطريق لاحظ أن الظلال لا تتبعه، بل تسبقه بخطوة، كأنها مستعجلة وتريد أن تحجز له مكاناً في الطابور. عندما وصل، وجد أن الكراسي في المكتب تذكر أسماء من جلس عليها قبله. ليس بالكتابة، بل بطريقة جلوسها. كرسي يحنّ للظهر، وكرسي يهرب من صاحبه. جلس على كرسيه فاعتذر له الكرسي همساً: “تحملني”. الرجل فهم فجأة أن الأشياء متعبة أكثر من البشر، لأنها لا تستطيع الاستقالة.
في ذلك اليوم جاءت سحابة ودخلت من النافذة، دون أن تطرق. كانت سحابة صغيرة، مرتبكة، تبحث عن شيء. سألها ماذا تريدين، فقالت إنها أضاعت مدينة كانت مكلفة بتظليلها، ونسيت أين وضعتها. عرض عليها أن يساعدها، فقالت: لا يمكنك، أنت لا تملك ظلاً الآن، ظلك سبقك إلى البيت. وهذا كان صحيحاً، ظله كان قد عاد مبكراً واستلقى على الأريكة.
من هنا بدأت الفانتازيا تأخذ شكلاً إدارياً. الرجل اكتشف أن العالم ليس مصنوعاً من حجر وريح، بل من مواعيد مؤجلة. السماء لديها دفتر دوام، والطيور توقع حضوراً ثم تطير غياباً. حتى أفكاره كانت تستأذن قبل الدخول. تأتي فكرة، تطرق الباب، تقول: هل لديك وقت لي؟ فيقول: ليس الآن، فتعود بعد سنة ومعها فكرتان صغيرتان.
أطرف ما في الأمر أنه كلما حاول أن يكون جاداً، ضحك منه شيء ما. حاول أن يكتب وصيته، فالقلم كتب بدلاً عنه قائمة مشتريات. حليب، خبز، صبر إضافي. حاول أن يبكي، فجاءت دمعة متأخرة وقالت: آسفة، كنت عالقة في زحمة الأنف. فبكى ضحكاً. هذه هي الكوميديا التي لا تصفق لها، بل تراقبك وأنت تصفق لنفسك حتى تتورم يداك.
في الليل صعد إلى السطح ليقيس السقف مرة أخرى، فوجد أن السقف لم يعد سقفاً، بل أصبح فكرة عن سقف. وكانت النجوم في الأعلى ليست نجوماً، بل ثقوباً صغيرة في ستارة سوداء، وخلفها عمال صيانة يبدلون المصابيح. واحد منهم انحنى وقال له: لا تنظر كثيراً، الضوء يخجل. فخفض بصره.
تعلم الرجل مع الوقت أن يربي طائر النفاق الذي تذكره في يوم ما. كان طائراً لطيفاً في البداية، يبيض بيضاً عادياً، لكن عندما يجوع صاحبه، يتحول صدره إلى مائدة. يأكل منه صاحبه، يشكره، ثم يلعنه في سره لأنه جعله محتاجاً. الطائر لا يبالي، يعرف أن الامتنان والشتيمة يسكنان نفس الغرفة ولا يدفعان الإيجار.
مرت سنوات، أو ربما مر يوم طويل جداً كان يظن أنه سنوات. السقف عاد إلى مكانه بعد أن تعب من الانخفاض. الظلال عادت تتبعه، لكنها أصبحت تمشي ببطء احتراماً لسنه. الكراسي لم تعد تعتذر، بل صارت تطلب منه أن يجلس أطول، لأنها اشتاقت لوزنه. والسحابة التي دخلت مكتبه وجدت مدينتها أخيراً، كانت في جيبه، مطوية كفاتورة قديمة.
في النهاية جلس الرجل، لا في الأعلى ولا في الأسفل، في مكان وسط، يشبه تماماً المكان الذي نسميه نحن “حياتنا” دون أن نعرف لماذا. كان يحمل كوباً فارغاً، لكنه كان ممتلئاً عن آخره بكل الأشياء التي لم تحدث. شرب منه، فارتوى. ثم نظر حوله وقال لنفسه: يبدو أن كل شيء عبث متقن الصنع، مسرحية بلا مخرج، لكن الممثلين ملتزمون بالنص لدرجة تبكي وتضحك في آن واحد. وضحك. هذه المرة، السقف ضحك معه.
